منتدى العمق

الدعم الاجتماعي المباشر في المغرب: محاربة للفقر أم تكريس لثقافة الاتكالية؟

منذ إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، تؤكد الحكومة المغربية أن هذه السياسة ساهمت في تقليص نسب الفقر والهشاشة وتحسين القدرة الشرائية لآلاف الأسر، معتبرة أنها تمثل إحدى ركائز الدولة الاجتماعية، وأنها تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للفئات الأكثر هشاشة. غير أن هذا التوجه يثير، في المقابل، نقاشاً واسعاً، إذ يرى عدد من المتابعين أن الدعم، بصيغته الحالية، قد يكرس ثقافة الاتكالية، ويضعف الحافز على العمل والإنتاج، خاصة في ظل غياب ربطه ببرامج الإدماج الاقتصادي والتشغيل.

لا أحد يجادل في أن الأسر الفقيرة والأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً صعبة يستحقون المساندة، وأن التضامن الاجتماعي من صميم مسؤوليات الدولة. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الدعم، بل في كيفية تصميمه ومعايير توزيعه. فالدعم الذي يتحول إلى دخل دائم غير مرتبط بالتكوين أو البحث عن عمل أو الاندماج في النشاط الاقتصادي قد يفقد، لدى بعض الفئات، الحافز على المبادرة، ويجعل الإعانة بديلاً عن العمل بدل أن تكون جسراً نحوه.

ويذهب منتقدو البرنامج إلى أن الخلل لا يقتصر على هذه النقطة، بل يمتد إلى معايير الاستفادة نفسها. فاعتماد نظام التنقيط واحتساب العتبة على مؤشرات من بينها عدد أفراد الأسرة قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى نتائج يصفها المنتقدون بغير المنصفة. فالأرملة التي تعيش بمفردها، أو المسن الذي لا يعيل سوى نفسه، أو الشخص الوحيد محدود الدخل، قد يجد نفسه خارج دائرة الاستفادة، لأن وضعه كأسرة مكونة من فرد واحد لا ينسجم مع منطق احتساب العتبة، رغم أن حاجته إلى الدعم قد تكون أشد من حاجات أسر أخرى.

ويزداد هذا الإشكال تعقيداً مع صعوبة التحقق من الدخل الحقيقي، خاصة في ظل اتساع القطاع غير المهيكل الذي يضم شريحة واسعة من النشيطين اقتصادياً. فجزء مهم من المداخيل لا يخضع لتصريح دقيق، وهو ما يجعل تقييم الوضعية المالية للأسر عملية معقدة، وقد يؤدي إلى استفادة أشخاص لا تعكس بياناتهم الإدارية إمكانياتهم الاقتصادية الفعلية، في مقابل إقصاء آخرين يعيشون هشاشة حقيقية. ويرى منتقدو البرنامج أن هذه المفارقات تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى دقة منظومة الاستهداف وعدالتها.

كما يثير البعض إشكالاً آخر يتعلق بتأثير الدعم على سوق الشغل، إذ يعتبرون أن بعض الشباب أصبح يفضل انتظار الإعانات أو البحث عن طرق للاستفادة منها بدل الانخراط في وظائف ذات أجور متواضعة أو ظروف عمل صعبة. وإذا استمرت هذه الوضعية، فقد يتحول الدعم، في نظرهم، من أداة للحماية الاجتماعية إلى عامل يضعف ثقافة العمل والإنتاج، وهو ما قد تكون له آثار اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى.

وفي المقابل، يرى المدافعون عن البرنامج أن هذه الانتقادات لا تنفي دوره في حماية آلاف الأسر من الفقر المدقع، وأن أسباب البطالة والعزوف عن العمل أعمق من مجرد وجود دعم اجتماعي، وترتبط بضعف خلق فرص الشغل، وارتفاع تكاليف المعيشة، واختلالات سوق العمل. كما يؤكدون أن الحماية الاجتماعية حق دستوري، وأن أي تقييم للبرنامج يجب أن يأخذ في الاعتبار نتائجه الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين مؤيد للدعم ومعارض له، بل حول كيفية جعله أكثر عدالة وفعالية. فالمطلوب ليس إلغاء الدعم، وإنما مراجعة معايير الاستهداف، وتطوير آليات أكثر دقة لتقييم الهشاشة، وربط الإعانات بالتكوين والإدماج الاقتصادي وخلق فرص الشغل، حتى يصبح الدعم وسيلة للتمكين لا غاية في حد ذاته.

إن نجاح أي سياسة اجتماعية لا يقاس فقط بعدد المستفيدين منها، بل بقدرتها على تحقيق العدالة، والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وتحويل المواطن من متلقٍ للإعانة إلى فرد منتج يساهم في تنمية الاقتصاد الوطني. فالدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بتوزيع المساعدات، وإنما تلك التي توفر لمواطنيها فرص العمل الكريم، وتضمن تكافؤ الفرص، وتجعل الدعم مرحلة انتقالية نحو الاستقلال الاقتصادي، لا حالة دائمة من الاعتماد على الإعانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *