فائض الكلام
في المجتمعات القلقة، يتضخم الكلام حتى يكتسب وظيفة تعويضية. كلما عجز الفرد عن التأثير الفعلي يبحث عن بديل رمزي يمنحه شعورا بالحضور، والجماعة التي تفقد قدرتها على الحسم العملي تستعيض عن الفعل بتكثيف الخطاب. هكذا تتكون بيئة تعلو فيها الأصوات ولا ترتفع فيها النتائج، ويصبح التعبير اللفظي نشاطا قائما بذاته، منفصلا عن أي أثر ملموس.
هذه الظاهرة تحمل أبعادا نفسية واجتماعية معقدة. الإنسان يميل بطبيعته إلى حماية صورته أمام الآخرين، لذلك يفضل إعلان المواقف التي تمنحه قيمة أخلاقية أو رمزية حتى إن عجز عن ترجمتها إلى ممارسة يومية. التعبير يمنح راحة سريعة؛ أما الفعل فيفرض كلفة وانضباطا واحتمال خسارة. لهذا السبب تتسع دوائر الخطابة داخل البيئات التي تضعف فيها ثقافة المسؤولية الفردية، لأن الكلام يسمح لصاحبه بالظهور دون أن يختبر قدرته الحقيقية على التحمل.
المجال الاجتماعي المغربي يقدم مادة غنية لفهم هذه البنية. النقاشات العامة تفيض بمفردات الحسم واليقين والحماسة، غير أن التفاصيل اليومية تكشف علاقة مضطربة بالعمل المتراكم.
مشاريع كثيرة تبدأ بصخب واسع ثم تتآكل سريعا، ومواقف عديدة تشتعل بقوة ثم تخمد فور اقتراب لحظة التضحية. هذه الحركة تكشف خللا عميقا في ترتيب القيم؛ لأن الصورة تحتل مساحة أوسع من الجوهر، والانفعال يحظى بمكانة أعلى من الاستمرارية.
المفارقة أن المجتمعات التي تكثر فيها الشعارات تعاني غالبا ضعفا في الثقة العامة. الناس يسمعون كلاما ضخما بصورة متكررة، ثم يصطدمون بسلوك يناقضه، فتترسخ داخلهم قناعة بأن الخطاب منفصل عن الحقيقة. عند هذا الحد تفقد الكلمات وزنها الأخلاقي، ويتحول المجال العام إلى مسرح واسع للتعبير الاستعراضي. الجميع يتحدث، وقلة قليلة تنجز.
لهذا السبب تكثر الحماسات القصيرة. قضية تملأ الشاشات أياما قليلة، ثم تختفي تاركة وراءها فراغا ضخما. الحشد الإلكتروني يستهلك طاقته داخل الانفعال الجماعي، ثم ينتقل مباشرة إلى موضوع آخر. هذا الإيقاع السريع يضعف القدرة على العمل البطيء الذي تحتاجه التحولات الحقيقية. الإصلاح العميق يحتاج صبرا وتنظيما وتراكما، بينما الثقافة الرقمية تكافئ التفاعل اللحظي والانتباه المؤقت.ومع مرور الزمن تتكون علاقة مشوشة بين الإنسان وصورته عن نفسه.
الأمر يرتبط بثقافة اجتماعية كاملة تحتفي بالصوت المرتفع. كثير من الناس يمنحون اهتمامهم لمن يتقن الخطابة والحضور العاطفي، بينما يمر أصحاب العمل الهادئ بعيدا عن الأضواء. المجتمع نفسه يشارك أحيانا في صناعة هذا الاختلال؛ فهو يكافئ الانفعال السريع أكثر من احترامه للجهد الطويل.
مع ذلك تحتفظ الحياة دائما بطبقتها الصامتة؛ أولئك الذين يشتغلون بعيدا عن الضوضاء، ويعتبرون الإنجاز قيمة مستقلة عن التصفيق. هؤلاء لا يستهلكون طاقتهم في الإعلان عن ذواتهم، لأن اهتمامهم يتجه نحو النتيجة . حضورهم هادئ، غير أن أثرهم أعمق وأكثر بقاء.
الفرق بين الإنسان العملي والإنسان الخطابي يتعلق بطبيعة العلاقة مع الواقع.، وليس بدرجة الذكاء أو الثقافة . الأول لا يقبل بطء الإنجاز وتراكمه، أما الثاني فيبحث عن أثر نفسي سريع تمنحه الكلمات. الأول يتحرك داخل الزمن الطويل، والثاني يعيش أسير اللحظة والانطباع.
الثقافات الناضجة تمنح قيمة عالية للاتساق بين التصريح والسلوك. الفرد هناك يتحفظ قبل إطلاق المواقف الكبرى، لأنه يدرك أن المجتمع سيربط سمعته بقدرته على الالتزام العملي. أما البيئات التي تتسامح مع التناقض بين القول والفعل فتفتح المجال أمام تضخم الخطابة على حساب العمل.
لهذا السبب يحتاج المغرب إلى مراجعة هادئة لعلاقته بالكلام. اللغة تمتلك قوة حضارية هائلة، غير أن الإفراط في استهلاكها يحولها إلى ضوضاء تفقد تأثيرها تدريجيا. الكلمات الثقيلة تحتاج حياة تسندها، وإلا تحولت إلى أصوات مستهلكة.
القيمة الحقيقية لأي موقف تتحدد عبر ما يتركه في الواقع من أثر، لا عبر درجة الحماسة التي ترافق إعلانه. الإنسان الذي ينجز بصمت يضيف إلى العالم شيئا ملموسا، أما صاحب الضجيج الدائم فيستهلك المجال العام دون أن يغير شيئا في عمقه. لهذا يحتفظ الفعل الهادئ بكرامته حتى وسط أكثر البيئات ازدحاما بالكلام.
اترك تعليقاً