البرنامج الانتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار في ضوء النموذج التنموي الجديد
تكتسب البرامج الانتخابية في الديمقراطيات الحديثة أهمية استثنائية، لأنها تشكل العقد السياسي والأخلاقي الذي يربط الأحزاب بالمواطنين. ولم يعد معيار تقييم هذه البرامج مقتصرًا على كثرة الوعود أو جاذبية الشعارات، بل أصبح يرتبط بمدى انسجامها مع التحديات الوطنية، وقدرتها على تقديم رؤية استراتيجية قابلة للتنزيل، ومدى توافقها مع التوجهات الدستورية والاختيارات الكبرى للدولة.
وفي هذا السياق، يبرز البرنامج الانتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار لسنة 2026، باعتباره محاولة لبناء مشروع إصلاحي متكامل، يقوم على التوفيق بين متطلبات النمو الاقتصادي ومقتضيات العدالة الاجتماعية، ويستحضر التحولات التي عرفها المغرب منذ اعتماد دستور سنة 2011، كما يتقاطع مع مضامين النموذج التنموي الجديد، خاصة فيما يتعلق بالاستثمار في الرأسمال البشري، وتقوية الدولة الاجتماعية، وتحسين الحكامة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
إن أول ما يلفت الانتباه في البرنامج هو انتقاله من منطق الوعود القطاعية إلى بناء رؤية شمولية تعتبر أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في المؤشرات الاقتصادية، وإنما هي تحسين مستدام لجودة حياة المواطنين، وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وتقوية الثقة بين المواطن والمؤسسات.
الدولة الاجتماعية كخيار استراتيجي لدى حزب التجمع الوطني للأحرار:
أبرز ما يميز البرنامج هو تبنيه الصريح لمفهوم الدولة الاجتماعية، باعتبارها الإطار الذي يضمن تكافؤ الفرص والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. ويأتي هذا التوجه في انسجام مع الأوراش الملكية الكبرى، وعلى رأسها ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يعد أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث.
فالبرنامج ينطلق من قناعة مفادها أن التنمية الاقتصادية، مهما بلغت معدلاتها، لا يمكن أن تحقق الاستقرار إذا لم تنعكس آثارها على حياة المواطنين من خلال تعليم جيد، وخدمات صحية ذات جودة، وحماية اجتماعية فعالة، وفرص شغل تحفظ الكرامة.
الاقتصاد المنتج أساس العدالة الاجتماعية:
على خلاف المقاربات التي تضع الاقتصاد والسياسة الاجتماعية في موقع التعارض، يقدم البرنامج رؤية تعتبر أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تستمر دون اقتصاد قوي ومنتج.
ومن هنا، ركز على تحفيز الاستثمار، وتطوير المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع المبادرة الخاصة، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين مناخ الأعمال، باعتبارها أدوات لخلق الثروة وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
وتنسجم هذه الرؤية مع التوجهات الاقتصادية الحديثة التي تجعل الاستثمار والإنتاج والابتكار مصادر رئيسية للنمو، بدل الاعتماد على آليات إعادة توزيع الموارد وحدها.
الرأسمال البشري محور الإصلاح:
يضع البرنامج الانتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار الإنسان في قلب العملية التنموية، وهو ما ينسجم مع ما أكدت عليه الوثائق المرجعية الوطنية، ومنها النموذج التنموي الجديد، الذي اعتبر الرأسمال البشري الثروة الحقيقية للمغرب، والمحرك الأكثر فعالية لتحقيق التنمية المستدامة ببلادنا.
وفي هذا الإطار، يقدم البرنامج تصورًا لإصلاح التعليم يقوم على تحسين الجودة، وتأهيل الموارد البشرية، وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني، وتقليص الهدر المدرسي، وتعزيز مكانة المدرسة العمومية، وتعميم مشروع مدارس الريادة، والاستمرار في ورش ترسيم الأمازيغية في قطاع التعليم.
كما ينظر إلى الصحة باعتبارها استثمارًا في التنمية، من خلال تطوير البنيات الصحية، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع الولوج إلى العلاج.
الحكامة ورقمنة الإدارة المغربية:
يمنح البرنامج أهمية خاصة لإصلاح الإدارة، انطلاقًا من اعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية.
فالانتقال إلى الإدارة الرقمية، وتبسيط المساطر، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كلها عناصر من شأنها تحسين مناخ الاستثمار، وتقوية ثقة المواطن في المؤسسات، والرفع من جودة الخدمات الادارية العمومية.
العدالة المجالية والتنمية الترابية:
من الجوانب التي تستحق الإشادة أيضًا، تركيز البرنامج على تقليص الفوارق بين الجهات، وتوجيه الاستثمار نحو المناطق الأقل استفادة، وتعزيز التنمية القروية، بما ينسجم مع المبدأ الدستوري القائم على التضامن والتوازن بين مختلف جهات المملكة.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية بالغة في ظل استمرار بعض التفاوتات المجالية، حيث يشكل تحقيق العدالة الترابية شرطًا أساسيًا لتعزيز التماسك الوطني.
البرنامج الانتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار بين التنزيل والآفاق المستقبلية:
من أبرز نقاط القوة في البرنامج أنه حاول تجاوز الخطاب السياسي التقليدي، من خلال تحديد أولويات واضحة، وتقديم إجراءات عملية، وربط عدد من الالتزامات بتقديرات مالية دقيقة، بما يعكس توجهًا نحو التخطيط القائم على النتائج وقابلية التقييم ، ومن نماذج ذلك على سبيل المثال لا الحصر تقديم دعم مالي على شكل تخفيض ضريبي سنوي بقيمة 5000 درهم عن كل طفل قصد المساهمة في تغطية مصاريف التمدرس.
غير أن أي برنامج انتخابي، مهما بلغت جودة بنائه النظري، يبقى في النهاية رهينًا بقدرة الفاعل الحكومي على تحويل الالتزامات إلى سياسات عمومية ناجعة، وبمدى توافر الإمكانات المالية والإدارية، وقدرة مختلف المتدخلين على التنسيق والتنفيذ، وهنا يمكننا القول أن الحزب يمتلك الخبرة الحكومية والشجاعة السياسية قصد تنزيل برنامجه، والالتزام بكافة التزاماته السياسية اتجاه المواطنين، إلى جانب الحكامة التدبيرية الكافية لأجرأة برنامجه الانتخابي، وتعزيز الثقة، والتنمية والفرص للجميع.
يشكل البرنامج الانتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار نموذجًا لبرامج سياسية سعت إلى الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الرؤية الاستراتيجية، من خلال الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، والاستثمار في الإنسان، وتحديث الإدارة، وتقوية الحكامة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وسواء اتفق المتابع مع جميع مضامينه أو اختلف مع بعضها، فإن البرنامج يمثل تجربة سياسية تستحق التنويه، لأنه يعكس تطورًا في صياغة البرامج السياسية الحزبية ببلادنا، ويؤكد أن التنافس الديمقراطي لم يعد قائمًا فقط على الخطاب السياسي الأجوف العقيم، بل أصبح يرتبط بقدرة الأحزاب على تقديم تصورات متكاملة تستجيب لانتظارات المجتمع وتواكب التحولات الوطنية والدولية، و تكون قابلة للتنزيل والأجرأة الفعلية.
* عضو أطر التربية والتكوين التجمعيين بمكناس
اترك تعليقاً