منتدى العمق

حين تتجه البوصلة إلى الإنسان.. يبدأ الوطن في النهوض

ليست الأمم الكبيرة هي التي يعلو فيها الضجيج، ولا التي تستنزف أعمارها في السجالات العقيمة التي لا تثمر عملاً ولا تصنع أملاً، وإنما هي الأمم التي تجعل من الوقت جسراً نحو البناء، ومن اختلاف الآراء وسيلة للتكامل، ومن العلم والعمل والإتقان طريقاً لصناعة المستقبل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فكل نهضة حقيقية تبدأ بإصلاح الإنسان فكراً وخلقاً وسلوكاً، قبل أن تظهر في المؤسسات والمشاريع والإنجازات.

ومن المؤسف أن ينشغل كثير من الفاعلين في المجتمع بنقاشات وسجالات لا تضيف إلى حياة الناس خيراً، بينما تبقى قضايا التعليم، والصحة، والتنمية، والبحث العلمي، والأسرة، والثقافة، والتشغيل، والبيئة، في أمسّ الحاجة إلى جهود صادقة ورؤى عملية. وقد علّمنا رسول الله ﷺ قاعدة عظيمة في حسن استثمار الوقت والجهد فقال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

كما أن المبالغة في متابعة مباريات كرة القدم، مهما كانت قيمتها الترفيهية، لا ينبغي أن تتحول إلى أسلوب حياة يستهلك الساعات الطويلة ويصرف الطاقات عن الأولويات الكبرى. فالرياضة وسيلة نافعة لتقوية البدن وترفيه النفس إذا بقيت في حدود الاعتدال، أما نهضة الأمم فلا تصنعها نتائج المباريات، وإنما يصنعها العلماء، والمربون، والمهندسون، والأطباء، والمزارعون، ورواد الأعمال، وكل من يتقن عمله ويخدم وطنه بإخلاص. وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».

ويظل التعليم الاستثمار الأعظم في مستقبل الأوطان. وتشير تقارير دولية إلى وجود علاقة وثيقة بين جودة التعليم والنمو الاقتصادي والإنتاجية والابتكار. ولهذا فإن الأصل في الامتحانات الإشهادية، ومنها امتحانات الباكالوريا، أن تكون عادلة، تقيس الكفايات والمعارف الحقيقية، وتميز بين مستويات التحصيل، دون أن تتحول إلى مصدر تعسير غير مبرر أو فقدان للأمل. فالتعليم رسالة لصناعة الكفاءات، لا لإحباط الطاقات، وهو الركيزة التي قامت عليها نهضة دول كثيرة جعلت الإنسان محور التنمية.

ولعل من أكبر التحديات التي يعيشها كثير من الناس غياب البوصلة الواضحة التي تهديهم إلى أهدافهم وطموحاتهم. فكم من إنسان يركض سنوات طويلة دون أن يعرف إلى أين يتجه، وكم من طاقات عظيمة ضاعت لأنها لم تجد مشروعاً واضحاً أو رسالة سامية تحتضنها. والحياة التي لا يحكمها هدف نبيل تستهلكها التفاصيل الصغيرة، أما الحياة التي يقودها مقصد واضح فإن أيامها تتحول إلى لبنات متراكمة لبناء المستقبل. قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].

ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق نهضته إذا ضعفت فيه روابط الأسرة، لأن الأسرة هي المدرسة الأولى للقيم، ومصنع الشخصية، وحصن المودة والرحمة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. وكلما قويت أواصر المحبة وصلة الرحم والتعاون بين أفراد الأسرة، ازداد المجتمع استقراراً، وتراجعت مظاهر التفكك والعنف والأنانية. وقد قال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

ويبحث الجميع عن الغنى والسعادة وراحة البال، غير أن كثيراً منهم لا يجد إلا النزر اليسير منها؛ لأن السعادة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان من متاع، بل فيما يملكه قلبه من إيمان، وعقله من حكمة، ونفسه من رضا. فالمال نعمة عظيمة إذا أُحسن استعماله، لكنه وحده لا يشتري الطمأنينة، ولا يصنع السكينة، ولا يمنح القلب الأمن الداخلي. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

ولهذا كانت فرص الهداية والاستقامة أعظم لمن يكثر من ملازمة بيوت الله، ويتعرض لنفحات الإيمان، ويسمع الذكر والموعظة، ويجالس الصالحين، مع الإيمان الجازم بأن الهداية بيد الله وحده، يهدي إليها من يشاء بحكمته وعدله. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].

وفي أيام الصيف القائظة يدرك الإنسان جانباً من ضعفه، فيتذكر قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. فالحرارة الشديدة، والكوارث الطبيعية، والأزمات المختلفة، كلها تذكر الإنسان بأن الدنيا دار ابتلاء، وأن القوة الحقيقية في الافتقار إلى الله والتوكل عليه.

ولهذا يسعى المسلم إلى ما هو أعظم من متاع الدنيا؛ يسعى إلى طمأنينة القلب، وسكينة النفس، وراحة البال، لأنها أثمن من كثير من المكاسب المادية. وهو يعلم أن الحياة المثالية الكاملة ليست من طبيعة هذه الدنيا، وإنما الكمال المطلق في الجنة، أما الدنيا فهي دار امتحان، يختلط فيها الفرح بالحزن، والنجاح بالتعب، والعطاء بالابتلاء.

ومن أجمل القربات إلى الله أن يسعى الإنسان إلى إدخال السرور على قلوب الناس، وأن يخفف عنهم همومهم، ويعين محتاجهم، ويواسي مريضهم، ويبتسم في وجوههم، ويعاملهم بالرفق والإحسان. وقد قال ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». فالمجتمعات لا تزدهر بالقوانين وحدها، وإنما تزدهر أيضاً بالأخلاق الرحيمة والقلوب المتآلفة.

ومن أعظم ما يستثمر فيه الإنسان عمره أن يجعل القراءة والكتابة عادة يومية، وأن يواصل التعلم مدى الحياة. وليس من قبيل المصادفة أن تكون أول كلمة نزل بها الوحي: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: 1]. وتشير تقارير دولية إلى أن الدول التي ترتفع فيها معدلات القراءة والبحث العلمي والابتكار تتصدر غالباً مؤشرات التنمية والتنافسية العالمية، لأن المعرفة هي الوقود الحقيقي للحضارات.

ولا يكفي أن نشخص المشكلات، بل ينبغي أن نتقدم نحو حلها بروح المسؤولية والتعاون، وأن نجعل همَّنا إصلاح واقع المدن والقرى، ونشر الوعي، والمعرفة، والثقافة، وقيم التكافل، حتى يشعر كل إنسان بأنه شريك في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج عليه. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

كما أن من واجب الجميع نبذ أسباب التفرق والتشرذم، وتجفيف منابع الكراهية والعنف، سواء في الواقع أو في الفضاء الرقمي، وتعميق ثقافة السلم والأمن الاجتماعي، وترسيخ الاحترام المتبادل بين الناس. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. وقال ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

وحين يتقن كل إنسان عمله، ويبدع في تخصصه، ويطلق المبادرات النافعة، ويسخر خبراته لخدمة الآخرين، تتحول المهن إلى رسائل، والوظائف إلى وسائل للعطاء، ويصبح النجاح الفردي لبنة في نجاح المجتمع كله. والتاريخ شاهد على أن نهضة أمم كثيرة بدأت بإتقان العمل، واحترام الوقت، والاستثمار في الإنسان قبل البنيان.

إن الإنسان المتوازن هو الذي يغذي عقله بالعلم، وروحه بالإيمان، وجسده بالصحة، فلا يطغى جانب على آخر، بل يعيش حياة متوازنة تجمع بين الفكر والعبادة، وبين العمل والراحة، وبين الطموح والرضا.

ويبقى الطريق الأجمل هو طريق الخير؛ طريق امتثال أوامر الله ورسوله ﷺ، واجتناب المحرمات، والإكثار من النوافل من صلاة وصيام وصدقة وسائر أعمال البر. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. فأعظم مشروع في الحياة أن يلقى الإنسان ربه بقلب سليم، وعمل صالح، وأثر طيب تركه بين الناس.

فإذا اجتمع الإيمان مع العلم، والعمل مع الإتقان، والرحمة مع التعاون، والوعي مع المسؤولية، تحولت الأماني إلى إنجازات، وتبدلت الشكوى إلى مبادرات، وصار كل فرد شعلة خير في أسرته، ومجتمعه، ووطنه. وحينها فقط تتجه البوصلة إلى المكان الصحيح، ويصبح المستقبل أكثر إشراقاً، وتغدو الأوطان أقرب إلى النهضة التي ينشدها الجميع؛ نهضةٍ أساسها الإنسان، وروحها القيم، ووقودها العلم، وثمرتها العدل والإحسان والعمران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *