فرق ومختبرات البحث بالجامعات المغربية.. بين التوسع الكمي وضعف المردودية العلمية

تقديم
يشكل واقع فرق ومختبرات البحث بالجامعات المغربية أحد أبرز المؤشرات على وضعية منظومة البحث العلمي برمتها. فرغم التوسع الكبير الذي عرفته الجامعات المغربية خلال العقدين الأخيرين من حيث عدد المختبرات وفرق البحث ومراكز الدكتوراه، فإن هذا التوسع الكمي لم يواكبه، في كثير من الأحيان، تطور نوعي في الإنتاج العلمي أو في التأثير الاقتصادي والاجتماعي للبحث. ويمكن تلخيص هذا الواقع في المحاور التالية:
أولاً: نقاط القوة: وتتحدد في:
اولا، ارتفاع عدد فرق البحث والمختبرات داخل مختلف الجامعات المغربية.
ثانيا، تنامي عدد طلبة الدكتوراه والأطروحات المنجزة سنوياً.
ثالثا، تحسن نسبي في النشر العلمي الدولي في بعض التخصصات، خاصة الطب والهندسة والعلوم الدقيقة.
رابعا، انخراط عدد من المختبرات في مشاريع تعاون دولي مع جامعات أوروبية وإفريقية.
خامسا، بروز جيل جديد من الباحثين الشباب القادرين على المنافسة دولياً رغم محدودية الإمكانيات.
وهذه كلها مؤشرات إيجابية تحققت بفضل مجهودات هيكلية ضخمة من قبل الوزارة.
ثانياً: الاختلالات البنيوية: الا انه رغم هذا التطور، تواجه المختبرات المغربية عدة إشكالات كبرى نذكر من أهمها:
1- غياب رؤية وطنية موحدة لأولويات البحث العلمي.
2- ضعف التمويل المخصص للبحث مقارنة بالمعايير الدولية.
3- تحول عدد من المختبرات إلى هياكل إدارية أكثر منها فضاءات للإنتاج العلمي.
4- تعدد فرق البحث داخل المؤسسة الواحدة دون تنسيق أو تكامل.
5- ضعف الحكامة وآليات التقييم الدوري.
6- محدودية التجهيزات العلمية في عدد من المختبرات.
7- ضعف العلاقة مع القطاع الاقتصادي والصناعي.
8- الاعتماد الكبير على المبادرات الفردية للأساتذة الباحثين.
ثالثاً: إشكالات التقييم: وهي معضلة كبرى، ومن أبرز اشكالاتها:
1- التركيز على عدد المنشورات أكثر من جودة الأبحاث.
2- ضعف مؤشرات نقل التكنولوجيا وبراءات الاختراع.
3- محدودية الأثر المجتمعي للأبحاث.
4- استمرار بعض مظاهر النشر في مجلات ضعيفة الجودة، مما دفع إلى الدعوة لتشديد معايير التقييم وأخلاقيات البحث العلمي.
رابعاً: تحديات فرق ومختبرات البحث في المغرب:
تواجه فرق البحث تحديات متعددة، منها:
1- استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.
2- توفير تمويل مستدام.
3- تعزيز الرقمنة والبنية التحتية البحثية.
4- تحسين التكوين المنهجي لطلبة الدكتوراه.
5- ربط البحث العلمي بحاجيات الدولة والمجتمع وسوق الشغل.
خامساً: آفاق الإصلاح:
بناء على ما سبق ما هو المطلوب لتطوير مختبرات البحث المغربية:
1- اعتماد تمويل تنافسي قائم على النتائج.
2- تقليص عدد المختبرات ودمج المتقارب منها لتكوين أقطاب بحث قوية.
3- تقييم المختبرات دورياً وفق معايير دولية.
4- تشجيع البحث متعدد التخصصات.
5- ربط التمويل بمؤشرات الأداء والأثر المجتمعي.
6- تطوير الشراكات مع المقاولات والمؤسسات العمومية.
7- دعم النشر في المجلات العلمية ذات التأثير المرتفع.
8- الاستثمار في الباحثين الشباب واستقطاب الكفاءات المغربية بالخارج.
سادسا، “نماذج وطنية ودولية في تدبير مختبرات البحث: دروس مستفادة للجامعة المغربية:
أولا، نماذج مغربية، فرغم الإكراهات العامة، توجد تجارب تستحق الدراسة، مع الحرص على تحليل عوامل نجاحها لا الاكتفاء بالإشادة بها.
1. جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية،
وتُعد من أبرز النماذج في بناء منظومة بحثية متكاملة، ويعود ذلك إلى:
أولا، تمويل مستقر وموجه للبحث.
ثانيا، مختبرات مرتبطة بقضايا استراتيجية (الفلاحة، الطاقات المتجددة، الذكاء الاصطناعي، الكيمياء…).
ثالثا، شراكات دولية واسعة.
رابعا، ربط البحث بالابتكار والمقاولة.
خامسا، استقطاب باحثين مغاربة وأجانب.
الدروس المستفادة: الحوكمة المرنة، والتمويل التنافسي، والارتباط المباشر بأولويات التنمية.
2. جامعة القاضي عياض: فقد حققت حضوراً ملحوظاً في بعض التصنيفات الدولية وذلك بفضل:
اولا، تشجيع النشر العلمي.
ثانيا، إنشاء منصات بحثية مشتركة.
ثالثا، الانفتاح على التعاون الدولي.
رابعا، تطوير مراكز الدكتوراه.
لذلك فان الدروس المستفادة: أهمية القيادة الجامعية في دعم البحث العلمي.
3. جامعة محمد الخامس، وهي تمثل نموذجاً في بعض التخصصات، خصوصاً في: الطب والهندسة، والعلوم الإنسانية والاجتماعية والقانون والعلوم السياسية. كما انها تتميز بعدد من المختبرات ذات الإنتاج العلمي المنتظم وشبكات التعاون الدولي.
4. المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية
رغم أنه ليس جامعة، فإنه يقدم نموذجاً ناجحاً في:
البحث التطبيقي والتجهيزات المتقدمة والتعاون مع الجامعات ونقل التكنولوجيا.
ثانياً: نماذج دولية،
1. جامعة تسوكوبا، ( من اقدم الجامعات اليابانية)، وقد اعتمدت سياسة دمج المختبرات في أقطاب كبرى متعددة التخصصات، مما عزز قدرتها على جذب التمويل والتعاون الدولي.
ويبقى الدرس المستفاد في هذا الإطار: الانتقال من المختبرات الصغيرة إلى مراكز بحث متكاملة.
2. جامعة سنغافورة الوطنية، ومن أبرز عوامل نجاحها: تمويل تنافسي وتقييم دوري صارم وشراكة وثيقة مع الصناعة، مع استقطاب الباحثين المتميزين عالمياً.
3. المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والذي يتميز بـ: تقييم علمي مستقل للمختبرات وربط التمويل بالأداء وتعاون مؤسسي مع الجامعات، مع استقلالية علمية وإدارية.
4. معهد كوريا المتقدم للعلوم والتكنولوجيا، ويُعد نموذجاً في توظيف البحث العلمي لخدمة التنمية الاقتصادية، من خلال: شراكات قوية مع الصناعة ودعم الابتكار وتحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات وشركات ناشئة.
تكشف المقارنة أن الفارق بين الجامعات الناجحة وغيرها لا يكمن في عدد المختبرات، بل في نمط الحكامة، وجودة التمويل، ووضوح الرؤية، وآليات التقييم. ومن ثم، فإن إصلاح منظومة البحث العلمي في المغرب يقتضي الانتقال من منطق “إدارة المختبرات” إلى منطق “قيادة المعرفة”، حيث يصبح المختبر فضاءً لإنتاج حلول علمية تخدم الدولة والمجتمع والاقتصاد.
في الختام
“إن أزمة البحث العلمي في المغرب ليست أزمة كفاءات، بل أزمة منظومة. فالجامعات المغربية تزخر بباحثين متميزين، لكنها تحتاج إلى بيئة مؤسساتية تجعل من البحث العلمي مشروعاً وطنياً للتنمية، لا مجرد نشاط أكاديمي مرتبط بالترقية. وعندما يتحول المختبر الجامعي إلى فضاء لإنتاج المعرفة والابتكار وصناعة القرار، ستتحول الجامعة المغربية من مستهلكة للمعرفة إلى شريك في إنتاجها، ومن مؤسسة للتدريس إلى مؤسسة تقود التنمية والسيادة العلمية.”
تكمن المشكلة الأساسية في أن الجامعة المغربية لا تعاني من نقص في عدد المختبرات، بل من ضعف فعاليتها البحثية. فالانتقال من “مختبرات على الورق” إلى “مختبرات منتجة للمعرفة والابتكار” يقتضي إصلاحاً عميقاً للحكامة والتمويل وآليات التقييم، وجعل البحث العلمي رافعة للتنمية الوطنية لا مجرد وسيلة للترقية الأكاديمية.
اترك تعليقاً