أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي ودول “الإكواس”…هل تنقل “الإتفاقية الحكومية الدولية” المشروع من الرؤية الاستراتيجية إلى التنفيذ؟
في ظل التوتر الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، والتي تظم أكبر الاحتياطات النفطية والغازية، وما أفرزته من اضطرابات على مستوى الإمدادات الطاقية والأسواق الدولية، بدأت تظهر الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية التي يمكن أن يضطلع بها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي (AAGP) المغرب-نيجيريا، الذي طرح لأول مرة في ديسمبر 2016، وسيمر عبر 13 دولة إفريقية (نيجيريا، بنين، توغو، غانا، ساحل العاج، ليبيريا، سيراليون، غينيا، غينيا بيساو، غامبيا، السنغال، موريتانيا، المغرب) منها 11 دولة عضوة بالمجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا(الإكواس)، والتي ستستفيد إلى جانب دول الساحل من نصف الإمدادات المتوقعة، ما من شأنه أن يعزز الأمن الطاقي والتكامل الإقليمي بينها وبين المغرب.
وسيمتد هذا الأنبوب على طول 6800 كلم، منها 5100 كلم في عرض البحر، بتكلفة استثمارية أولية تقدر بحوالي 25 مليار دولار، لنقل 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، منها 15 مليار مكعب موجهة إلى المغرب والأسواق الأوروبية، التي تأثرت كثيرا بالحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأمريكية الإيرانية، ما يعني أن جزءا مهما من الأمن الطاقي الأوروبي سيكون مرتبطا بهذا الأنبوب، علما أن احتياجات المغرب السنوية من الغاز تقدر بمليار متر مكعب.
وقد شهد هذا المشروع اليوم تطورا مهما بعد توقيع رؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس: ECOWAS) على الاتفاقية الحكومية الدولية (IGA)، وذلك خلال القمة التي عُقدت في فريتاون عاصمة سيراليون، 19 يوليوز 2026. وكانت تضم هذه المجموعة خمسة عشر دولة قبل انسحاب دول الساحل الثلاث وهي بوركينافاسو ومالي والنيجر، بساكنة تتجاوز 400 مليون نسمة، منها 11 دولة سيمر عبرها الأنبوب الإفريقي الأطلسي.
وقد سبق هذا الاتفاق توقيع مذكرات تفاهم، من بينها الاتفاقية الموقعة بين المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) ونيجيريا والمغرب في سبتمبر من سنة 2022، وفي أكتوبر من سنة 2024 نظمت المجموعة الاقتصادية في لاغوس بنيجيريا ورشة عمل إقليمية للمراجعة والتحقق ووضع اللمسات الأخيرة على مسودة اتفاقية البلد المضيف (HGA)، وأحكام مشاريع النصوص وشركة المشروع، وذلك بعد لقاءات الرباط ومراكش وأبيدجان.
وتمنح اتفاقية الإكواس لإطار القانوني والمؤسساتي اللازم لأنبوب الغاز، أي الإطار السيادي للانتقال من رؤية استراتيجية إلى تفعيل المشروع على أرض الواقع، من خلال إنشاء “شركة المشروع” سيكون مقرها بالدار البيضاء، إلى جانب إحداث الهيئة العليا لخط أنبوب الغاز(PHA)، خاصة بالحوكمة، سيكون مقرها في أبوجا، قبل اتخاذ قرار الاستثمار النهائي، لتشهد المرحلة الأخيرة بالمغرب مراسم التوقيع المشترك على الاتفاق من قبل المغرب وموريتانيا بحضور الرئيس النيجيري.
فكما جاء في تصريح الرئيس الحالي لمنظمة الإكواس جوليوس مادا بيو “وقعنا اتفاقية خط أنابيب الغاز بين غرب أفريقيا والمغرب”، مضيفا “لا تتفاجؤوا عندما يصل الغاز إليكم”، وستشكل سنة 2031 بداية التدفق الفعلي للغاز نحو المغرب.
ومن الأبعاد والدلالات الخلفيات التي تدعم إنجاز هذا المشروع رغم بعض الإكراهات، ما يطبع الظرفية الحالية التي تشهدها الأسواق الدولية بسبب التوترات الجيوسياسية، التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، وأوروبا جراء الحرب الروسية الأوكرانية، والتي طالت تداعياتها مختلف الدول المستوردة للطاقة، كما أن قطع أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي من طرف الجزائر سنة 2021، ساهم في الدينامية التي يشهدها المشروع اليوم.
من شأن هذا المشروع ان يشكل بديلا عن الممرات البحرية التقليدية كمضيق هرمز وباب المندب، التي تظل الأخطار محدقة بها، وذلك باختصار زمن النقل، وخفض تكاليف التأمين وتجنب مخاطر القرصنة والهجمات، مع ضمان استمرارية الإمدادات في حالة الحروب والنزاعات، شريطة تعهد دول المرور بحماية الأنابيب.
إضافة إلى أن الغاز يعتبر الطاقة الأسرع نموا على المستوى العالمي، ويمثل حوالي 22% من إجمالي الاستهلاك العالمي، كما يتميز بأسعار معقولة، وبكونه مزيجا طاقيا أقل تلويثا للبيئة من الخيارات الأخرى الممكنة، ويمهد الطريق للتخلي عن استعمال الفحم الحجري في محطات إنتاج الكهرباء، ليصبح الطاقـة الرئيسية في القرن الحادي والعشـرين، سواء من حيث البديل الطاقي لتراجع احتياطي النفط عالميا، أو من حيث الطاقة النظيفة.
كما أن المغرب لم يسبق أن وظف ورقة الطاقة كسلاح دبلوماسي، في علاقاته الإقليمية والدولية، باعتباره إلى وقت قريب كان يشكل ممرا طاقيا للغاز القادم من الجزائر نحو أوروبا، ووجود روابط كهربائية مع بعض الدول الأوروبية، واليوم هناك اتفاقيات متعددة في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما أن 5 بالمائة من الطاقة العالمية تمر عبر مضيق جبل طارق، الذي يعتبر من الممرات الاستراتيجية المهمة، كذلك، تمتع المغرب بصفة الشريك الموثوق به، وللعلاقات الثنائية الجيدة التي تجمعه مع معظم الدول التي سيمر منها أنبوب الغاز. دون إغفال الثقل الاقتصادي والسياسي الذي تحظى به نيجريا في علاقاتها الإفريقية خاصة مع دول الإكواس.
ختاما وعلى ضوء هذه المستجدات يظهر أن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، أصبح أكثر وضوحا من ذي قبل، بعد هذه الاتفاقية، التي منحت الضوء الأخضر للانتقال نحو التنفيذ الفعلي في المراحل القادمة، ما سيحول المغرب إلى مركز إقليمي يحدد اتجاهات تجارة الطاقة بين إفريقيا وأوروبا، ومنه تموقعا جديدا على خارطة الطاقة الدولية والاقليمية، كما جاء في خطاب الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين للمسيرة الخضراء 6 نونبر 2022، “إنه مشروع من أجل السلام، والاندماج الاقتصادي الإفريقي، والتنمية المشتركة : مشروع من أجل الحاضر، والأجيال القادمة”.
اترك تعليقاً