بين الشاشة والواقع.. حين يبحث المواطن عن نفسه
ليس كل ما يُعرض على الشاشات يلامس نبض الناس، وليس كل عمل فني قادرًا على أن يعبر عن آمال المجتمع وآلامه. فالفن الحقيقي هو الذي ينطلق من واقع الإنسان، ويقترب من همومه، ويحترم هويته وثقافته، ويمنحه أملاً في غدٍ أفضل، لا أن يكتفي بنقل قصص بعيدة عن بيئته وتفاصيل حياته.
ولهذا يتساءل كثير من المغاربة: ما الجدوى من الاستمرار في عرض المسلسلات التركية والهندية المدبلجة بالدارجة المغربية، وهي أعمال يرى عدد من المشاهدين أنها لا تعكس واقعهم، ولا تتحدث بلغتهم الثقافية والاجتماعية، ولا تلامس تحدياتهم اليومية؟ فلكل شعب خصوصيته، ولكل أمة منظومتها القيمية، وما يصلح لبيئة معينة قد لا يكون بالضرورة مناسبًا لبيئة أخرى تختلف عنها في التاريخ والعادات والدين وأسلوب العيش.
إن المشاهد المغربي يحتاج إلى أعمال فنية صادقة، تُجسد حياته، وتناقش قضايا الأسرة، والتعليم، والشباب، والشغل، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والهوية، بدل الانشغال بحكايات بعيدة عن واقعه. فالفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل رسالة ثقافية وتربوية يمكن أن تسهم في بناء الوعي وتعزيز الانتماء.
ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن التنمية والتقدم لا يكتمل بالشعارات أو الصور اللامعة وحدها، بل يقاس بمدى شعور المواطن العادي بتحسن مستوى معيشته، واتساع فرص العمل، وجودة الخدمات، وتكافؤ الفرص، والقدرة على العيش الكريم. وقد يرى بعض المواطنين أن الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يلمسونه في حياتهم اليومية ما تزال قائمة، وأن مظاهر الرفاهية لا تشمل الجميع بالقدر نفسه.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بالمباني الحديثة أو المشاريع الكبرى، وإنما تُقاس أيضًا بقدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمجالية، وترسيخ الحكامة الجيدة، وصون الكرامة الإنسانية، وتوفير الأمن والاستقرار، وتمكين المواطنين من التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والسكن اللائق، والدخل الذي يكفل لهم حياة كريمة.
كما أن النقاش حول السياسات الاقتصادية، ومستوى المديونية، وأولويات الإنفاق العمومي، ينبغي أن يبقى نقاشًا وطنيًا مسؤولًا، يقوم على الشفافية والحق في المعلومة، ويهدف إلى خدمة المصلحة العامة، لأن نجاح أي سياسة اقتصادية يقاس في النهاية بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وخاصة الفئات ذات الدخل المحدود.
ولا يزدهر الإعلام والفن إلا في بيئة تشجع الحوار المسؤول، وتفسح المجال لتعدد الآراء، وتعرض مختلف وجهات النظر باحترام ومهنية، حتى يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن قضاياه حاضرة في الفضاء العام، وأن الإعلام والفن يؤديان رسالتهما في نقل الواقع بكل أبعاده، وإبراز النجاحات والتحديات معًا.
ويبقى الأمل دائمًا معقودًا على أن يكون الفن المغربي أكثر قربًا من الإنسان المغربي، وأن تتجه الجهود نحو إنتاج أعمال راقية تحمل قيم الأصالة والإبداع، وتعكس تنوع المجتمع، وتزرع الأمل، وتسهم في بناء المستقبل. فالأوطان لا تنهض بالخطابات وحدها، وإنما تنهض بالعدل، والعمل، والإخلاص، والشفافية، وبالاستماع الصادق إلى نبض الناس، لأن المواطن هو أساس التنمية، وهو الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها كل السياسات والبرامج.
اترك تعليقاً