خارج الحدود

قانون الطوارئ الزراعية يثير أزمة في فرنسا.. وماكرون يرفض استقالة وزيرة البيئة

شخصان في حقل زراعي مع آلة ونحل وعلم فرنسا الأزرق الأبيض الأحمر

رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، استقالة وزيرة الانتقال البيئي مونيك باربو، التي قدمتها احتجاجا على إقرار قانون الطوارئ الزراعية المثير للجدل، والمتضمن السماح الاستثنائي بإعادة استعمال مبيدين محظورين في فرنسا بسبب مخاطرهما المحتملة على النحل والتنوع البيولوجي.

وأعلنت الحكومة الفرنسية أن باربو وافقت على مواصلة مهامها بطلب من ماكرون، بعدما كانت قد وضعت استقالتها بين يدي الرئيس، على خلفية مصادقة البرلمان نهائيا على مشروع قانون «الطوارئ لحماية السيادة الزراعية».

وبررت الوزيرة قرارها الأولي بالاستقالة بكون القانون يمثل «تراجعا بيئيا إضافيا»، متهمة الحكومة بمنع مناقشة حذف المقتضيات المتعلقة بالمبيدات، خلافا لتعهدات قالت إنها تلقتها خلال إعداد النص.

وقالت باربو إن فرنسا اختارت منذ سنة 2016 حظر مبيد «أسيتاميبريد» استنادا إلى مبدأ الاحتياط والمعطيات العلمية المتوفرة، معتبرة أن الدراسات التي أُنجزت خلال السنوات اللاحقة لم تبدد المخاوف بشأن تأثيراته المحتملة على صحة الإنسان والبيئة.

غير أن الوزيرة عادت ووافقت على البقاء في منصبها، مبررة ذلك بالحاجة الملحة إلى مواجهة تداعيات التغير المناخي، في خطوة جنبت حكومة سيباستيان لوكورنو استقالة سياسية نادرة بسبب خلاف معلن حول توجه تشريعي.

مبيدان محظوران

وفجّر القانون جدلا واسعا بسبب فتحه الباب أمام الاستخدام الاستثنائي والمحدود لمبيدَي «أسيتاميبريد» و«فلوبيراديفورون»، المحظورين في فرنسا منذ سنة 2018، رغم استمرار السماح بهما وفق التشريعات الأوروبية.

وتشمل الاستثناءات المرتقبة بعض الزراعات التي تقول الحكومة والنقابات المهنية إنها تواجه أزمات إنتاجية ونقصا في البدائل الفعالة، خصوصا الشمندر السكري والتفاح والكرز والبندق.

ولا يمنح القانون ترخيصا تلقائيا باستعمال المبيدين، إذ يربط ذلك بتحديد القطاعات المستفيدة والفترات والشروط التقنية، إلى جانب الحصول على موافقة الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني.

وتدافع وزيرة الزراعة آني جينيفار عن النص باعتباره وسيلة لتوفير «حلول ملموسة ومرئية» للصعوبات التي يواجهها المزارعون، لاسيما أمام منافسة منتجات أوروبية مستوردة يُسمح في بلدان منشئها باستخدام مواد محظورة داخل فرنسا.

ويرى مؤيدو القانون أن استمرار هذا التفاوت يضع المنتج الفرنسي في وضع غير متكافئ، إذ يفرض عليه العمل وفق قيود أشد من تلك المفروضة على منافسيه الأوروبيين، دون منع دخول المنتجات المعالجة بالمبيدات نفسها إلى السوق الفرنسية.

مخاوف على النحل والمياه

في المقابل، حذرت أحزاب اليسار والخضر والمنظمات البيئية من أن إعادة المبيدات، ولو بشكل استثنائي، قد تلحق أضرارا بالنحل والملقحات وتلوث التربة والمياه، معتبرة أن القانون يقدم تنازلات للنموذج الزراعي المكثف على حساب الصحة العامة والتنوع البيولوجي.

ويمتد الخلاف إلى مقتضيات أخرى تسمح بتسريع إنجاز منشآت تخزين مياه الري وتخفيف بعض إجراءات الاستشارة والمشاركة العمومية المرتبطة بالمشاريع المائية الزراعية.

ويعتبر المعارضون أن هذه المقتضيات قد تمهد لتوسيع مشاريع الخزانات الزراعية الضخمة ومنح الأولوية لبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للمياه، في وقت تواجه فيه فرنسا موجات جفاف وارتفاعا متزايدا في درجات الحرارة.

في المقابل، تقول الحكومة إن تخزين المياه ضروري لحماية الإنتاج الزراعي والتكيف مع التغير المناخي وضمان الأمن الغذائي، وإن المشاريع ستظل خاضعة للقواعد البيئية والتراخيص الإدارية المعمول بها.

عودة إلى جدل “قانون دوبلوم”

ويعيد النص الجديد إلى الواجهة الجدل الذي أثاره «قانون دوبلوم» سنة 2025، بعدما أبطل المجلس الدستوري الفرنسي جزءا من مقتضياته المتعلقة بإعادة مبيدات من عائلة «النيونيكوتينويد».

وكان المجلس قد اعتبر أن الصيغة السابقة لم تتضمن ضمانات كافية من حيث مدة الاستثناء ونطاقه والمحاصيل المعنية، بما لا يحقق توازنا مناسبا بين حماية الإنتاج الزراعي والحق الدستوري في بيئة سليمة.

وسعى واضعو القانون الجديد إلى تجاوز تلك الاعتراضات عبر تقييد الاستثناء بمحاصيل محددة، وربطه بمدة زمنية وشروط تقنية ومراقبة صحية، إلا أن المنظمات البيئية تؤكد أن هذه الضمانات لا تزيل المخاطر الأساسية المرتبطة بالمادتين.

وصادقت الجمعية الوطنية على الصيغة التوافقية للقانون بـ296 صوتا مقابل 224، قبل أن يمنحه مجلس الشيوخ موافقته النهائية، ليصبح جاهزا لدخول المراحل الدستورية السابقة على نشره وتنفيذه.

وكشف التصويت عن تصدع سياسي داخل معسكر السلطة، إذ أيدت وزيرة الزراعة النص بقوة، بينما عارضته وزيرة الانتقال البيئي، خصوصا في شقي المبيدات والمياه، في خلاف علني نادر بين عضوين في الحكومة الفرنسية.

وبقاء باربو في منصبها لا ينهي الأزمة السياسية التي أحدثها القانون، إذ يضعها أمام مهمة الدفاع عن السياسة البيئية لحكومة أقرت نصا وصفته بنفسها بأنه يمثل «التراجع البيئي الذي تجاوز الحدود».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *