منتدى العمق

حين تصبح الظلال ملاذًا: كيف يتدبر سكان الجنوب الشرقي المغربي موجات الحرارة صيفًا

كنزة لعليليس

مع حلول فصل الصيف، تتحول مدن وواحات الجنوب الشرقي المغربي إلى فضاءات تختبر أقصى درجات القسوة المناخية، حيث تتجاوز الحرارة في مناطق مثل الرشيدية والريصاني وأرفود وورزازات وزاكورة عتبة 47 درجة مئوية، في موجات حر متكررة باتت أقرب إلى القاعدة منها إلى الاستثناء.

ورغم هذه الظروف القاسية، يواصل السكان التكيف مع بيئة تُعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، عبر أنماط عيش متوارثة تجمع بين الحكمة المحلية وضرورات العصر.

إيقاع الحياة تحت سلطة الشمس

في الجنوب الشرقي، لا تخضع الحياة لساعة اليد بقدر ما تخضع لحركة الشمس. تبدأ الأنشطة الفلاحية مع الفجر، حيث يتوجه الفلاحون إلى الحقول قبل اشتداد القيظ، بينما ينطلق الحرفيون والتجار في عملهم خلال الساعات الأولى من النهار.

ومع اقتراب منتصف النهار، تتراجع الحركة بشكل واضح، تُغلق بعض المحلات أبوابها مؤقتًا، وتخلو الأزقة والساحات من المارة، فيما يلوذ السكان ببيوتهم هربًا من حرارة لا ترحم.

ويصف كثير من السكان الفترة الممتدة بين الثانية والخامسة مساءً بأنها “الوقت الميت”، حيث يصبح العمل في الخارج شبه مستحيل، خصوصًا مع تزايد شدة موجات الحر خلال السنوات الأخيرة.

طاطا وفكيك: امتداد القسوة المناخية

وفي أقصى الشرق الجنوبي، تعيش واحة فجيج وضعًا أكثر تعقيدًا، إذ يضاعف العزل الجغرافي والضغط المائي من حدة التأثيرات المناخية، في ظل اعتماد السكان على أنظمة تقليدية دقيقة لتدبير الماء والزراعة.

العمارة التقليدية: ذاكرة باردة في قلب الصحراء

قبل انتشار وسائل التبريد الحديثة، طورت الساكنة المحلية هندسة معمارية منسجمة مع طبيعة المناخ. فالمنازل المبنية بالطين واللبن تتميز بجدران سميكة تحافظ على برودة نسبية داخل الغرف، بينما تساهم الأزقة الضيقة في خلق الظل وتقليل تعرض الواجهات للشمس المباشرة.

كما تلعب “القصور” والأنسجة العمرانية القديمة دورًا في تنظيم تدفق الهواء وتخفيف حدة الحرارة، ما يجعل من هذه العمارة التقليدية نموذجًا مبكرًا لما يسمى اليوم بالبناء المستدام.

غير أن هذا التراث المعماري يواجه اليوم تحديات التغير المناخي ومواد البناء الحديثة، ما يطرح سؤالًا حول إمكانية إعادة إدماجه في السياسات العمرانية المعاصرة.

الماء: محور الحياة وحدود الصمود

في ظل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، يتحول الماء إلى العنصر الأكثر حساسية في الحياة اليومية. تحرص الأسر على تخزينه وتبريده بوسائل تقليدية، فيما يرتفع استهلاك الفواكه الموسمية الغنية بالماء، مثل “الدلاح”، وتزداد الحاجة إلى المشروبات الباردة.

لكن هذه الممارسات اليومية تصطدم بواقع مائي صعب، نتيجة تراجع الفرشات المائية وتوالي سنوات الجفاف، ما يضع ضغطًا متزايدًا على الواحات والمجالات القروية التي تعتمد على الآبار التقليدية.

الواحات تحت ضغط التغير المناخي

لم تعد موجات الحر مجرد ظاهرة موسمية، بل أصبحت جزءًا من تحول مناخي عميق يؤثر على المنظومة الواحية برمتها. فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تسريع تبخر المياه، وتدهور التربة، وتراجع مردودية الزراعات، خاصة أشجار النخيل التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.

وفي مناطق مثل ورزازات ومحيطها الواحي، تتزايد مؤشرات الإجهاد المائي، ما ينعكس مباشرة على النشاط الفلاحي والهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى.

بين التكييف والتفاوت الاجتماعي

رغم الانتشار المتزايد لأجهزة التكييف، فإن استخدامها يظل محدودًا لدى فئات واسعة بسبب الكلفة المرتفعة للاقتناء والاستهلاك الطاقي. لذلك، ما تزال وسائل التبريد التقليدية حاضرة بقوة: رش الماء في الساحات الداخلية، استعمال المراوح، وفتح النوافذ ليلًا لاستغلال انخفاض درجات الحرارة.

هذا الواقع يكشف أن القدرة على التكيف مع الحر لم تعد مرتبطة فقط بالمعرفة المحلية، بل أصبحت أيضًا مسألة اجتماعية واقتصادية تعكس الفوارق داخل المجتمع.

بين التأقلم وحدود الممكن

تُظهر تجربة سكان الجنوب الشرقي المغربي أن التعايش مع الحرارة ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل منظومة معقدة من السلوكيات والمعارف المتوارثة التي صمدت لقرون.

غير أن التغيرات المناخية المتسارعة اليوم تفرض حدودًا جديدة لهذا التأقلم، وتطرح الحاجة إلى تدخلات أوسع تشمل تدبير الموارد المائية، وتعزيز البنية التحتية، وإعادة الاعتبار للعمارة الطينية، ودعم الفئات الأكثر هشاشة.

ففي النهاية، لم تعد الواحات مجرد فضاءات طبيعية أو تراثية، بل أصبحت أنظمة حياة كاملة تواجه اختبار البقاء، حيث لم تعد الظلال وحدها كافية، ولا الذاكرة التقليدية وحدها قادرة على الصمود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • تودا
    منذ 3 أشهر

    كان ااه في عون سكان الجنوب الشرقي ، لو يعودوا الى البناء القديم كان احسن تحياتي

  • انس
    منذ 3 أشهر

    مقال مميز يسلط الضوء على واقع تحدي سكان الجنوب الشرقي المغربي مع موجات الحر، ويبرز قدرتهم الملهمة على التكيف مع قسوة المناخ بأسلوب يجمع بين الحكمة التقليدية ومتطلبات العصر.