سفير المغرب بتايلاند لـ”العمق”: نراهن على بانكوك كبوابة لآسيا وندرس إلغاء التأشيرة بين البلدين (حوار)
قدّم سفير المملكة المغربية لدى مملكة تايلاند، عبد الرحيم رحالي، رؤية شاملة حول آفاق العلاقات المغربية-التايلاندية، مؤكدا أن أسبوع الثقافة المغربية، الذي تنظمه سفارة المملكة المغربية لدى مملكة تايلاند بشراكة مع غرفتي الصناعة التقليدية بجهتي الدار البيضاء سطات ومراكش آسفي وتنسيق مع كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يعكس المكانة التي تحظى بها الهوية المغربية وثقافتها وحضارتها في المحافل الدولية.
واعتبر السفير المغربي، في حوار خاص مع جريدة “العمق المغربي” أن تدشين الرواق المغربي، الذي يأتي في سياق الاحتفالات بالذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على العرش، يشكل فرصة لإبراز الوجه المشرق للمغرب والتعريف بهويته الثقافية وحضارته العريقة في قلب جنوب شرق آسيا.
وأوضح السفير، أن الرواق المغربي يعكس غنى وتنوع الثقافة المغربية من خلال تقديم نماذج من الموسيقى المغربية والصناعات التقليدية بمختلف أصنافها، باعتبارها أحد أبرز تجليات التنوع الثقافي الذي يميز المملكة، مضيفا أن هذه التظاهرة لا تقتصر على بعدها الثقافي، بل تشكل أيضاً منصة لتعزيز التعاون بين المغرب وتايلاند في مختلف المجالات.
حضارة عريقة
وأشار إلى أن المغرب وتايلاند بلدان يتمتعان بتاريخ وحضارة عريقين، ويتوفران على مؤهلات كبيرة للتعاون في مجالات الثقافة والإنتاج الإبداعي والصناعات التقليدية والتسويق، مؤكدا أن مثل هذه المبادرات تساهم في التعريف بالمغرب وبمنتجاته، وتفتح آفاقاً جديدة لتسويق المنتوج المغربي داخل السوق التايلاندية التي تعرف اهتماما متزايدابالمنتجات المغربية.

وأضاف الرحالي أن المنتوج المغربي يحضر بشكل منتظم في عدد من المعارض الدولية التي تحتضنها العاصمة بانكوك، حيث يحظى بإقبال لافت ومكانة متميزة، وهو ما يعكس جودة المنتوج الوطني وقدرته على المنافسة في الأسواق الآسيوية.
وفي الشأن الاقتصادي، أوضح السفير أن الميزان التجاري بين المغرب وتايلاند يميل بشكل طفيف لصالح الجانب التايلاندي، لكنه شدد على أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين لا يزال متواضعاً ولا يرقى إلى مستوى الإمكانيات المتاحة.
وأكد أن السبيل إلى تحقيق توازن أكبر في المبادلات التجارية يتمثل في تشجيع الصناع ورجال الأعمال المغاربة على الاستثمار في السوق التايلاندية، سواء في مجال الصناعات التقليدية أو القطاعات الصناعية الأخرى، مشيرا إلى أن العديد من الفاعلين الاقتصاديين المغاربة ما زالوا يعتبرون تايلاند سوقا بعيدة بسبب اختلاف اللغة والثقافة.
وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب قدرا أكبر من الجرأة وروح المبادرة لاكتشاف الإمكانيات الواعدة التي توفرها تايلاند، مبرزا أن هذا البلد لا يقتصر على سوق داخلية تضم حوالي 70 مليون نسمة، بل يستقبل سنويا نحو 40 مليون سائح، فضلا عن كونه عضوا محوريا في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، ما يجعله مركزا إقليميا للتجارة والاستثمار وإعادة التصدير نحو الأسواق المجاورة.
فرص واعدة
وأشار الرحالي إلى أن المنتجات المغربية، سواء تعلق الأمر بالصناعات التقليدية أو المنتجات الفلاحية أو المنتجات البحرية أو الصناعية، تمتلك فرصا حقيقية للانتشار في السوق التايلاندية، داعيا المقاولات المغربية إلى استثمار هذه الفرص وعدم التردد في ولوج هذا السوق الواعد.
وفي المقابل، دعا السفير إلى تشجيع المستثمرين التايلانديين على الاستثمار في المغرب، مبرزا أن تايلاند أطلقت مبادرة للتوجه نحو إفريقيا، وأن المملكة المغربية تمثل البوابة الطبيعية إلى القارة الإفريقية بفضل موقعها الاستراتيجي وشبكة اتفاقياتها الاقتصادية مع العديد من الدول الإفريقية.
وكشف الدبلوماسي المغربي، أن مجلس الأعمال المغربي-التايلاندي، المنبثق عن الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين البلدين، يشكل إطارا مهما لتعزيز العلاقات الاقتصادية وتحفيز رجال الأعمال على تطوير الشراكات والاستثمارات المشتركة.
وفي الجانب الأكاديمي، أكد السفير أن المغرب يولي أهمية كبيرة للدبلوماسية الثقافية والتعليمية، حيث يمنح سنويا 15 منحة دراسية لفائدة الطلبة التايلانديين في مختلف التخصصات الجامعية، إلى جانب استقبال عدد من الطلبة المسلمين التايلانديين لمتابعة الدراسات الإسلامية بالمغرب.
قوة ناعمة
وأوضح أن هؤلاء الطلبة يشكلون سفراء غير مباشرين للمغرب، إذ يعودون إلى بلادهم وهم يحملون معرفة عميقة بالثقافة المغربية، بما يساهم في تعزيز حضور المملكة داخل المجتمع التايلاندي وترسيخ ما يعرف بـ”القوة الناعمة” المغربية.
وفي المجال السياحي، كشف الرحالي عن وجود تعاون بين المكتب الوطني المغربي للسياحة ومنظمات وكالات الأسفار في تايلاند، موضحا أن إحداث خط جوي مباشر بين البلدين يظل مرتبطاً بارتفاع حجم الطلب على السفر.

واعتبر أن الحل الأنسب في المرحلة الحالية يتمثل في إقامة شراكات واتفاقيات تقاسم الرموز (Code Share) بين الخطوط الملكية المغربية وشركات الطيران التايلاندية، بما يسمح بتسهيل تنقل المسافرين وتعزيز الحركة السياحية.
وأشار إلى أن المغرب يحظى بصورة إيجابية لدى السياح التايلانديين، حيث تعرف مدن مثل شفشاون ومراكش وفاس والدار البيضاء والرباط شهرة واسعة، وهو ما يشكل قاعدة مهمة لتطوير التعاون السياحي بين البلدين.
إلغاء التأشيرة
وفي ما يتعلق بأوضاع الجالية المغربية، أوضح السفير أن عدد أفرادها في تايلاند يبقى محدودا، إلا أنها جالية تحظى بالاحترام، مؤكدا أن السفارة تحرص على تقديم مختلف الخدمات القنصلية ومواكبة المواطنين المغاربة في حدود ما يسمح به القانون التايلاندي.
وأضاف أن السفارة تواكب أيضا المستثمرين المغاربة والتايلانديين، مشيرا إلى أن عددا من رجال الأعمال التايلانديين استثمروا بالفعل في المغرب، خاصة بمدينة الدار البيضاء وفي قطاعات صناعية مختلفة، كما أن عددا من المواطنين التايلانديين يعملون بالمغرب في مجالات الفندقة والمطاعم والخدمات السياحية، وهو ما يعكس تنامي التبادل البشري بين البلدين.

وبخصوص التأشيرات، أوضح الرحالي أن المغرب يعتمد نظام التأشيرة الإلكترونية لفائدة المواطنين التايلانديين، فيما أعادت تايلاند تطبيق نظام التأشيرة الإلكترونية على مواطني أكثر من ستين دولة، في إطار مراجعة عامة لسياسة الدخول إلى أراضيها، وليس في إجراء يخص المغرب وحده.
وأكد أن الرباط وبانكوك تواصلان المشاورات من أجل التوصل إلى اتفاق يقضي بإلغاء التأشيرة بالنسبة لحاملي جوازات السفر العادية، مشيراً إلى أن مشروع مذكرة التفاهم في هذا الشأن يوجد حالياً قيد الدراسة لدى السلطات التايلاندية، معربا عن أمله في التوصل إلى نتائج إيجابية في المستقبل القريب.
فضاء استراتيجي
وشدد السفير عبد الرحيم الرحالي على أن منطقة جنوب شرق آسيا تمثل فضاء استراتيجيا بالنسبة للمغرب، مؤكدا أن المملكة عززت حضورها داخل مؤسسات رابطة “آسيان”، سواء كشريك في الحوار القطاعي أو من خلال مشاركتها في عدد من آليات التعاون البرلماني والثقافي والتعليمي.
كما أبرز وجود تعاون وثيق بين الوكالة المغربية للتعاون الدولي والوكالة التايلاندية للتعاون الدولي (TICA)، بهدف إطلاق مشاريع تعاون ثلاثي تجمع المغرب وتايلاند والدول الإفريقية، أو المغرب وتايلاند ودول جنوب شرق آسيا، بما يعزز التنمية المشتركة ويكرس مكانة المملكة كشريك موثوق يربط بين إفريقيا وآسيا.
وخلص السفير المغربي إلى أن العلاقات المغربية-التايلاندية تعرف دينامية متواصلة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية، وأن المرحلة المقبلة تستوجب مضاعفة المبادرات المشتركة واستثمار الإمكانيات الكبيرة التي يزخر بها البلدان، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وبانكوك.
اترك تعليقاً