البرلمان يعيش مفارقة التضخم الكمي مقابل محدودية الأثر الرقابي
في الديمقراطيات، لا تقاس قوة البرلمان بعدد الأسئلة التي يوجهها للحكومة، وإنما بقدرته على تغيير السياسات العمومية، وإخضاع السلطة التنفيذية للمساءلة الحقيقية. أما إذا أصبحت الرقابة مجرد سباق في إنتاج الأرقام، فإن البرلمان قد يبدو نشيطا في الإحصائيات، لكنه يكون أقل تأثيرا في تغيير الواقع وإعادة توجيه وتصحيح اختيارات الحكومة.
هذا بالضبط ما تكشفه قراءة هادئة في حصيلة الرقابة البرلمانية لمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026.
فعلى الورق، تبدو الأرقام مثيرة للإعجاب. عشرات الآلاف من الأسئلة، اثنتا عشرة مهمة استطلاعية، مجموعات موضوعاتية لتقييم السياسات العمومية، عشرون جلسة شهرية لمساءلة رئيس الحكومة، وحصيلة مرحلية وأخرى ختامية لعمل الحكومة، لكن بمجرد الانتقال من منطق الأرقام إلى منطق الأثر، تبدأ علامات الاستفهام في الظهور.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالأسئلة البرلمانية نفسها. كيف يمكن لنائب أن يوجه ثلاثة وخمسين سؤالا شفويا في يوم واحد؟ وكيف يمكن لآخر أن يطرح ثمانية وثلاثين سؤالا في اليوم نفسه؟ بل كيف يمكن لنائب واحد أن يوجه أكثر من مائة وعشرين سؤالا خلال دورة تشريعية واحدة؟ إن مثل هذه الأرقام لا تعكس فقط نشاطا رقابيا مكثفا، وإنما تثير أيضا شكوكا مشروعة حول جودة الإعداد، وعمق البحث، والغاية الحقيقية من هذا الكم الهائل من الأسئلة.
الأكثر إثارة أن أحد النواب لجأ إلى توجيه السؤال نفسه وبالصيغة نفسها، إلى عشرات القطاعات الحكومية. فقد وجه سؤالا حول التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى ثمانية وعشرين قطاعا حكوميا في اليوم نفسه، وكأن جميع الوزارات تمارس نفس الاختصاصات، أو تواجه نفس الإشكالات. هنا تفقد الرقابة إحدى أهم خصائصها، وهي التخصص والدقة، لتتحول إلى عملية نسخ ولصق لا تضيف الكثير إلى جودة النقاش العمومي.
هذا الواقع يكشف تحولا تدريجيا في فلسفة الرقابة البرلمانية، فبدل أن يكون السؤال وسيلة لإثارة انتباه الحكومة للاختلالات وتصحيح السياسات، أصبح عند بعض النواب وسيلة لإثبات الحضور، وعند بعض الفرق البرلمانية مؤشرا لقياس النشاط، والنتيجة أن عدد الأسئلة أصبح في كثير من الأحيان أهم من مضمونها.
وإذا كانت المعارضة قد تفوقت على الأغلبية في عدد الأسئلة الكتابية، فإن الأغلبية بدورها تفوقت في عدد الأسئلة الشفوية. والمفارقة الأكبر أن فريق الأصالة والمعاصرة، وهو أحد مكونات الأغلبية الحكومية، تصدر جميع الفرق البرلمانية في عدد الأسئلة الشفوية، متجاوزا حتى فريق رئيس الحكومة. وهي مفارقة تؤكد أن الرقابة لم تعد مرتبطة فقط بالموقع السياسي، بل أيضا بدرجة التنظيم الداخلي لكل فريق، وبمدى حضوره داخل المؤسسة التشريعية.
كما تكشف الإحصائيات أن النشاط الرقابي ليس متجانسا حتى داخل الفريق الواحد. بينما راكم بعض النواب مئات الأسئلة، اكتفى آخرون بعدد محدود جدا منها. هذا يطرح سؤالا آخر حول كيفية تقييم أداء البرلمانيين : هل يقاس بعدد الأسئلة التي يطرحونها، أم بالأثر الذي تحدثه تلك الأسئلة في السياسات العمومية؟
وفي المقابل، لا تخلو هذه الولاية من مؤشرات إيجابية تستحق التنويه، فإحداث مجموعات موضوعاتية لتقييم السياسة المائية، وتقييم تطبيق القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، يمثل انتقالا مهما نحو ما يعرف بالرقابة البعدية على التشريع، وهي من أكثر أدوات الرقابة تطورا في البرلمانات الحديثة، لأنها لا تكتفي بإقرار القوانين، وإنما تقيس مدى فعاليتها بعد التطبيق.
وحتى هذا التطور يظل بحاجة إلى أن يتحول إلى ثقافة مؤسساتية دائمة، لا إلى مبادرات ظرفية، فالبرلمان لا يحتاج إلى مزيد من الأدوات، لأن الدستور والنظام الداخلي وفرا له ترسانة رقابية واسعة، بقدر ما يحتاج إلى حسن استعمال هذه الأدوات، وربطها بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
إن أخطر ما يمكن أن تقع في المؤسسات الديمقراطية هو الخلط بين كثرة الرقابة وفعالية الرقابة، فليس كل سؤال مساءلة، وليس كل مهمة استطلاعية محاسبة، وليس كل رقم دليل على جودة الأداء.
بعد خمس سنوات من العمل البرلماني، تبدو الخلاصة واضحة :البرلمان المغربي ربح معركة الأرقام، لكنه ما زال مطالبا بأن يربح معركة الأثر، لأن الرقابة التي لا تغير قرار حكوميا، ولا تكشف اختلالا، ولا تدفع إلى إصلاح سياسة عمومية، تبقى مجرد نشاط إجرائي مهما تضخمت الإحصائيات.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤطر تقييم هذه الولاية التشريعية بسيطا، لكنه حاسم :هل كانت آلاف الأسئلة التي وجهت إلى الحكومة وسيلة لمحاسبتها، أم أصبحت مجرد أرقام تزين الحصيلة البرلمانية؟ هنا يكمن جوهر النقاش، وهنا أيضا يكمن مستقبل الرقابة البرلمانية في المغرب.
اترك تعليقاً