المخيمات الصيفية بين أخلاق العطاء ومنطق السوق
أزمة التطوع والتحول القيمي
يثير الجدل المتكرر حول تعويض الأطر التربوية والمنشطين بالمخيمات الصيفية سؤالا يبدو في ظاهره ماليا وتنظيميا، لكنه في العمق يعكس تحولات سوسيولوجية عميقة مست علاقة الفرد بالمجتمع، والدولة بالمجتمع المدني، والعمل التطوعي بمنطق السوق. فالنقاش الدائر اليوم ليس مجرد اختلاف حول قيمة تعويض أو حجم منحة، بل هو تعبير عن أزمة أوسع تمس مكانة التطوع في المجتمع المعاصر، وحدود الاعتراف الاجتماعي بالفاعلين التربويين، والتحولات التي عرفتها منظومة القيم التي كانت تؤطر الفعل الجمعوي لعقود طويلة.
لقد شكلت المخيمات الصيفية بالمغرب، منذ نشأتها، أحد أهم الفضاءات التي تجسد ما سماه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم “التضامن الأخلاقي”، حيث كان الأفراد ينخرطون في العمل التربوي بدافع الانتماء إلى جماعة وقيم مشتركة تتجاوز المصالح الفردية المباشرة. فالمؤطر التربوي والإداري لم يكن مجرد شخص يؤدي مهمة محددة، بل كان عضوا في مشروع تربوي وجماعي، تشكَّل داخل الجمعيات والحركات التربوية، وتدرج في مسؤولياتها، واكتسب من خلالها هوية نضالية قائمة على فكرة العطاء ورد الجميل للأجيال اللاحقة.
في تلك المرحلة، كان العمل التخييمي جزءا مما يسميه مارسيل موس “اقتصاد الهبة”، حيث لا يخضع العطاء لمنطق المقابل المباشر، بل لمنطق التبادل الرمزي المستمر. فالمؤطر الذي استفاد بالأمس من التربية والتكوين داخل الجمعية، كان يشعر بواجب أخلاقي يدفعه إلى إعادة إنتاج ما تلقاه لفائدة أطفال وشباب آخرين. وكانت المكافأة الأساسية تتمثل في الاعتراف المعنوي والشعور بالانتماء والرمزية الاجتماعية التي يمنحها هذا الدور.
غير أن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة أدت إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والعمل التطوعي. فقد أفرزت العولمة الاقتصادية، وارتفاع تكاليف العيش، واتساع النزعة الاستهلاكية، وتراجع الأدوار التقليدية لمؤسسات التنشئة، جيلا جديدا أصبح ينظر إلى الزمن والجهد والكفاءة باعتبارها موارد لها قيمة اقتصادية قابلة للتقييم والتعويض. ولم يعد التطوع يفهم دائمًا باعتباره التزاما أخلاقيا خالصا، بل أصبح موضوعا للتفاوض وإعادة التعريف.
في هذا السياق، تبدو أطروحات زيغمونت باومان حول “الحداثة السائلة” شديدة الدلالة. فالأفراد في المجتمعات المعاصرة أصبحوا أقل ارتباطا بالمؤسسات التقليدية وأكثر ميلا إلى بناء علاقات مرنة ومؤقتة تحكمها اعتبارات المنفعة والكلفة. لذلك لم يعد الانخراط في المخيمات الصيفية بالنسبة إلى بعض الشباب فعلا نضاليا أو التزاما طويل الأمد، بل تجربة مؤقتة يقاس مردودها بما توفره من مكاسب مادية أو رمزية أو مهنية.
ومن هنا، فإن المطالبة بالتعويض ليست مجرد مطلب مالي، بل هي مؤشر سوسيولوجي على انتقال الفعل التربوي من منطق الرسالة إلى منطق الخدمة، ومن منطق الالتزام الجماعي إلى منطق التعاقد الفردي. إنها تعبير عن التحول من “مجتمع الواجب” إلى “مجتمع الاستحقاق”، حيث أصبح الفرد يتساءل عما سيحصل عليه مقابل ما يقدمه، بدل أن يسأل فقط عما يمكن أن يقدمه للمجتمع.
غير أن هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بتراجع قيم التطوع، لأن مثل هذا التفسير ينطوي على نزعة أخلاقية تبسيطية تتجاهل تغير الشروط الاجتماعية للإنتاج التربوي. فالمؤطر اليوم يشتغل في سياق مختلف جذريا عن ذلك الذي اشتغل فيه جيل الرواد. لقد ارتفعت متطلبات التأطير، وتعقدت المسؤوليات القانونية والتنظيمية، وأصبحت الأسرة أكثر مطالبة بالجودة والأمن والسلامة، كما توسعت مهام المؤطر لتشمل أدوارا تربوية ونفسية وصحية وتواصلية متعددة.
هنا تبرز أهمية تحليل بيير بورديو الذي يميز بين الرأسمال الاقتصادي والرأسمال الرمزي. فالأطر التربوية كانت في السابق تعوض غياب المكاسب المادية بما تحصل عليه من مكانة اجتماعية وتقدير معنوي داخل المجتمع والجمعية. لكن مع تراجع قيمة الرأسمال الرمزي في المجتمع المعاصر، لم يعد الاعتراف المعنوي وحده كافيا لضمان استمرار الانخراط. ولذلك أصبحت المطالبة بالتعويض نوعا من البحث عن شكل جديد من أشكال الاعتراف الاجتماعي.
إن ما يحدث في المخيمات هو جزء من ظاهرة أوسع وصفها يورغن هابرماس بـ”استعمار العالم المعيش”، أي تمدد منطق الاقتصاد والإدارة إلى مجالات كانت تحكمها سابقا قيم التضامن والتواصل والتطوع. فحين يصبح السؤال المركزي داخل الفضاء التربوي هو: “كم سأحصل مقابل ما سأقدمه؟”، فإننا نكون أمام اختراق متزايد لمنطق السوق لمجال كان ينظر إليه تاريخيا باعتباره مجالا للقيم والتنشئة والمواطنة.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن الدولة نفسها ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج هذا الوضع. فمن جهة، ترفع الخطاب الرسمي من قيمة العمل التطوعي والمواطنة الفاعلة، ومن جهة أخرى تعتمد المنظومة التخييمية بشكل كبير على جهود آلاف الأطر التي تتحمل مسؤوليات جسيمة دون وجود إطار مؤسساتي واضح للاعتراف بها ودعمها. وهنا تظهر إحدى التناقضات الأساسية في السياسات العمومية؛ إذ يتم الاحتفاء بالتطوع باعتباره موردا اجتماعيا مجانيا، بينما يتم إغفال الشروط المادية اللازمة لاستدامته.
إن الدولة الحديثة، كما يبين ميشيل فوكو، لا تمارس السلطة فقط من خلال القوانين والمؤسسات، بل أيضا من خلال إنتاج أنماط معينة من الذوات. وفي حالة المخيمات، يبدو أن الدولة تنتج نموذج “المتطوع المثالي” الذي ينتظر منه أن يقدم خدمات ذات منفعة عمومية دون أن يطالب بالكثير من الحقوق أو الاعتراف المادي. غير أن هذا النموذج أصبح يصطدم اليوم بواقع اجتماعي جديد تتزايد فيه المطالب بالإنصاف والتقدير.
ومن هنا فإن الأزمة الحقيقية ليست أزمة تعويضات، بل أزمة اعتراف. فالأطر التربوية لا تطالب فقط بالمال، بل تطالب بالاعتراف بقيمة ما تنتجه من رأسمال تربوي واجتماعي وثقافي. إنها تطالب بأن ينظر إليها كشريك أساسي في صناعة الطفولة والمواطنة، لا كاحتياطي مجاني يمكن تعبئته كل صيف ثم نسيانه بعد انتهاء الموسم.
وفي المقابل، فإن تحويل المخيمات إلى فضاء للاشتغال المأجور الكامل يحمل مخاطر لا تقل أهمية. فإخضاع العمل التربوي لمنطق السوق بشكل مطلق قد يؤدي إلى فقدان أحد أهم مقوماته التاريخية، وهو البعد الرسالي والتطوعي. كما أن ارتفاع كلفة التأطير سينعكس حتما على تكلفة الاستفادة من المخيمات، مما قد يهدد مبدأ العدالة الاجتماعية في الولوج إليها، خاصة بالنسبة إلى الأطفال المنحدرين من الفئات الشعبية.
لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق بالاختيار بين التطوع أو التعويض، بل بالبحث عن صيغة جديدة للتوازن بينهما. صيغة تعترف بأن التطوع ليس نقيضا للإنصاف، وأن الاعتراف المادي لا يعني بالضرورة تحويل العمل التربوي إلى سلعة. فالتجارب الدولية الناجحة أظهرت أن دعم المتطوعين وتأهيلهم وتحفيزهم يمكن أن يتم دون المساس بروح الالتزام المدني.
إن ما تكشفه قضية تعويض الأطر التربوية في النهاية هو التحول العميق الذي يعرفه المجتمع المغربي في علاقته بالقيم الجماعية. فالمخيمات ليست فقط فضاءات لتخييم الأطفال، بل هي مرآة تعكس طبيعة التحولات التي يعيشها المجتمع بأكمله؛ تحولات تمس مفهوم المواطنة، والعمل الجماعي، والتضامن، والاعتراف، والعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب تعويض المؤطرين أم لا؟ بل: كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على أخلاق العطاء والتطوع في زمن تتوسع فيه هيمنة السوق على مختلف مجالات الحياة؟ وكيف يمكن للدولة أن تضمن استدامة هذا الرأسمال التربوي الهائل دون أن تستنزف حامليه أو تحولهم إلى مجرد فاعلين موسميين؟
إن مستقبل المخيمات الصيفية سيتحدد بقدر ما ننجح في بناء تعاقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للتربية باعتبارها استثمارا مجتمعيا طويل الأمد، ويمنح للأطر التربوية ما تستحقه من اعتراف ورعاية ودعم، دون أن يفقد المخيم روحه الأصلية باعتباره مدرسة للمواطنة والعطاء والتنشئة الجماعية. فحين يختفي المتطوعون لا تخسر الجمعيات فقط بعض المؤطرين، بل يخسر المجتمع أحد أهم فضاءاته المنتجة للتضامن، وأحد آخر الحصون التي لا تزال تقاوم التحول الكامل للإنسان إلى مجرد فاعل اقتصادي تحكمه لغة الربح والخسارة.
اترك تعليقاً