منتدى العمق

سيكولوجية القطيع: قراءة في ظاهرة السامري

تُحيل هذه الظاهرة إلى النمط الذي تُصنع فيه الجماعة القطيعية عبر مرحلتين متتابعتين: التدجين الذي يعطّل النقد، ثم التجييش الذي يوجّه الانفعال الجماعي نحو رمزٍ مُغلَق. وهي بنية تتكرّر عبر الأزمنة بأشكال مختلفة، من الدولة إلى الإسلام السياسي، ومن الزعامة الحركية إلى الفضاء الرقمي؛ وقد اكتفينا في هذا النص ببعض النماذج الدالّة على هذا المسار المتكرّر في صناعة القطيع بعد ترويضه.

آليات صناعة الرمز وتغييب العقل النقدي عبر التاريخ

يولد المنزلق القطيعي في لحظة فراغ؛ لحظةٍ ينسحب فيها المعنى الذي كان يضبط الجماعة، فتضعف مناعة العقل، وينشأ قلقٌ وجودي يبحث عن رمزٍ سريع يعيد ترتيب العالم. في تلك اللحظة يظهر السامري في كل عصر، لا بوصفه شخصاً، بل بوصفه وظيفة معرفية: وظيفة إنتاج رمزٍ يلتفّ حوله الناس حين يعجزون عن إنتاج معنى بأنفسهم. غير أن التاريخ يعلّمنا أن السامري لا يخلق عجله من عدم، بل يستجيب لطلب جماعي فوضوي، ثم يتفوّق في تأطير هذا الطلب وتحويله إلى طقس مغلق. وهنا يكمن جوهر التدجين: ليس في وجود القائد أو الرمز بمفرده، بل في قدرة الطقس على استباق العقل عبر علاقة جدلية، حيث يُستبدل السؤال بالانفعال، والوعي بالرمز، وتُغلق فضاءات المراجعة قبل أن تُغلق حدود الجماعة. فالجماعة تخلق الطلب، والسامري يؤطره؛ لكن الطرفين يشتركان في إنتاج عجلٍ تطغى هالته على صانعيه.

ولأن لكل زمان سامرياً بعجله، تتكرر البنية في السياسة؛ لكن الفارق الجوهري بين الجماعة السياسية الحيّة والكتلة القطيعية هو قابلية الرمز للنقاش. فالزعيم يتّحد بالجماعة، بينما السامري يعلو عليها. القطيع السياسي لا يولد من الجهل وحده، بل من أزمة حقيقية—هزيمة، فساد، انسداد أفق—تُضعف مناعة العقل وتخلق أرضاً خصبة للانفعال. لكن الأزمة وحدها لا تصنع القطيع; بل الطقس المغلق هو الذي يحوّل الأزمة إلى قطيع، حين يُقدَّم خطاب الخلاص كبديل عن مشروع التحرير، وتُغلق دوائر النقد المؤسسي. هنا تصبح الطاعة تنظيمية لا دينية، لكنها تشتغل على الآليات نفسها: إلغاء النقد الداخلي، وتقديس المسار الجماعي. ومع ذلك، لا يصحّ الخلط بين التنظيم الذي يفرض الانضباط لحماية وجوده في معركة، والقطيع الذي يُقدّس الانضباط كغاية في ذاته؛ فالأول ضرورة، والثاني منزلق. وقد لاحظ علماء الاجتماع، من أمثال دوركهايم، كيف تحوّل الطوطم إلى عامل تماسك جماهيري، غير أن الخطر يكمُن حين يُصبح هذا التماسك بديلاً عن العقل النقدي لا معيناً له.

إذا عدنا إلى أدب السلطة في التراث الكلاسيكي، وجدنا أنه لعب دوراً مركزياً في تقنين الطاعة، لكنه لم ينجح في طمس الوعي النقدي بالكامل؛ بل جعل الخروج على الظلم شبه مستحيل عملياً، مع الإبقاء عليه نظرياً كفضيلة. بهذا، تحوّل المجتمع إلى كتلة قطيعية تاريخياً، ليس لأن الطبيعة البشرية قطيعية، بل لأن المؤسسات أعاقت أدوات النقد ورفعت شروط التغيير إلى مستوى تعجيزي.

وفي السياق الحركي الإسلامي، يتخذ التدجين شكلاً أكثر تعقيداً حين تُعاد صياغة المسلم من فاعلٍ يسائل النص إلى تابعٍ يتلقى قراءة جاهزة. غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأن التراث لم يكن أحادياً؛ فإلى جانب الأحكام السلطانية التي رعَت الطاعة، كانت هناك مدارس نقدية وفقهاء مساءلة—كالمعتزلة، وبعض اجتهادات ابن تيمية في تقييد الطاعة بالعدل—ظلّت صوتاً آخر، وإن كان مغلوباً. المشكلة ليست في النص الديني ذاته، بل في توظيفه كجهاز تعبئة يُغلّف الروحانيات لتبرير الانصياع، فيتحول الدين إلى أداة لإنتاج يقين سريع، بدلاً من أن يكون أفقاً للتساؤل.

وإذا انتقلنا من هذا التجريد النظري إلى الصدمة المعاصرة التي هزّت الوعي الجمعي، تتجلى البنية ذاتها بقوة في حالة طارق رمضان. فقد كان الرجل، بالنسبة لعدد كبير من أتباعه، رمزاً مركّباً يجمع بين الخطاب الهويّاتي والبلاغة الأكاديمية وصورة “المثقف المسلم النموذجي” في الغرب. غير أن الجماعة لم تكتفِ بخطابه، بل صنعت من خطابه عجلاً؛ عجلاً رمزياً التفّ حوله القطيع، لا لأن خطابه كان بلا مضمون، بل لأن الجماعة حمّلته أكثر مما يحتمل، فحوّلته إلى مرآة لهويتها القلقة. ولم يقف القطيع عند حدود الجماهير، بل امتدّ إلى أشباه المثقفين، بل حتى بعض المثقفين الحقيقيين الذين انساقوا وراء مركزه الخطابي الطقوسي، فدُجّنوا دون أن يشعروا. وحين خرجت قضيته إلى العلن وصدرت الأحكام القضائية، انهار الرمز، ثم انهار المعنى عند بعض أتباعه: فبعضهم انقلب على الدين نفسه، وبعضهم عاش فتنة وجودية، لأن إيمانه كان قائماً على صورة مقدّسة لا على سؤال نقدي. وهنا يتجلى جوهر التدجين: حين يُربط الدين بشخص لا بفكرة، وحين يُختزل الوعي في رمز لا في نقد.

أما الأحزاب الحديثة، فتبني جزءاً كبيراً من رصيدها على الانتماء العاطفي، وهنا يبرز أخطر تشوّه: حين يُخفّف المنتمي عن نفسه وطأة الحقيقة، فيختار اسماً أقل فجاجة من “القطيع”، فيسمّي نفسه مناضلاً. الكلمة ليست مجرد وصف، بل آلية دفاع نفسي: طريقة لتجميل الطاعة وتبرير التبعية. فالمناضل القطيعي يتحرك وفق الآليات ذاتها: يوقف مساءلة الخطاب، ويُحيل الزعيم إلى رمز، ويستبدل التحليل بالشعار. في المقابل، لا يكفي أن يكون المناضل “شريكاً في القرار” شكلياً؛ بل المعيار الجوهري هو أن تسمح له مؤسساته بأن يقول للقائد “أخطأت” دون أن يُقصى أو يُوصم بالخيانة.

وفي الزمن الرقمي، لم يعد السامري محتاجاً إلى حضور مادي؛ فقد صار بإمكانه أن يتشكّل في صورة مؤثّر أو صاحب قناة أو خطيب افتراضي، يُنتج خطاباً سريعاً يلتفّ حوله قطيع من المتابعين. فالعجل اليوم قد يكون مقطعاً قصيراً أو بثاً مباشراً، والطقس قد يكون تفاعلاً رقمياً مغلقاً تُعاد فيه إنتاج القناعات بلا مساءلة. وهنا يتكرّر التدجين في الفضاء الرقمي بالآليات نفسها: انبهارٌ بالرمز، تعطيلٌ للنقد، وانسياقٌ خلف مركز طقوسي لا يُرى، لكنه يُطاع؛ وكأننا أمام محاكاة بلا أصل، كما أشار بودريار، حيث يحلّ المحاكي الافتراضي محلّ الحقيقة، فيُنتج قطيعاً من المتفاعلين لا من المفكرين.

الخلاصة التي تُصلح التناقض الختامي هي أن القطيع ليس هو الجماعة، بل هو انزلاق داخل الجماعة؛ نمط يُعلَّق فيه العقل النقدي مؤقتاً، ويُستبدل بسردية جاهزة. والحل ليس في رفض كل رمز أو تنظيم، بل في اختراع أخلاق جماعية جديدة تُترجم إلى آليات ملموسة: أولاً، دستور داخلي يُلزم القيادة بالمراجعة الدورية؛ ثانياً، حق للأقلية في الاعتراض المحفووظ مع ضمانات عدم الإقصاء؛ ثالثاً، فصل بين وظيفة “الرمز” الملهم ووظيفة “الإدارة” التنفيذية، بحيث تكون الطاعة وظيفية لا قدسية. فالنقد حين يُصبح مؤسسة، لا مجرد فضيلة، نفلت العقل من فخ التدجين دون أن نقع في فخ العدمية والعزلة. التحرر الحقيقي يبدأ حين ندرك أننا نحن من نصنع السامري، وبإمكاننا أن نصنع بديلاً عنه: جماعة تسائل خطابها قبل أن تسوقه، وتنقد رموزها قبل أن تقدّسها، وتحوّل نفسها من قطيع يُساق إلى هيئة نقدية دائمة التقرير، تدرك وعيها بذاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *