التناظر المفاهيمي وصراع الشرعيات.. تشريح بنيوي لجدلية المشاركة والمقاطعة
I. الجذور التاريخية لصراع الشرعيات وتأسيس التدبير الملكي
يمثل التاريخ السياسي المعاصر لبلادنا، منذ فجر الاستقلال، مسرحا لصراع بنيوي مركب وممتد حول احتكار سلطة التأسيس ورسم حدود الشرعية بين المؤسسة الملكية والمعارضة الحزبية. ولم تكن المفاهيم والمصطلحات التي صاغتها النخب عبر المحطات المختلفة سوى تجليات لغوية وأدوات دفاعية لترميم العجز عن تغيير قواعد اللعبة وموازين القوى لصالح مشروع الإصلاح التي تبنته خلال اشتباكها بالواقع والأطراف المعنية بالمشاركة السياسية عبر المؤسسات المنتخبة. بدأت هذه الدينامية التاريخية بالتشكل مباشرة بعد نيل الاستقلال، وتحديدا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1956 و1959، حيث دخل حزب الاستقلال في مخاض تنظيمي وعقائدي عسير، بين الاستبعاد والاستيعاب، انتهى بالانشقاق الايديولوجي وتأسيس “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” في سبتمبر 1959 بقيادة ثلة من القادة كالمهدي بن بركة، وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم، والفقيه البصري، وعبد الرحمن اليوسفي.
ولم يكن هذا الكيان الناشئ متجانسا في خطه الاستراتيجي؛ إذ سرعان ما ظهر شرخ عميق بين “جناح الرباط” السياسي ذي التوجه السلمي والمؤسساتي بزعامة عبد الرحيم بوعبيد، و”الجناح الثوري” في الدار البيضاء بزعامة عبد الله إبراهيم المدعوم بالعمق النقابي القوي للاتحاد المغربي للشغل بقيادة المحجوب بن الصديق. وتعمقت هذه التباينات مع تسارع وتيرة الاصطدام بالسلطة؛ حيث قاطعت المعارضة الدستور الأول لعام 1962، وقدمت في عام 1964 ملتمس الرقابة لإسقاط حكومة أحمد با حنيني المشكلة من فصائل موالية للقصر في إطار ما سمي بـ “الفديك”، جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، بمبادرة من المستشار الملكي، أحمد رضا اكديرة. لقد بلغ الاحتقان ذروته بين اليسار والملكية مع أحداث الريف المؤلمة في أكتوبر 1958 حتى أوائل 1959، تحت حكومة الاستقلالي-الاتحادي عبد الله إبراهيم، ثم انتفاضة 23 مارس 1965 الدامية في الدار البيضاء، والتي لعبت فيها نقابة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب دورا تعبويا حاسما، حيث طالبت بإسقاط النظام الحاكم.
وأدت هذه الأحداث إلى تفجير عنف متبادل اضطر معه العديد من القيادات اليسارية الثورية إلى مغادرة البلاد هربا من الملاحقة الأمنية، ليتأسس لاحقا تنظيم “23 مارس” في المنفى. وتلا هذا الانهيار إعلان الملك الراحل الحسن الثاني حالة الاستثناء في يونيو 1965 وحل البرلمان، لتدخل البلاد في “سنة سوداء” توجت باختطاف واغتيال الزعيم الاشتراكي المهدي بن بركة في باريس في 25 أكتوبر 1965. وكرست هذه التطورات حالة انسداد كامل وتوتر دائم بين الملكية والقوى اليسارية، تخللتها محاولتا الانقلاب العسكري لعامي 1971 و1972، اللتان هددتا كيان الدولة برمتها، ودخل على خط الصراع فاعل جديد تمدد بسرعة قياسية في المدن الكبرى والضواحي، سيزيد من تعقيد الوضع مع الملكية واليسار بدرجات متفاوتة، جمعية الشبيبة الإسلامية ابتداء من 1969، انتهت باغتيال الزعيم الاتحادي عمر بن جلون في الثامن عشر من شتنبر 1975، ليزداد الوضع أكثر تعقيدا وتفككا وصراعا.
ولم تنفرج هذه الأزمة العميقة إلا في 6 نوفمبر 1975 مع انطلاق المسيرة الخضراء لاسترجاع الأقاليم الجنوبية. ومن خلال هذه المبادرة الاستراتيجية، تمكن الملك الراحل الحسن الثاني من تحويل قضية الوحدة الترابية إلى “سيف ديموقليس” حقيقي يسلط فوق رقاب النخبة اليسارية؛ حيث وظف الملك الراحل هذا الملف الوطني لاختبار مدى ولاء المعارضة لقيادة الملكية للدولة، وإعادة هندسة الخريطة الحزبية والحدود الدستورية وفق تصور القصر للحكم وتدبير مجالات السيادة والسياسات العمومية.
II. التفكيك المعرفي لثنائية المشاركة والمقاطعة السياسية
تعكس السجالات السياسية حول جدوى الانخراط في العملية الانتخابية أو مقاطعتها عجز النخبة القديمة عن صياغة نقد سياسي ونظري موضوعي يلامس شروط الواقع البنيوية؛ حيث يسقط الطرفان، ونقصد هنا حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، في منزلق منهجي يتمثل في تركيز كل معسكر على تبرير موقفه عبر نقد إخفاقات الآخر، دون تقديم تقييم ذاتي وواقعي لمدى نضوج الشروط الموضوعية والذاتية لمواقفهما من المشاركة والمقاطعة، ودون تقديم نقد موضوعي ونزيه وتقييم تجربة المشاركة والمقاطعة، والجواب على سؤال، ماذا حققت المشاركة والمعارضة وفيما أخفقتا، لتطوير التجربة بالنسبة لهؤلاء وأولئك عبر حركة تدافع إيجابي وتجويد بناء للتجربة بالتعاون مع الملكية لا بالصراع معها، واعتبارها مشكلة مغربية لوحدها أمام حركة الإصلاح السياسي والدستوري بالبلاد، كما زعمت قوى اليسار على مدى عقود بلا جدوى. إن في المشاركة ما يغري سياسيا ويقنع بضرورتها وواقعيتها وأهميتها في حركة التدافع التي تنتهي حتمي بغلبة دينامية الإصلاح، ولو بعد حين، على عقم الانتظارية وعدمية المقاطعة.
فالمشارك في الانتخابات، وهو حزب العدالة والتنمية، يسوغ خطوته بدعوى أن التغيير يستوجب الاشتباك اليومي والتدافع مع الفاعلين السياسيين داخل المؤسسات الدستورية، في البرلمان والحكومة والجماعات الترابية، وهو طرح له وجاهته وواقعيته، غير أن هذا الطرح يسقط في فخ القصور الاستراتيجي؛ إذ يتعامل مع آلية المشاركة كأنها مفتاح سحري سيزودها بمدى زمني مفتوح ومطلق لتحقيق التغيير المنشود في بنية السلطة والتدبير العمومي، كما أنه يتصور بأن الأطراف الأخرى التي يشتبك معها، بما فيها المؤسسة الملكية، ستبقى في وضع ستاتيكي ولا تعمل من أجل تحصين مصالحها. ويتغافل هذا المعسكر عن حقيقة بنيوية ثابتة في السوسيولوجيا السياسية مفادها أن النظم السياسية، في أي بيئة سياسية عبر التاريخ، بل حتى الأحزاب المنافسة، لا تقدم تنازلات جوهرية في صلاحياتها السيادية والتنفيذية لصالح الهيئات المنتخبة طواعية والقوى الحزبية والاقتراحية المنافسة لها في السلطة والشرعية، بل تخضع حصريا لمنطق التدافع الواقعي وتغير موازين القوى الميدانية.
في المقابل، يبرر دعاة المقاطعة موقفهم، ونقصد هنا تحديدا جماعة العدل والإحسان، بعد قرابة نصف قرن من الانتظار والمراوحة، باشتراط توفر حد أقصى من الضمانات القانونية والتوازنات السياسية والدستورية لضمان عدم انفراد نظام الحكم بأدوات السلطة التي تمنحها له القوانين. وينطوي هذا التصور على عطب نظري وتواكل مخل بمفهوم التدافع؛ إذ يطالب دعاة المقاطعة بالحصول على المكاسب والضمانات الديمقراطية “على طبق من ذهب” كشرط مسبق للعمل، عوض انتزاعها عبر النضال الميداني ودفع الأثمان السياسية والتنظيمية والتفاوض الذكي والدائم لتعديل الكفة لصالح المكاسب الإصلاحية. كما يبرر مقاطعته للاشتباك المؤسسي والمشاركة في الحياة السياسية عبر المؤسسات الدستورية وتمثيل الإرادة الشعبية عبر صناديق الاقتراع ووضع تصوراته ورؤاه على أرض الواقع لاختبار مدى صوابيتها وجديتها وواقعيتها ونجاعتها، يبررها بانتقاد المشاركين، خاصة حزب العدالة والتنمية، عبر انتقادات انتقائية وتبريرية لبعض القرارات والسياسات العمومية أو بعض المظاهر والفعاليات ذات الصلة بمرجعية الحزب القيمية، متناسيا بأن لمشاركة والاشتباك مع الآخر لا يضمن، بالضرورة، الحصول على كل شيء، هذا ليس من طبيعة العمل السياسي في بيئة مثل بيئتنا وتوازنات مثل توازنات الحالة المغربية. إن التغيير السياسي لا يأتي إلا عبر الاشتباك المباشر والتدافع الاستراتيجي والتراكم المستديم، وهذا هو سؤال الوضوح الذي لم تجب عليه الجماعة وأجاب عنه حزب العدالة والتنمية. إن الجماعة تصرف موقفها السياسي من الملكية من خلال الهجوم على تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكومة والبرلمان، كما تفعل مع الملكية في قضايا دولية مثل القضية الفلسطينية والتطبيع وإيران، إنها لا تواجه مباشرة نظرا لافتقارها لرؤية سياسية بشأن المشاركة المؤسسية والاقتراب بمسافة الصفر من المؤسسات الدستورية كما يقتضيه العمل السياسي.
لذلك، فإن النظر إلى ثنائيتي المشاركة والمقاطعة يجب أن يتحرر من منطق التحدي، كما هو الشأن عند الجماعة، والتبسيط، كما هو الحال عند حزب العدالة والتنمية، ليعاد وضعه في سياق بناء الثقة التاريخية بين الفاعلين على أرضية ميثاق وطني ودستوري وسياسي واضح. ويقوم هذا الميثاق المفترض على الالتزام بالمصالح العليا للدولة والمجتمع، والاعتراف الصريح بسمو المؤسسة الملكية على باقي المؤسسات الدستورية في قيادة الدولة وتمثيلها السيادي والدولي، مع بقاء العمل الحزبي حركة دائبة ومجتهدة داخل المؤسسات من أجل التطوير الإيجابي والتفاعلي للنظام السياسي من الداخل وتحقيق التنمية الفعلية المكتسبة للمواطنين.
III. حزب العدالة والتنمية ومتاهات الإصلاح من الداخل
يمثل مسار حزب العدالة والتنمية تجسيدا حيا لجدلية المشاركة السياسية ومآلاتها؛ فالحزب الذي تبنى استراتيجية التغيير من داخل المؤسسات الدستورية ورفض العنف حاز صدارة الانتخابات التشريعية لولايتين متتاليتين (2011-2021) مستفيدا من سياق حراك 20 فبراير الإقليمي والمحلي، غير أن تجربة الرهان على الإصلاح من الداخل بدون ضوابط وسقف وحدود أفضت إلى إخفاقات بنيوية كثيرة وتراجع انتخابي غير مسبوق، تجربة يعمل اليوم من أجل إخفائها أو تبريرها والدعوة لتجاوزها، إلا أنه لم يقدم تقييما صارما لتجربته في قيادة الحكومة، 2011-2021، ولعمله في المؤسسة التشريعية والإدارات الترابية منذ قرابة ثلاثة عقود، ولا حتى للتصدع التنظيمي والفكري الذي أحدثته هزيمة الثامن من شتنبر 2021، وقبلها سوء تدبير مفاوضات مرحلة الحكومة الثانية عام 2016. وتعود أسباب هذا الانهيار الدراماتيكي في محطة 8 سبتمبر 2021 إلى تفاعل عوامل داخلية وخارجية أفرغت رصيده الشعبي وقوضت تماسك بنيته التنظيمية، رقم ما قد يبدو على الحزب اليوم، تحت قيادة بنكيران، من معافاة ظرفية ترتبط أولا بفشل حكومة أخنوش والرغبة في معاقبتها، وثانيا بأجواء الانتخابات المقبلة وتشنجاتها، منها:
- مأزق “حسن الظن” وغياب الرؤية بعيدة المدى: واجه الحزب معترك العمل الحكومي بتفاؤل مفرط حيال قدرته على محاربة الفساد والريع، وأبدى “حسن نية”، وقدم تنازلات جوهرية أمام الأطراف السياسية ومؤسسات الدولة الأخرى، دون أن يمتلك تصورا استراتيجيا بعيد المدى للمشاركة وحجم موازين القوى الفعلي خلال الاشتباك في المعترك الحكومي والبرلماني والمحلي، وآثار هذه التنازلات على بنيته التنظيمية وتماسكه القيادي وفي العلاقة مع حليفته الاستراتيجية، حركة التوحيد والإصلاح، وحليفه الظرفي حزب التقدم والاشتراكية.
- شروخ البيت الداخلي وجرح الإعفاء: شكّل إعفاء عبد الإله بنكيران من تشكيل الحكومة في مارس 2017 وتعيين سعد الدين العثماني مكانه صدمة تنظيمية ونفسية عنيفة وصفت بأنها “بركان خامد سينفجر في انتخابات 2021”. وأدى هذا التحول إلى انقسام النخبة القيادية وتراجع حماس القواعد والشباب الذين عبروا عن سخطهم تجاه التنازلات المستمرة للقيادة، وفك الارتباط التنسيقي مع “خزان” الحزب الانتخابي والذراع الدعوي، حركة التوحيد والإصلاح.
- تآكل الرصيد الاجتماعي والهوياتي: تبنت حكومة الحزب إجراءات وقرارات اقتصادية غير شعبية مست القدرة الشرائية للفئات الوسطى والعمالية، مثل تحرير أسعار المحروقات وضرب القدرة الشرائية لعموم المواطنين عبر الإجهاز على صندوق المقاصة بدون خلق شبكة أمان قانونية لحماية المستهلكين، مما زاد من توحش الطبقة النيو-ليبرالية، والتي ستتولى رئاسة الحكومة بعده بزعامة كبير النيو-ليبراليين، رجل المال عزيز أخنوش، وإصلاح أنظمة التقاعد بزيادة سن العمل، وإقرار التعاقد في قطاع التعليم، كما تزامن ذلك مع تجريف هويته من خلال التوقيع على اتفاقية التطبيع وتقنين القنب الهندي والفرنسة، مما أظهره بمظهر الحزب الذي يضحي بمبادئه للبقاء في السلطة.
- سوء التقدير الاستراتيجي للعلاقة مع القصر: ارتكب الحزب أخطاء تقييمية جسيمة في عامي 2011 و2016 عندما توهم أن الملكية في حاجة حيوية ووجودية مستمرة ودائمة لخدماته لمواجهة ارتدادات الربيع العربي، مشبها موقعه بموقع عبد الرحمن اليوسفي في تجربة التناوب التوافقي عام 1998، عشية انتقال الحكم من الملك الراحل الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس. وأدى سوء التقدير هذا إلى استسهال الصدام تارة والتراجع غير المدروس تارة أخرى، ليدفع الثمن بخسارة جل الحواضر والجهات الكبرى وهبوط تمثيليته البرلمانية من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط.
واليوم، ومع عودة عبد الإله بنكيران إلى الأمانة العامة للحزب، وللمرة الرابعة، يسقط الحزب مجددا في خطأ المزايدات اللغوية والتجرؤ اللفظي على رجالات القصر ومحيطه الاستشاري، محاولا دغدغة عواطف القواعد والناخبين دون تقديم أي نقد ذاتي حقيقي أو صياغة مشروع اقتصادي وسياسي بديل يتلاءم مع معطيات المرحلة الجديدة، كما عاد مؤخرا يغرف من خطاب رفيق دربه الراحل عبد الله بها حول القوى الموالية والمعارضة للملكية وعلاقة ذلك بالفساد، وموقف حزبه الوسطي، بتعبيره، بين محاربة الفساد والتحكم والولاء للملكية، خطاب قاله عبد الله بها أياما قبل موته المفاجئ في وادي الشراط.
IV. جماعة العدل والإحسان وتحديات الهوية وعقدة الاندماج
تقف جماعة العدل والإحسان، كأكبر فصيل إسلامي، عدديا، معارض في بلادنا، كشاهد عيان على معضلة الاعتزال السياسي؛ إذ تعيش الجماعة في منزلة بين المنزلتين وفي “برزخ سياسي” وتعلق وجداني بمرشدها الراحل تحتفي به كل سنة منذ رحيله قبل 14 سنة، مما يعطل حركتها على أرض الواقع والاشتباك معه. وينبع هذا الوضع من التناقض البنيوي بين هويتها الدعوية الصوفية التي زرعها مؤسسها المرشد الراحل عبد السلام ياسين المستلهمة من تربيته الطرقية البودشيشية مع شيخه العباس، وبين رغبة نخبتها الجديدة في إيجاد دور سياسي فاعل عبر “الدائرة السياسية” التي شكلت نواة لحزب سياسي لم يأت بعد. وتنتج هذه الدائرة أوراقا سياسية تقدمها بنوع من الاستعلاء الأخلاقي والمنهجي للسلطة وشركائها، لتقابل بالرفض التام من قبل السلطة نفسها والقوى السياسية، لاسيما اليسار، بسبب ابتعادها عن تعقيدات البنية وموازين القوى الحقيقية على الأرض. وتتلخص معضلة الجماعة البنيوية وتخوفها من المشاركة في نقاط محددة:
- عقدة الخوف من التحول والتشظي التنظيمي: لا تكمن مشكلة الجماعة في توفر ضمانات النزاهة الانتخابية بقدر ما تكمن في افتقارها لرؤية واضحة للمشاركة، وتوجسها الشديد من خوض تجربة مؤسساتية قد تفجر بنيتها التنظيمية المتماسكة من الداخل على مضض، وتفقد صفوفها صلة “الشيخ والمريد” والبعد التربوي الروحي، خاصة وهي ترى في تجربة العدالة والتنمية درسا بليغا للحزب الذي اشتبك مع الدولة فربح حضورا تدبيريا شكليا وخسر تماسكه وقيمه التأسيسية، كما تعتقد الجماعة.
- أطروحة التغيير المجتمعي والجمود الصالوني: ترفع الجماعة شعار الرهان على إحداث التغيير عبر تهيئة المجتمع وليس من خلال المؤسسات الدستورية التي تعتبرها مجرد “إطفاء للحرائق” وواجهة للاستبداد المطلق بزعمها. ومع مرور قرابة نصف قرن على تأسيسها، تجد الجماعة نفسها تراوح مكانها؛ إذ تقتصر على نقاشات الصالونات والمناظرات النظرية المشابهة لجدل اليسار التقليدي، بينما تشيخ قيادات الصف الثاني في عقدها السابع من العمر دون إحداث أي أثر واقعي، مما يعرضها لخطر “العنوسة التنظيمية” وفقدان الارتباط الوجداني والعاطفي مع الأجيال الجديدة من أبنائها.
- التحول الطبقي والنزوع نحو التوافق: كشفت وثيقة الجماعة السياسية الصادرة في فبراير 2024 عن تحول بنيوي عميق في تركيبتها البشرية، حيث تراجعت الصبغة العمالية والطلابية البسيطة لصالح نخبة برجوازية من الأطباء والمهندسين والمحامين والجامعيين، وانعكس هذا التحول في تبني وثيقتها برنامجا ليبراليا يدعو لاقتصاد السوق وتنافسية الاستثمار، والمطالبة بصياغة “ميثاق جامع” و”مبادئ فوق دستورية” لشرعنة وجودها والتقارب مع السلطة وتراجعها عن مطلب الخلافة وقضايا أخرى تتعلق بالحقوق الفردية والجماعية، للتخلص من الاتهامات الرسمية بالسعي لإقامة نظام الخلافة التقليدي، دون تحقيق اختراق حقيقي في الواقع السياسي أو قبول في دوائر القرار في هرم الدولة.
إن جماعة العدل والإحسان ستنتهي مدفوعة بشروط وإكراهات الواقع وتغيرات البيئة الداخلية والجيلية إلى التحول لحزب سياسي يخضع لشروط الواقع وقواعد الدولة، في وقت تتغير فيه الملكية والنخب الجديدة وتجتهد للتكيف مع تحديات بالغة الأهمية، من أبرزها انتقال العرش لولي العهد الأمير الحسن، بينما تظل الجماعة مستسلمة لانتظار مخلص يغير الكفة لصالحها دون عناء أو تدافع مباشر، وهذا ظن لعمري بعيد عن عالم السياسة.
V. معجم العجز اللغوي للنخب الحزبية في مواجهة البراغماتية الملكية
يكشف الرصد الدقيق للتعبيرات والمفاهيم الرائجة في الحقل السياسي المغربي أنها تمثل آلية دفاعية لصناعة معجم لتبرير الفشل والهروب من المساءلة السياسية؛ حيث تعمد الأحزاب والفاعلون عند العجز عن مواجهة قيود الواقع وتغيير موازين القوى إلى ابتكار ترسانة من المصطلحات والمفاهيم اللغوية الالتفافية. ويمكن تصنيف هذه المفاهيم والمصطلحات وتفكيك سياقاتها ووظائفها كأدوات لتمرير العجز النخبوي مقارنة ببراغماتية الخطاب الملكي:
1. مفاهيم التوافق المجهض والانتقال الدستوري
- التناوب التوافقي (1998): صيغ لتمرير مشاركة المعارضة التاريخية في حكومة قادها عبد الرحمن اليوسفي بتوافق مع الملك الراحل الحسن الثاني لإنقاذ المغرب من أزمته الاقتصادية والسياسية وتأمين الانتقال السلس للعرش، بالرغم من الطعن في نزاهة انتخابات 1997.
- المنهجية الديمقراطية (2002): مصطلح احتجاجي صاغه الاتحاد الاشتراكي بعد تعيين التكنوقراطي إدريس جطو وزيرا أول متجاوزا تصدر الحزب للانتخابات بـ 50 مقعدا. ورغم كونه يعكس تراجعا ديمقراطيا، فقد وظف الحزب المصطلح للاحتجاج لفظيا مع قبول المشاركة العملية في الحكومة للحفاظ على مواقعه وامتيازاته.
- التنزيل الديمقراطي للدستور: برز بعد إقرار الوثيقة الدستورية لعام 2011 للحديث عن تأويل ديمقراطي للنصوص، وتحول المفهوم إلى أداة سجالية لتغطية عجز بنكيران في تحصين مكتسبات الدستور الجديد بشأن اختصاصات المؤسسة الحكومية الجديدة، مما ساهم في استرجاع المؤسسة الملكية صلاحيات قبل الملك بتفويتها لرئيس الحكومة بموجب الدستور الجديد في سياق الأحداث العاصفة التي رافقت احتجاجات الربيع العربي.
2. مفاهيم الفرملة والخصومة والتحكم
- التماسيح والعفاريت: تعابير شعبوية شهيرة وظفها رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران للإشارة إلى قوى غامضة ودولة عميقة تحارب إصلاحات حكومته ومساعيها في محاربة الفساد والريع، واستعملت كذريعة جاهزة لتبرير الإخفاقات التدبيرية.
- التحكم: مصطلح وظفه حزب العدالة والتنمية كشعار خفي في حملته لعام 2016 لإيهام الناخبين بوجود عدو وهمي يستدعي الاصطفاف التنظيمي لمواجهته، مما مكنه من كسب أصوات هامة وتصدر المشهد الانتخابي قبل الاصطدام بجدار الواقع.
- البلوكاج الحكومي: مصطلح صيغ لتفسير تعثر تشكيل حكومة ما بعد 7 أكتوبر 2016 لقرابة خمسة أشهر، وكان الغرض منه إخفاء الافتقار للمرونة السياسية والمهارة التفاوضية لإيجاد توافقات وطنية متوازنة تقدم فيها التنازلات المتبادلة لمصلحة الوطن، وتجنب بنكيران الإبعاد القسري من المشهد الحكومي والحزبي بسبب تعنته وصلابته.
وعلى النقيض تماما من هذا التضخم المصطلحي النخبوي الفاقد للأثر الواقعي، يلاحظ خلو الخطاب الملكي من هذه المفردات والشعارات الالتفافية، حيث يتسم الأداء اللفظي والعملي للمؤسسة الملكية بالبراغماتية والتركيز الشديد على الإنجاز الميداني، والاشتباك الفعال مع الواقع المحلي والدولي لكسب الملفات الاستراتيجية، موظفا حالة العجز والانتظارية والتناحر الحزبي لصالحه لترسيخ موقع الملك كحاكم أسمى فوق الجميع يملك حصر المبادرة والتقرير والحل. ويبرز مفهوم “الغضبات الملكية” كأداة حكم غير دستورية في النص المكتوب ولكنها أصيلة في الدستور العرفي، تستمد هيبتها من إقرار الفاعلين أنفسهم بأن الملك هو الحاكم الفعلي والوحيد القادر على تفعيل المحاسبة والعزل خارج قنوات المؤسسات الحكومية الضعيفة.
VI. التوازنات الدستورية والآفاق المستقبلية للنسق السياسي
يعمل النسق السياسي ببلادنا وفق قواعد بالغة الدينامية، حيث يحرص فيها القصر على التكيف المستمر وتجديد آليات ضبط التوازنات أمام المتغيرات المحلية والدولية الكبرى، في حين تراوح الأحزاب والقوى السياسية مكانها عاجزة عن التقاط إشارات العصر وتحمل المسؤولية الوطنية لخوض التجارب الميدانية الصعبة.
إن المراهنة الحقيقية للبلاد تتعدى الاستقطابات الحزبية التقليدية لتلامس توازنات الخلافة وإعداد جيل المستقبل لقيادة الدولة؛ حيث تتهيأ الملكية بشكل حثيث ومنظم لانتقال العرش لولي العهد الأمير الحسن.
وأمام هذه الحركية العالية لأجهزة الحكم وجاهزيتها، تبقى القوى السياسية، سواء المشاركة منها أو المقاطعة، مطالبة بفك العزلة المفاهيمية التي تحاصر بها نفسها، والتعامل مع التحولات والمستجدات بعين المسؤولية الوطنية، وتجنب تضييع الفرص بطلب ضمانات مطلقة وخيالية، لأن الهرب من التجربة والاشتباك الواقعي ليس سوى خوف مضمر من تحمل المسؤولية التاريخية وبناء مغرب يتسع لتطلعات بنيه.، وذلك من خلال:
- تجاوز القصور الذاتي للأحزاب: إن رهان الإصلاح من الداخل يقتضي تخلي الفاعلين المشاركين عن التعامل مع الانتخابات كآلية ظرفية ومفتاح سحري بلا أفق زمني، والتركيز بدلا من ذلك على بناء كفاءات تدبيرية قادرة على صياغة برامج اقتصادية واجتماعية تخدم الفئات الهشة، عوض الاكتفاء بالتبريرات اللغوية وابتكار الأعداء الوهميين كـ “التماسيح والعفاريت” والتعليق المستمر للفشل على مشجب “التحكم”.
- دمج الممانعة المجتمعية: يثبت الواقع التاريخي تهافت أطروحة الاعتزال والانتظار السلبي؛ لذا يتعين على الهيئات المقاطعة، وفي مقدمتها جماعة العدل والإحسان، التخلص من هواجس الخوف من التآكل التنظيمي والانتقال الفعلي من “النقاشات الصالونية” إلى الانخراط المؤسساتي المباشر وفق القواعد الواقعية وموازين القوى المتاحة، لأن التغيير الديمقراطي لا يقدم على طبق من ذهب بل ينتزع بالتدافع المستمر ودفع الأثمان الميدانية.
- تأسيس ميثاق الثقة الوطني: لا يمكن للحقل السياسي أن يتطور في ظل انقسام مبني على التحدي والتساهل والتشكيك المتبادل في الشرعيات؛ لذا فإن المخرج الاستراتيجي يكمن في صياغة ميثاق دستوري وسياسي متوافق عليه يرسخ سمو المؤسسة الملكية كقائد للدولة، ويمنح في الآن ذاته الهيئات الحزبية المنتخبة، تحت قيادته وتوجيهاته، صلاحيات واسعة لتدبير الشؤون التنفيذية والسياسات العمومية تحت رقابة برلمانية صارمة.
- إعداد نخب جديدة لاستحقاقات الانتقال: يفرض أفق انتقال الحكم للأمير الحسن ولادة جيل جديد من النخب والكوادر السياسية المؤهلة فكريا وعمليا لمواكبة دينامية الملكية وتغيراتها السريعة، من داخل دائرته المولوية وخارجها، مما يسهم في ردم الفجوة بين الخطاب الرسمي البراغماتي القائم على الإنجاز وبين الخطاب الحزبي المأزوم القائم على التبرير والابتداع اللفظي.
* دبلوماسي سابق وباحث في العلوم السياسية والجغرافيا السياسية
اترك تعليقاً