وجهة نظر

مؤشر الفعالية الحكومية والرهان الاجتماعي.. لماذا تغرد صناديق الاقتراع خارج حسابات التنمية؟

يكتسب النقاش السياسي مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، طابعا تقييميا يتركز حول آليات قياس نتائج السياسات العمومية ومدى انعكاسها على واقع المواطنين. وفي هذا الإطار، يبرز مؤشر فعالية الحكومة الصادر عن البنك الدولي كأداة تقنية لرصد الأداء المؤسساتي، حيث يحدد هذا المؤشر مدى كفاءة الإدارة وجودة الخدمات العمومية، كما يهم أيضا تقييم السياسات الرامية إلى تحسين فعالية القطاع العام من خلال التسيير المالي، وقدرة الحكومة على حل مشاكل التنمية، وجودة البنية التحتية اللازمة لتنمية المقاولات، ودرجة تنفيذ القرارات، وتماسك القيادة السياسية. غير أن القراءة التحليلية لنتائج هذا المؤشر تكشف عن تباين بين التنقيط الإجرائي ومعطيات الواقع المعيش. وهو ما يضع الأداء الحكومي أمام اختبار حقيقي مع اقتراب الانتخابات، حيث ينتقل النقاش من لغة الأرقام الجافة إلى لغة الأثر الميداني، مما يفتح الباب لمساءلة هذا المؤشر ومدى ارتباطه الفعلي بالواقع وتأثيره على صناديق الاقتراع.

فبالرجوع الى المعطيات الإحصائية، يتضح أن مؤشر فعالية الحكومة بالمغرب، عرف تذبذبا تاريخيا، فمن عتبة سالبة تقارب -0.40 نقطة إبان حكومة التناوب التوافقية، تم انخفض المؤشر إلى أدنى مستوياته مع حكومة جطو سنة 2005 عند 0.50- نقطة جراء تحديات تدبيرية واجهت المرفق العام حينها.  لتسجل حكومة بنكيران سنة 2015، صعودا تدريجيا ليصل المؤشر إلى 0.06- نقطة، في سياق مالي اتسم بإصلاحات ميزانياتية للحفاظ على التوازنات المالية كتحرير أسعار المحروقات واعتماد نظام المقايسة، وهو المنحى التقني الذي أرضى المؤسسات الدولية لكنه أظهر الفجوة مع غياب آليات الاستهداف الاجتماعي، ليحصل الحزب الحاكم في استحقاقات 2016 على تزكية انتخابية ثانية فتحت الباب لولاية تانية قادها العثماني. ولم يخرج هذا المسار عن طبيعته الجدلية خلال تلك الولاية، فبينما سجل المؤشر انخفاضا بلغ 0.21- نقطة سنة 2018، ليعود ويرتفع إلى 0.03- نقطة سنة 2020. غير أن هذا المنحى الرقمي المتذبذب ظل معزولا في غرف التقارير التقنية دون أثر مجتمعي ملموس. وقد توازى ذلك مع تعمق فجوة الثقة في العائد الاجتماعي للسياسات العمومية، وهي الأزمة التي ترجمت سياسيا في محطة 2021 بتراجع انتخابي حاد وغير مسبوق للحزب الحاكم. مما طرح علامات استفهام كبرى حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول في صناديق الاقتراع، وما إذا كان الشارع قد بدأ يربط صوته بتقييم الأداء، أم أن للأمر خلفيات أخرى مرتبطة ببنية السلوك الانتخابي نفسه.

ومع الحكومة الحالية، تقفز الأرقام، ويسجل مؤشر فعالية الحكومة أعلى مستوى تاريخي له سنة 2024 ببلوغه 0.18+ نقطة مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 0.05 نقطة. لكن هذا التميز الرقمي يضع الفعل العمومي اليوم في مرحلة انتظار تبلور الآثار، حيث يظل الرهان التنموي معلقا على تقليص الفجوة الاجتماعية وتحسين المؤشرات الميدانية للتشغيل والقدرة الشرائية… في المقابل، تحاول الحكومة تبرير هذا الوضع عبر التأكيد بأن مسارها ارتكز على تعزيز فعالية المالية العمومية وضبط النفقات وتحسين آليات تحصيل الموارد، وعلى توفير الإمكانيات الضرورية للوفاء بالتزاماتها وتنزيل الأوراش التنموية والاجتماعية الهادفة إلى ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية. غير أن هذا التبرير يظل محل نقاش عند تقاطعه مع الواقع. حيث تظهر المحدودية المنهجية للاعتماد على المؤشرات الدولية لتقييم الحصيلة، لكونها مصممة لقياس الانضباط المالي لا الرفاه الاجتماعي، مما ينقل التحدي القادم للحكومة من خانة تجويد التدبير التقني وضبط الحسابات، إلى خانة تسريع تحويل هذه الفعالية الإجرائية إلى أثر ميداني مستدام يلمسه المواطن في تعليمه، وصحته، وفرص شغل أبنائه.

وهذا المواطن تحديدا، الواقف في المنطقة الرمادية بين وعود الأرقام وانتظار جني ثمار السياسات، هو نفسه الذي تتوجه إليه الأنظار مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، حيت يطرح تساءل حاسم أمام صناديق الاقتراع حول ما إذا كان السلوك الانتخابي للمواطن يسائل معيار فعالية الأداء الحكومي أم يزن أثره الاجتماعي الفعلي. غير أن سوسيولوجيا الانتخابات في المغرب تكشف عن مفارقة بنيوية أعمق، ففي الوقت الذي ينشغل فيه النقاش النخبوي والمؤسساتي بالمفاضلة بين بريق الرقم التقني وواقع الأثر المعيش، يظل السلوك الانتخابي في كثير من الأحيان بمنأى عن هذه الثنائية برمتها.

فالتقييم الميداني لا يزال معزولا عن منطق المحاسبة على أساس الحصيلة، حيث لا يناقش الناخب الأداء التدبيري ولا يسائل نجاعة البرامج الحزبية، بقدر ما يظل سلوكه حبيس برمجيات تقليدية تتبع الأشخاص، وتحكمها الولاءات العائلية وشبكات النفوذ المحلية، لتصبح الصناديق الانتخابية أداة لإعادة إنتاج التوازنات الشخصية عوض أن تكون محطة للمفاضلة بين الاختيارات التنموية، لتظل العبرة في نهاية المطاف مشروطة ليس فقط على كفاءة التدبير الحكومي، بل على تحدي عصرنة السلوك الانتخابي نفسه لينتقل من عاطفة الولاء إلى عقلانية الحصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *