منتدى العمق

جيل بلا مرجعية: هل فشلنا في تربية أبنائنا؟

ذات مساء بارد، جلستُ أتأمل صمت الشارع الذي كانت تصنعه في طفولتي أصوات الطبول، وروائح الخبز البلدي، وضجيج الأمهات وهن ينادين أبناءهن للعودة من اللعب.

الشارع اليوم غارق في صمت ثقيل. الأبناء في الغرف، وحياتهم تدور خلف الشاشات. شاشات تتولى جانبًا واسعًا من التربية، و«مؤثرون» يوزعون اليقين في كل اتجاه.

تشكل وعي هذا الجيل وسط الصور المقتطعة، والمقاطع القصيرة، واللقطات السريعة التي تستهدف الإثارة قبل الإقناع. يمر بالحياة مرور إصبع على شاشة هاتف؛ بعجلة، وبفتور عاطفي، ومن دون ذاكرة راسخة.

يختزل الوطن في جواز سفر، والدين في إرث عائلي، والقيم في خيارات قابلة للاستبدال بلمسة إصبع.
من المسؤول؟
نحن، الآباء والأمهات، حين تركنا دورنا التربوي يتآكل تحت ضغط الانشغال، ووهم الاستقرار، ومقولة: «الأولاد سيكبرون ويعرفون وحدهم».
نحن، حين سبق الإنترنت دفء الحوار إلى بيوتنا.
نحن، حين اختزلنا التربية في الأوامر والنواهي، وغابت عنها الصحبة، والتشارك، والتراكم الوجداني والمعرفي.
كنا نربي كما رُبينا، لكن العالم تغيّر، وظلت أدواتنا أسيرة زمن مضى.
كنا نقول: «احترم الكبار»، فيسأل الأبناء: «ولماذا؟ ماذا قدمتم؟».
وكنا نردد: «افعل كما أقول»، بينما يشاهدون التناقض بين أقوالنا وأفعالنا.
فتصدعت السلطة الرمزية، وفقدت كثيرًا من هيبتها، وتراجع الاحترام، واحتل مكانه شك فطري، وتمرد صامت، وتيه طويل.
وحين بدأت المسافة تتسع بيننا وبين هذا الجيل، أسرعنا إلى إصدار الأحكام عليه.
ألصقنا به أوصاف السطحية، واتهمناه بالعزوف عن القراءة، وضعف الإصغاء، وتراجع التوقير، وغاب عنا أننا نحن من أضعف صلته بالانتماء، وتركناه يواجه عالمًا مفتوحًا من دون سند فكري أو وجداني.
ثم نصفه بأنه «جيل بلا مرجعية»، ونتجاهل أن المرجعية ثمرة علاقة طويلة، وليست قرارًا يُملى.
تنمو في ظلال القدوة، وتذبل تحت سطوة الخطب.
وتقوى بالحب، وتضعف حين يصبح الخوف اللغة الوحيدة.
وتترسخ بالأسئلة التي نجرؤ على طرحها معهم، وبالمساحات التي نتيحها للتفكير والحوار، بعيدًا عن اليقين المغلق الذي نحشو به عقولهم.
وُلدوا ببوصلة سليمة، ثم عبثنا باتجاهاتها، وطلبنا منهم أن يسيروا في طرق لم نعد نؤمن بها نحن أنفسنا.
ومع ذلك… ما زال هناك أمل.
ما يزال الحس الإنساني يسكن هذا الجيل، وإن غلّفه شيء من السخرية.
ويمتلك ذكاءً يليق بعصره، وإن بعثرته سرعة الإيقاع.
ويقوده فضول لا يهدأ، وإن أخطأ وجهته أحيانًا.
إنه يبحث عن لغة يفهمها، وعن مرجعية يشارك في تشكيلها، وعن تربية تمنحه أدوات التفكير، وتفتح أمامه أبواب السؤال، وترافقه في اكتشاف الأجوبة.
قد لا يكون عصيًا على الفهم.
لكننا نسينا كيف نصغي.
ارتفع صوتنا حتى حجب عنا الإصغاء، وأثقلت المرارة حكمتنا، وصارت نصائحنا يثقلها اللوم، بينما يتوارى الحب بين سطورها.
هل فشلنا في تربية أبنائنا؟
إلى حد بعيد، نعم.
لأننا نسينا أن التربية فعل مشاركة في صناعة المغزى.
ونسينا أن القيم تتسلل إلى الأبناء عبر تفاصيل الحياة اليومية ، في طريقة اختلافنا، وفي أسلوب اعتذارنا، وفي احترامنا للناس، وفي وفائنا بوعودنا، وفي مواقف تبدو صغيرة في أعيننا، بينما تبقى راسخة في ذاكرتهم.
جيل بلا مرجعية؟
أم جيل يبحث عن مرجعية صادقة، بعيدة عن الأقنعة التي ورثت خيبات الكبار؟
جيل يريد أن يعرف بدل أن يُلقَّن، وأن يختبر بدل أن يُحاصَر، وأن يختار، حتى إن أخطأ، لأن الخطأ تجربة، ولأن التجربة معلم لا يعوضه التلقين.
لذلك، فإن السؤال الذي يستحق الطرح اليوم ليس: «ماذا جرى لهذا الجيل؟»
السؤال الحقيقي هو: «ماذا جرى لنا؟ ومتى فقدنا القدرة على مواكبة من نحب؟»
فالمرجعيات لا تنهار فجأة، وإنما يبهت أثرها كلما اتسعت المسافة بين ما يقوله الكبار وما يعيشونه. وحين يغيب الصدق، يبدأ الأبناء رحلة البحث عن معنى آخر، ومرجعية أخرى، قد يجدونها في أي مكان… إلا بين أيدينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *