منتدى العمق

سيرة فاعل مدني جعل من العمل الجمعوي مشروعا للحياة

تحل الذكرى الأولى لرحيل عبد العالي الرامي، أحد أبرز وجوه المجتمع المدني بحي يعقوب المنصور بمدينة الرباط، الذي غادر الحياة خلال شهر يوليوز من السنة الماضية بعد معاناة مع المرض، تاركا وراءه مسارا حافلا بالعطاء التطوعي والالتزام الإنساني، وإرثا مدنيا ما تزال آثاره حاضرة في الفضاء الاجتماعي وفي ذاكرة كل من عرفه أو اشتغل إلى جانبه.

إن استحضار مسيرة الراحل لا يندرج فقط ضمن وفاء الأصدقاء ورفاق الدرب لذكرى رجل أحب الناس وخدمهم، بل يمثل أيضا مناسبة للتفكير في الأدوار التي يضطلع بها الفاعلون المدنيون في بناء التماسك الاجتماعي وترسيخ ثقافة المشاركة المواطنة. فقد كان عبد العالي الرامي نموذجًا لما يسميه علماء الاجتماع بـ”الفاعل الوسيط”، الذي يربط بين حاجات المجتمع المحلي ومختلف المؤسسات، ويجعل من العمل الجمعوي فضاء لإنتاج التضامن وتقوية الروابط الاجتماعية.

ارتبط اسم الراحل بالدفاع عن قضايا الطفولة والعمل من أجل ترسيخ قيم التطوع والمواطنة الفاعلة، حيث بادر إلى تأسيس جمعية منتدى الطفولة، التي لم تكن مجرد إطار جمعوي عادي، بل مشروعا اجتماعيا وتربويا سعى من خلاله إلى تمكين الأطفال والشباب من فضاءات للتنشئة الإيجابية، وتعزيز قيم الانتماء والمسؤولية والمشاركة داخل المجتمع.

وقد تميز حضوره الميداني بالقرب الدائم من المواطنين والانخراط العملي في مختلف المبادرات الاجتماعية والإنسانية، مؤمنًا بأن العمل الجمعوي الحقيقي لا يقاس بحجم الخطابات أو الشعارات، وإنما بمدى تأثيره في حياة الناس وقدرته على الاستجابة لانتظاراتهم. لذلك ظل حاضرا في العديد من المشاريع والبرامج والأنشطة التي استهدفت خدمة الصالح العام بمدينة الرباط، كما امتد عطاؤه إلى مبادرات وطنية متعددة جعلت منه أحد الأسماء الموثوقة داخل الحقل الجمعوي المغربي.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن اعتبار تجربة عبد العالي الرامي تجسيدا حيا لفكرة “الرأسمال الاجتماعي”؛ ذلك الرصيد من الثقة والعلاقات الإنسانية والتعاون المتبادل الذي يشكل أساسا لأي مجتمع متماسك. فقد استطاع، عبر سنوات طويلة من العمل الميداني، أن يبني شبكة واسعة من العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل والمصداقية والالتزام، وهو ما جعل حضوره يحظى بتقدير مختلف الفاعلين، من مسؤولين ومنتخبين وجمعويين ومواطنين.

ولم يقتصر دوره على الفعل الميداني، بل كان أيضا صوتا مدنيا حاضرا في النقاش العمومي، من خلال مساهماته الإعلامية وتفاعله المستمر مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تهم ساكنة حي يعقوب المنصور ومدينة الرباط والمجتمع المغربي عموما. وقد آمن بأن المجتمع المدني ليس مجرد فاعل تكميلي، بل شريك أساسي في التنمية المحلية وفي الدفاع عن الحقوق الاجتماعية وتعزيز قيم المواطنة والتضامن.

وعلى امتداد مساره، ظل الراحل وفيا لقيم النزاهة ونكران الذات، بعيدا عن منطق المصالح الشخصية أو البحث عن المكاسب الرمزية والمادية. فقد كان يعتبر العمل الجمعوي رسالة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون موقعًا أو وظيفة، وظل يؤدي هذه الرسالة بإخلاص وتفانٍ حتى في أصعب ظروفه الصحية، محافظا على كرامته وعزة نفسه، ومؤثرا خدمة الآخرين على الحديث عن معاناته الخاصة.

إن رحيل عبد العالي الرامي لا يمثل فقدان شخص فحسب، بل فقدان تجربة إنسانية ومدنية راكمت عبر سنوات طويلة قيم الثقة والتضامن والعطاء. غير أن الأثر الذي خلفه يؤكد أن بعض الأشخاص يواصلون الحضور حتى بعد الغياب، لأن ما يزرعونه في نفوس الناس وفي مؤسسات المجتمع يتحول إلى ذاكرة جماعية وإلى مصدر إلهام للأجيال اللاحقة.

لقد كرس الراحل حياته لخدمة الإنسان، مؤمنا بأن قيمة الفرد لا تقاس بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين من وقت وجهد وأمل. ولذلك سيظل اسمه حاضرا في الذاكرة المدنية للعاصمة الرباط، بوصفه أحد النماذج التي جسدت المعنى النبيل للعمل الجمعوي، ورسخت قناعة مفادها أن خدمة الوطن والمواطن مسؤولية أخلاقية ورسالة إنسانية قبل أن تكون موقعا أو صفة.

رحم الله عبد العالي الرامي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من أعمال الخير والتطوع وخدمة المجتمع في ميزان حسناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *