وزان.. مدينة ماضيها أفضل من حاضرها
لم تكن مدينة وزان مجرد نقطة على الخريطة الشمالية للمملكة المغربية، بل كان منذ قرون عدة قلبا نابضا بالعلم والمدارس العتيقة، وموئلا روحيا للتصوف والعراقة الضاربة في جذور تاريخ المغرب. لُقبت لقرون بـ “دار الضمانة”؛ حيث كانت تمارس دورا مهما في ضمان أمن من جاء يطلب حماها، ما جعلها قديما تشع حضارة وتفيض على جوارها بركة وازدهارا.
ولم تكن هذه “الضمانة” مجرد مفهوم رمزي أو شعار مجرد، بل تجسدت في النسيج العمراني الفريد للمدينة؛ حيث كانت الزاوية الوزانية بمثابة الموئل والملاذ، والمؤسسة التعليمية والاجتماعية التي تُطعم الطعام وتؤمن الخائف وتُصلح بين القبائل. امتدت جغرافيتها الروحية لتشمل أطراف المغرب الكبير، وغدت أحياؤها العتيقة كـ “الملاح” و”الجمعة” ومساجدها الممتدة شاهدة على حركية علمية وفكرية تزخر بالكتب والمخطوطات، وصناعة تقليدية متفردة جعلت من “الخرقة الوزانية” و”الجلابة” علامة مسجلة للأناقة والوقار المغربي الأصيل. لقد كانت وزان حاضرة متكاملة، تتنفس تاريخا وتفيض بالحكمة، وتشكل قطبا لا محيد عنه في الهوية الوطنية.
لكن، شتان بين أمس مدينة وزان وحاضرها؛ فقد بات يتملك الزائر وان الدار إحساس حارق بأن هذه المدينة تعيش حاضرا يقل بريقه بشكل ملحوظ على ماضيها، أو على الأقل عن ما هو وارد عنها في الذاكرة المكتوبة والشفهية.
إذا عدنا بالذاكرة إلى سبعينيات حتى تسعينيات القرن الماضي، سنجد أن ما يتداوله سكان المدينة وشيوخها أنها كانت تنبض بالحياة؛ حركة تجارية تجمع سكان المدينة بسكان القرى المجاورة، وصناعة تقليدية دؤوبة، ونشاط رياضي وثقافي لا يهدأ أكثر من الحاضر، فلم تكن الثقافة والرياضة ترفا حبريا، بل كان “شباب أولمبيك وزان” وغيره من الجمعيات الثقافية والفنية يصنعون متنفسا حقيقيا يربط الناشئة بالحياة، وتتشكل في أزقتها قيم التكافل المستمدة من نبل السلوك الجماعي، وروح مجتمعية تعكس الاستقرار والقيم الوزانية النبيلة. لم تكن الجمالية مقتصرة على المظهر، بل كانت متمثلة في المعنى.
اليوم، تبدو المدينة وكأنها تغرق في عزلة تنموية خنقها سوء التدبير، ولم يكن للمدينة نصيب محترم من برامج التنمية المجالية والجهوية المتقدمة، وتراكمت الأزمات التي حولت زواياها إلى مشاهد من الخيبة…
يعود جزء غير يسير من هذه الخيبة إلى العزلة الجغرافية التي كُرّست بفعل غياب العطف التنموي؛ فالمدينة التي كان يفترض أن تكون قاطرة للربط بين الشمال والداخل، ظلت محاصرة تعيق أي تدفق استثماري أو لوجستي. إن عدم ادماج وزان بشكل فعال في محاور المخططات التنموية الكبرى لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة جعلها تسبح خارج زمن الصعود الاقتصادي الذي تشهده مدن الجهة الأخرى. لقد بقيت وزان لسنوات مجرد نقطة عبور مهملة في خريطة المشاريع الكبرى، تُركت لمصيرها لتواجه التحديات التنموية بإمكانيات مجالس محلية عاجزة عن خلق الثروة أو استقطاب رؤوس الأموال.
عجلة التنمية في وزان شبه معطلة، وسط غياب تام لمشاريع استثمارية حقيقة تخلق فرص الشغل وتستوعب طاقات الشباب. فأمام انغلاق الآفاق، أصبحت المدينة تطرد جل أبنائها نحو المدن الكبرى (كطنجة، تطوان، الرباط…) بحثا عن لقمة العيش، متخلين عن حلم الاستقرار والنهوض بمسقط رأسهم.
أمام نزيف الهجرة الشبابية هذا، تتكرر مهرجانات ومحافل مناسباتية تستنزف فيها الميزنيات، دون أن تترك أدنى أثر على الترويج السياحي أو التخطيط الصارم للنهوض بالاقتصاد المحلي، ليصبح حظ المدينة منها مجرد بهرجة عابرة تزول بعد أيام.
والأدهى من ذلك، أن الفراغ وحالة الهشاشة الجاثمة على أحياء المدينة، حولتها إلى مرتع يتغذى فيه تجار المخدرات على أحلام ما تبقى من الشباب، وسط سوء تدبير للمشهد المحلي الذي عجز عن تقديم حلول حقيقية أو استراتيجيات التنمية.
هذا الفراغ القاتل لم يقتصر على تعطيل الآلات والمصانع الغائبة أساسا، بل امتص الطاقة الروحية والإبداعية لدى الشباب. فحين تغيب دور الشباب المجهزة، والمراكز الثقافية الفاعلة المستجيبة للحد الأدنى من التطلعات، يصبح الشارع بكل مخاطره واستقطاباته البديل الوحيد المتاح. إن تحول فئات عريضة من الشباب من طاقات معطاءة إلى ضحايا لشبكات المخدرات والاستغلال، هو النتيجة الطبيعية لإهمال البعد الاجتماعي في السياسات الترابية، حيث لا يمكن لمقاربة أمنية مهما بلغت نجاعتها وتضحياتها، أن تسد مسد الفرصة الاستثمارية، والوظيفة القارة، والمتنفس الثقافي الذي يحفظ للشباب آدميتهم وكرامتهم. فالجهاز الأمني رغم حملاته ودورياته المتكررة في أحياء المدينة، وجهوده المكثفة لمحاربة الجريمة ومروجي المخدرات، لكن هذا لا يسعف لوحده.
.مما يزيد من مرارة الواقع، ذلك الشعور بالخجل والحسرة حين يُذكر اسم وزان في جلسة مع أبناء مدن الداخل أو الجنوب؛ فلا تجد في أذهانهم سوى انطباع اختُزل في كلمة واحدة: ‘البلدية’! يتلفظون بها ويميلون بين جودة زيت الزيتون، أو تنصرف أذهانهم فورا إلى مخدر “الحشيش”. لقد جُرّدت دار الضمانة من كل حمولتها التاريخية والثقافية، لتصبح في ذاكرة الكثيرين مجرد مصدر لمنتج استهلاكي أو مخدر!
إن انتشال وزان من هذا النفق المظلم لا يتطلب حلولا ترقيعية أو وعودا انتخابية موسمية، بل يستوجب أساساا صحوة ضمير لدى المجالس المنتخبة والمسؤولين المحليين الذين تعاقبوا على تدبير الشأن العام بالمدينة. إن المساءلة السياسية والأخلاقية تقتضي اليوم الانتقال من منطق “التدبير اليومي للهشاشة” إلى منطق “الحكامة الترابية” بشكل صارم ومسؤول؛ عبر ممارسة الترافع الجاد والدفاع المستميت عن حق المدينة في نصيب التنمية الجهوية، وإرغام الفاعلين المحليين على بلورة خطط استراتيجية تضع المواطن الوزاني في صلب الأولويات. إن وزان لا تطلب عطفا ولا إحسانا من القائمين على تدبير شأنها المحلي، بل تطالب بتفعيل مبدأ العدالة المجالية، وتجويد الأداء التنموي المحلي، واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته الإقليمية والجهوية؛ لتسترجع دار الضمانة كرامتها السليبة وهيبتها التاريخية كصرح مجتمعي قادر على إعالة أبنائه وضمان عيشهم الكريم.
هذه السطور عن مدينة وزان ليست من باب التبخيس أو السوداوية العدمية، إنها صرخة ألم و غيرة على مدينة يستحق تاريخها وأبناؤها ما هو أفضل. إن إعادة الروح لدار الضمانة مسؤولية أبنائها ومنتخبيها وكل من مكنته القدرة عن إيصال صوتها، وهذا لن يتأتى فقط بالمهرجانات الصورية أو التدبير العشوائي، بل بإرادة سياسية وتنموية حقيقية تعيد للمدينة كرامتها ولشبابها العيش الكريم.
اترك تعليقاً