حين يتكدّس المستعمَل فوق المهمَل: هل يقترب النظام التشريعي من نهايته تحت ورم الكثرة؟
يشهد النظام التشريعي الفرنسي تضخماً غير مسبوق، إذ يتجاوز الإنتاج السنوي أربعين قانوناً، ما يؤدي إلى تراكم طبقات من النصوص المتوازية والمتقادمة، ويُنتج أرشيفاً قانونياً متورّماً يفوق قدرة المجتمع على الاستيعاب والامتثال. ويكشف تحليل هذا التراكم أن فئة «المهمَل» ليست كتلة واحدة، بل تنقسم إلى مهمَل منذ ولادته — نصوص تُنتَج دون حاجة اجتماعية أو دون قابلية للتطبيق — ومهمَل بفعل الزمن، أي نصوص كانت مستعمَلة ثم فقدت وظيفتها بفعل تغيّر السياقات التقنية أو الاجتماعية. في المقابل، تستمر النصوص المستعمَلة في التمدد، فتتراكم فوق طبقات من نصوص خامدة، ما يعمّق الورم التشريعي ويُظهر هشاشة آليات الفرز والمراجعة داخل المنظومة البرلمانية.
غير أن التفسير الأخلاقي وحده غير كافٍ لفهم الظاهرة. فجزء معتبر من التضخم ناتج عن تعقيد تقني موضوعي فرضته تحولات العصر: الذكاء الاصطناعي، حماية البيانات، الأمن السيبراني، التنظيم البيئي، والأسواق المالية. كما يساهم تعدد مصادر القانون في تراكم النصوص، خصوصاً الالتزامات الأوروبية والدولية التي تُدخل آلاف القواعد فوق–الوطنية في البنية التشريعية الوطنية. يضاف إلى ذلك منطق الاستجابة السياسية–الإعلامية الذي يحوّل القضايا المثارة في الفضاء العمومي إلى مشاريع قوانين ذات وظيفة رمزية أكثر منها تنظيمية.
في هذا السياق، يُطرح سؤال حول جدوى «عودة التهذيب» كآلية للحد من التضخم. التحليل يُظهر أن أثر التهذيب محدود، إذ يطال فقط التشريعات المرتبطة بالسلوك الاجتماعي، بينما يبقى عاجزاً عن معالجة التشريع التقني، أو الالتزامات فوق–الوطنية، أو دينامية التشريع الاستعراضي. وعليه، فإن التهذيب يمثل علاجاً جزئياً لجزء محدود من الظاهرة، ولا يمكن اعتباره مدخلاً شاملاً لإصلاح المنظومة.
تتمثل الأزمة الراهنة في بلوغ الآلية البرلمانية حدّها التاريخي، حيث تتراجع وظيفتها التمثيلية لصالح وظيفة إنتاج النصوص. ويقتضي تجاوز هذا الحدّ إعادة ترتيب الأولويات بين مستويين:
1. تنمية الضبط الأخلاقي في المجالات التي يمكن للتربية أن تعالجها فعلاً،
2. الاعتراف بضرورة التشريع الموضوعي في المجالات التي يفرضها التعقيد التقني والمؤسسي.
إن مستقبل الديمقراطية التمثيلية لن يكون تكراراً لنماذجها السابقة، بل بحثاً عن توازن جديد بين روح القانون وضمير الإنسان، وبين التنظيم المؤسسي وقدرة المجتمع على العيش داخل النصوص التي تُنتج باسمه. فمراجعة الآلية التشريعية المتورّمة تمثل شرطاً بنيوياً لعقلنة أي نظام سياسي مقبل، خصوصاً حين يصبح السؤال المطروح: هل يمكن لنظام تتكدّس فيه النصوص المستعمَلة فوق النصوص المهمَلة أن يستمر دون أن ينهار تحت ثقل ما ينتجه؟
اترك تعليقاً