منتدى العمق

حين نعجز عن مواجهة الحاضر بالهروب إلى الماضي

عالي حمنا

كلما اقتربت الانتخابات بالمغرب إلا وارتفعت معها حدة خطابات السياسيين، وأُُطلقت الوعود، واتسعت الأفواه دفاعا عن برامجَ مستمدة من استحضار إرث شخصيات طبَعت تاريخ المغرب المعاصر، وعُرفت بإسهامات سياسية وفكرية دفعت بنا خلال مرحلة سابقة نحو التقدم. ليست المشكلة هي العودة لهذا الإرث وفاء لذكرى ماهِدين، وأخذا بما لايزال حاملا لراهنية. لكن المشكلة هي الإفراط في استدعاء الماضي وادعاء تملُّكه وحق التصرف فيه.

حين يكثر الاستنجاد -عند الحاجة أو دونها- بهذه الشخصيات، يصبح الأمر ظاهرة تحتاج أن نتوقف عندها ونفكر فيها. لاعيب أن  يكون الهدف من هذا الحفر في الذاكرة الحزبية هو تصحيح الممارسة و النقد الذاتي. لكن حين يكون مَردُّه هو العجز عن الإجابة عن أسئلة الحاضر وعدم القدرة على البحث عن حلول للقضايا الراهنة، يصبح معها الأمر مذموما وتكون عليه ملاحظات. فحينما يعجز الخطاب عن إنتاج الأفكار، يلجأ إلى التنقيب في الماضي وهو  مايعبر عنه المثل المغربي المشهور ” كينقَّب فزكْ الميت”. 

 لا يقتصر الأمر على حزب واحد. بل يكاد  يكون عادة يشترك فيها الكثير من السياسيين رغم اختلاف إيديولوجياتهم وأهدافهم. ولن نأتي هنا  على كل الأحزاب، لكننا سنكتفي بالإشارة إلى بعضها، لما كان لها من تأثير في الماضي، أو لما لا يزال للبعض الاخر من حضور وفاعلية في الحاضر.

لقد كان الاشتراكيون فيما مضى أصحاب فكر ومشروع وكانت لهم القدرة على تأطير القوات الشعبية نقابيا وحزبيا. وكان الانتماء لتنظيمهم شرفا لايناله إلا المناضلون. فحين أوشك الجابري على الانتهاء من جمع أجزاء كتابه “في غمار السياسة فكرا وممارسة” أصبح الاشتراكيون بلا بوصلة، وفقدوا الاتجاه، كما صاروا يسُدون الفراغ ويستجْدون التحالفات… فكثيرا ما يستدعون إرث بنبركة وبوعبيد ويستحضرون رصيدهما النضالي، لكأن ذلك الإرث يعطيهم شرعية أبدية، لكنهم لايريدون إدراك أن الماضي المجيد، لايمكنه أن يغطي على ما أصابهم من تشتت وأن عليهم مواكبة تغير بنية المجتمع.

في الوقت الذي كان الاشتراكيون يتصدرون المشهد، كان الإسلاميون على الهامش، يمارسون نوعا من الزهد السياسي (أي الذي فرضته ظروف الإقصاء وعدم التمكن من بلوغ السلطة، لا زهدا نابعا من اختيارها)، وينتظرون أن تفتح الأبواب، مدركين ما يسبقها من مؤشرات وما قد يترتب عليها من تنازلات و تحولات. فكثيرًا ما يستحضر بنكيران شخصية المرحوم عبد الله باها، ويستدعي حكمته وتبصُّره ، بما  يوحي بأن الحاضر لا يزال يبحث عن أجوبته في الماضي، وأن القيادة الحالية تجد نفسها في حاجة دائمة إلى سند رمزي يعوض غياب رؤية جديدة تستجيب لتحديات الواقع.

أمّا الليبراليون، فلا يجمعهم مشروعٌ فكري أو سياسي، ولا ينتظمهم تاريخ موحد، ولا يلتزمون بمرجعية واحدة يحتكمون إليها. ولذلك فمواقفهم تتبدل بتبدّل المصالح، و قراءاتهم للتاريخ تتبدل بتغير مواقعهم. فجُلهم أصحاب تقنيات، ولاتربطهم المجتمع روابط متينة، ولا هم تدرجوا في الشبيبات الحزبية. لهذا تكون علاقتهم بالواقع ملتبسة، فيصعب عليهم قراءته والغوص فيه أو بالأحرى الانكباب على معالجة قضايا لايفهمونها. فيغدو حينها استحضار الشخصيات الوطنية أقرب إلى التوظيف السياسي منه إلى الامتداد الفكري.

أمّا حزب الاستقلال، فيبدو أنه لايريد دفن الماضي و لايزال يعزف على أوتاره بمناسبة وبدونها. لأنه لم يظهر فيه من يستطيع قراءة إرث بلافريج وعلال والقادري قراءة يفيد منها الوضع الحالي. فمادام منتسبو الحزب يربطونه بشخص أو عائلة فلن نحتاج لدراسة عميقة لنكتشف بأن ماضي الحزب مهيمن على حاضره.

لابد أن نشير في الأخير إلى أن استقلال المغرب لايُنسب لحزب أو تيار، بل لتضحيات رجال الحركة الوطنية وأعضاء جيش التحرير و أُناسٍ كِرام. وأن نفهم أن الدفاع عن الوطن واجب جماعي وفردي. وأن نقطَع مع الخطابات التي يمُن علينا أصحابها بأنهم اتخذوا مواقف جنبونا مالم نكن قادرين على توقعه. كما نقول بأن استدعاء الرموز التاريخية بشكل متكرر لا يقدم مشروعا، وأن استحضار الأسماء لايعوض قصور الفكر والتنظير السياسي وتقديم البدائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *