وجهة نظر

عندما ارتدى إبليس ثوب الراهب.. هل تتعرض قضية أشرف حكيمي للاستغلال والابتزاز؟

مسرور المراكشي يرتدي طربوشاً أزرق وشاحاً أبيض وأسود في خلفية بيضاء، صورة تعبيرية لقضايا جدلية

بدأت القضية في فبراير 2023، عندما قالت شابة فرنسية، كانت تبلغ من العمر 23 سنة، إنها تعرضت للاغتصاب داخل منزل اللاعب المغربي أشرف حكيمي، فيما ظل الأخير ينفي الاتهامات الموجهة إليه ويؤكد أنه ضحية محاولة ابتزاز.

ولا بأس هنا من تقمص دور المحققين، من «شارلوك هولمز» إلى «المحقق كونان»، وطرح مجموعة من الأسئلة التي تظل مشروعة ما دام الملف لم يُحسم بحكم قضائي نهائي.

فبحسب المعطيات المتداولة، كانت الشابة راشدة وليست قاصرا. وهنا يُطرح السؤال: كيف وصلت إلى منزل حكيمي؟ وهل توجهت إليه بإرادتها، أم تعرضت للإكراه أو التهديد أو التخدير؟ وما الأدلة المادية التي استند إليها التحقيق في توجيه الاتهام إلى اللاعب المغربي؟

هل تتوفر الجهات المختصة على تسجيلات صوتية أو مصورة، أو نتائج فحوصات طبية وجينية، أو شهادات وقرائن مادية أخرى تدعم رواية المشتكية؟ وهل أُجريت جميع التحريات الضرورية للتأكد من تفاصيل الواقعة وظروفها؟

هذه الأسئلة لا تعني التشكيك المسبق في رواية المشتكية، كما لا تعني تبرئة المتهم قبل صدور حكم نهائي، وإنما تنطلق من قاعدة قانونية أساسية مفادها أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، وأن قضايا الاعتداء الجنسي تحتاج إلى تحقيق دقيق يحمي حقوق جميع الأطراف بعيدا عن الضغط الإعلامي أو الأحكام الجاهزة.

غير أن ما يثير الاستغراب هو الطريقة التي جرى بها تداول القضية، إذ بدا في بعض التغطيات وكأن الإدانة قد صدرت سلفا، رغم أن الملف لا يزال، من الناحية القانونية، خاضعا لمساطر التحقيق والمحاكمة.

ويعتقد البعض أن شهرة أشرف حكيمي، وأصوله المغربية، واختياره الدفاع عن قميص المنتخب الوطني المغربي بدل المنتخب الفرنسي، عوامل ربما أسهمت في تضخيم القضية إعلاميا. غير أن إثبات وجود استهداف سياسي أو عنصري يظل في حاجة إلى أدلة واضحة، وليس إلى الانطباعات وحدها.

هل أصبح إبليس راهبا يعظ الناس بالفضيلة؟

هذا هو السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن عند متابعة الطريقة التي تقدم بها بعض الأوساط الفرنسية نفسها مدافعا مطلقا عن الفضيلة والشرف وحماية الضحايا.

ولا خلاف على ضرورة إنصاف أي شخص يتعرض للاعتداء أو العنف الجنسي، سواء كان امرأة أو رجلا، فرنسيا أو أجنبيا. لكن من حق المتابع أيضا أن يتساءل عن مدى انسجام هذا الخطاب مع التاريخ الاجتماعي والسياسي لفرنسا، ومع عدد من الفضائح التي هزت مؤسساتها ونخبها خلال العقود الأخيرة.

ويقال إن المؤرخ هو العدو اللدود للسياسي، لأنه يذكره بوعوده وأقواله وأفعاله السابقة. وهذا ينطبق أيضا على فرنسا، التي لا يمكنها الحديث عن حماية الأخلاق والكرامة من دون استحضار بعض صفحات تاريخها الاستعماري في المغرب.

فخلال فترة الحماية، أنشأت السلطات الفرنسية فضاءات منظمة لممارسة الدعارة، وأخضعتها للمراقبة الإدارية والطبية والأمنية، خصوصا في المناطق التي كانت تضم تجمعات كبيرة للجنود والموظفين الفرنسيين.

ومن أشهر تلك الفضاءات حي «بوسبير» في مدينة الدار البيضاء، وهو حي مغلق أنشأته سلطات الحماية الفرنسية خلال عشرينيات القرن الماضي، وخصصته للدعارة المنظمة والخاضعة للرقابة. ويُنسب اسم الحي إلى «بروسبير فيريو»، مالك الأرض التي أقيم عليها المشروع.

ولا تقتصر التناقضات على الماضي الاستعماري، فقد شهد المجتمع الفرنسي نفسه خلال السنوات الأخيرة نقاشا واسعا بشأن الاعتداءات الجنسية على القاصرين وزنا المحارم والصمت الذي أحاط بهذه الجرائم داخل بعض الأسر والمؤسسات النافذة.

ومن أبرز القضايا التي فجرت هذا النقاش ما ورد في كتاب «العائلة الكبيرة» (La Familia Grande) للكاتبة الفرنسية كامي كوشنر، ابنة السياسي الفرنسي برنار كوشنر.

وكشفت الكاتبة في مؤلفها عن تعرض شقيقها التوأم، عندما كان قاصرا، لاعتداء جنسي اتهمت بارتكابه زوج والدتها، أوليفييه دوهاميل، وهو خبير دستوري وشخصية بارزة في الأوساط السياسية والأكاديمية الفرنسية وعضو سابق في البرلمان الأوروبي.

وأثارت القضية نقاشا واسعا في فرنسا بشأن الصمت الذي قد يحيط بجرائم الاعتداء الجنسي داخل الأسر، خصوصا عندما يكون المتهم منتميا إلى النخبة السياسية أو الفكرية أو الإعلامية.

خلاصة

تحدث كتاب كامي كوشنر عن جانب من الأزمات الأخلاقية التي مست أفرادا من النخبة الفرنسية، لكنه كشف أيضا عن مشكلة اجتماعية أوسع تتعلق بالصمت عن الاعتداءات الجنسية، ولا سيما تلك التي تقع داخل الأسرة أو في دوائر النفوذ.

وقد أظهرت دراسات وشهادات متعددة أن الاعتداءات الجنسية وزنا المحارم يمثلان مشكلة حقيقية في المجتمع الفرنسي، غير أن تداول أرقام ضخمة، من قبيل الادعاء بأن الظاهرة تشمل نحو 40 في المائة من السكان، يقتضي الاستناد إلى مصادر علمية وإحصائية موثوقة قبل اعتماده.

كما تشكل الصناعات المرتبطة بالجنس والمواد الإباحية والمنتجات الحميمية سوقا تجارية واسعة في فرنسا ودول أوروبية أخرى، لكنها لا تصلح، في حد ذاتها، دليلا على موقف القضاء من قضية أشرف حكيمي أو على وجود مؤامرة رسمية ضده.

أنا هنا لا أبرر أي فعل قد يكون ارتكبه حكيمي أو غيره، كما لا أدعو إلى تجاهل أقوال المشتكية أو الانتقاص من حقوقها. لكنني أطالب بعدالة نزيهة، لا تتأثر بالجنسية أو الدين أو اللون أو الشهرة، وتحترم قرينة البراءة وحق الدفاع، مثلما تحمي حق الضحايا في الإنصاف.

وإلى أن تصدر كلمة القضاء، يظل أشرف حكيمي متهما لا مدانا. ولا ينبغي للإعلام أو الرأي العام أن يحولا الاتهام إلى حكم نهائي، كما لا ينبغي التعامل مع كل متابعة قضائية باعتبارها مؤامرة قبل توفر أدلة تثبت ذلك.

وفي تقديري، تثير القضية أسئلة مشروعة بشأن التناول الإعلامي وضمانات المحاكمة العادلة، لكن وصفها بأنها ابتزاز مؤكد يحتاج بدوره إلى حجج وأدلة واضحة.

ملاحظة

لا تبدو الدعوة إلى استعمال العلاقات التجارية بين المغرب وفرنسا، أو التهديد بإغلاق محلات بيع الخمور، وسيلة قانونية أو واقعية للتأثير في مسار ملف قضائي مستقل.

فمساندة أي مواطن مغربي متابع في الخارج ينبغي أن تتم عبر القنوات القانونية والدبلوماسية المشروعة، من خلال ضمان حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة، وتوفير المساعدة القنصلية عند الاقتضاء، من دون الضغط على القضاء أو ربط ملف جنائي بمصالح تجارية لا علاقة لها بموضوع القضية.

إن الدفاع الحقيقي عن أشرف حكيمي لا يكون بإطلاق اتهامات عامة أو بإدانة المشتكية مسبقا، وإنما بالمطالبة بتحقيق مهني وشفاف، وبمحاكمة عادلة تقوم على الأدلة وتحفظ كرامة وحقوق جميع الأطراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *