وجهة نظر

سيولة الانتماء وأزمة التمثيل في الحقل السياسي المغربي

تفكك الهوية الحزبية وهيمنة الرأسمال السياسي والاقتصادي

كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب، عاد إلى الواجهة مشهد بات يتكرر بانتظام حتى أصبح جزءا من الطقس السياسي الذي يسبق الاقتراع؛ إنه ما يعرف إعلاميا بـ”الحريك الحزبي”، حيث تتوالى استقالات المنتخبين والقيادات المحلية والوطنية من أحزابهم، وتتسارع عمليات الانتقال الجماعي نحو تنظيمات أخرى تبدو أكثر قدرة على ضمان الفوز أو الاقتراب من دوائر القرار. ورغم أن هذا السلوك يقدَّم في الخطاب السياسي باعتباره ممارسة ديمقراطية تندرج ضمن حرية الانتماء وتبديل القناعات، فإن القراءة السوسيولوجية تكشف أن الأمر يتجاوز حرية الاختيار الفردي ليعكس أزمة بنيوية تطال طبيعة الحقل الحزبي نفسه، ووظائفه، وآليات إنتاج الشرعية السياسية داخله.

فالتحول الحزبي، حين يصبح ظاهرة موسمية تتكرر مع كل محطة انتخابية، لا يمكن اعتباره مجرد انتقال من تنظيم إلى آخر، بل هو تعبير عن تحول عميق في معنى الانتماء السياسي. فالحزب لم يعد، في حالات كثيرة، فضاء لإنتاج الهوية الإيديولوجية أو التأطير المجتمعي أو التنشئة السياسية، وإنما تحول إلى مورد انتخابي يتم تقييمه وفق قدرته على توفير شروط النجاح والوصول إلى المؤسسات التمثيلية. وبهذا المعنى، يغدو الانتماء الحزبي علاقة نفعية أكثر منها علاقة قناعية، وتصبح الهوية السياسية قابلة لإعادة التشكل كلما تغيرت موازين القوة داخل الحقل السياسي.

لقد ميز ماكس فيبر بين الحزب باعتباره تنظيما يسعى إلى الوصول إلى السلطة عبر مشروع سياسي، وبين الجماعات التي تتحرك بدافع المنفعة المباشرة. غير أن التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي المغربي توحي بأن منطق المشروع يتراجع تدريجيا أمام منطق التموضع الاستراتيجي، بحيث يصبح الحزب مجرد أداة للوصول إلى السلطة، لا إطارا لإنتاجها فكريا أو لتوجيهها مجتمعيا. ويقترب هذا التحول مما وصفه أنجيلو بانبيانكو بالحزب الانتخابي الاحترافي، الذي تتراجع داخله المرجعيات الفكرية لصالح البراغماتية الانتخابية، حيث تقاس قيمة الحزب بقدرته على الفوز لا بقدرته على التعبئة أو إنتاج الأفكار.

ومن منظور بيير بورديو، فإن الحقل السياسي يشكل فضاء مستقلا نسبيا، تحكمه قواعد خاصة، ويتنافس داخله الفاعلون حول احتكار الرأسمال السياسي والرمزي. وفي هذا السياق، لا يمثل “الحريك الحزبي” مجرد انتقال تنظيمي، بل استراتيجية لإعادة تموقع الفاعلين داخل الحقل بما يسمح لهم بتعظيم رأسمالهم السياسي. فالمنتخب لا يغادر الحزب لأنه فقد قناعته فقط، بل لأنه أعاد تقييم موازين القوى، وخلص إلى أن رأسماله الانتخابي سيحقق مردودية أكبر داخل تنظيم آخر يمتلك فرصا أوفر للوصول إلى السلطة أو للاستفادة من امتيازات القرب منها.

ومن هنا، يصبح الحزب نفسه سلعة سياسية داخل ما يشبه “السوق الانتخابية”، حيث تقاس قيمته بقدرته على ضمان المقاعد، وليس بقدرته على إنتاج النخب أو بناء المواطن. إننا أمام انتقال من “الحزب كمدرسة سياسية” إلى “الحزب كمقاولة انتخابية”، وهي إحدى أبرز سمات ما يسميه علم الاجتماع السياسي بمرحلة تسليع السياسة (Commodification of Politics)، حيث تتحول العلاقات السياسية إلى علاقات تبادل واستثمار، ويصبح الولاء السياسي خاضعا لمنطق العرض والطلب أكثر من خضوعه للالتزام الفكري.

وتزداد هذه الصورة وضوحا إذا استحضرنا تحليل نوربرت إلياس لشبكات الاعتماد المتبادل؛ فالفاعل السياسي لا يتحرك في فراغ، وإنما داخل شبكات معقدة من المصالح والضغوط والتحالفات، تجعل قراراته مرتبطة بتوازنات القوة أكثر من ارتباطها بقناعات مجردة. لذلك فإن كثيراً من الانتقالات الحزبية لا تعبر عن مراجعات فكرية بقدر ما تعكس إعادة تموضع داخل شبكات النفوذ التي يعتقد أنها الأقرب إلى السلطة أو الأكثر قدرة على إنتاج الامتيازات السياسية.

ويكتسب هذا التحليل بعدا أكثر عمقا حين يُقرأ في ضوء العلاقة المتزايدة بين السلطة والمال داخل المنافسة الانتخابية. فمع تزايد كلفة الحملات الانتخابية، وتعاظم أهمية الموارد الاقتصادية في صناعة النفوذ المحلي، أصبح الرأسمال الاقتصادي يؤدي دورا حاسما في إعادة تشكيل الخريطة الحزبية. وهنا تستعيد أطروحات بورديو راهنيتها؛ إذ يتحول الرأسمال الاقتصادي إلى رأسمال سياسي عبر آليات متعددة، من بينها تمويل الحملات، وبناء شبكات الزبونية، واستثمار العلاقات الاجتماعية. ومع مرور الوقت، تصبح المنافسة أقل ارتباطاً بالبرامج والرؤى، وأكثر ارتباطا بحجم الموارد التي يستطيع كل فاعل تعبئتها.

إن هذه الدينامية تفضي إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ”وهم التداول السياسي”، حيث تبدو الأحزاب وكأنها تتنافس على السلطة، بينما تتحرك داخل منطق واحد تحكمه الحسابات الانتخابية وإعادة توزيع مراكز النفوذ. وهكذا، يصبح الانتقال الحزبي وسيلة لإعادة إنتاج النخبة نفسها داخل أوعية تنظيمية مختلفة، دون أن يصاحب ذلك تحول حقيقي في طبيعة السياسات العمومية أو في مضمون الاختيارات المجتمعية.

ولعل أخطر النتائج السوسيولوجية لهذه الظاهرة أنها تؤدي إلى تفكيك الحدود الرمزية بين الأحزاب. فالتمييز بين اليمين واليسار، أو بين المحافظ والليبرالي، أو بين الأحزاب ذات المرجعية الاجتماعية المختلفة، يفقد معناه حين ينتقل الفاعلون بسهولة بين تنظيمات متباينة دون أن يقدموا تفسيرا فكريا لهذا التحول. وعندما تتلاشى الحدود الإيديولوجية، يفقد الحزب وظيفته كمنتج للهوية الجماعية، ويتحول إلى مجرد علامة انتخابية قابلة للاستبدال.

وقد وصف زيغمونت باومان هذا النمط من العلاقات بـ”السيولة”، حيث تتراجع الالتزامات طويلة المدى لصالح ارتباطات مؤقتة تحكمها المنفعة والظرفية. وإذا كانت الحداثة السائلة قد مست الأسرة والعمل والاستهلاك، فإنها امتدت أيضا إلى المجال السياسي، ليصبح الانتماء الحزبي ذاته انتماء سائلا، سريع التشكل وسريع الانحلال، يخضع لإيقاع الاستحقاقات الانتخابية أكثر مما يخضع لتراكمات النضال السياسي.

ولا تتوقف آثار هذه السيولة عند حدود الأحزاب، بل تمتد إلى المجتمع نفسه، لأن المواطن يراقب هذه التحولات ويعيد بناء تصوره عن السياسة انطلاقاً منها. وهنا يستعيد بيير روزنفالون تحليله لأزمة التمثيل، حيث يؤدي تراجع مصداقية المؤسسات الوسيطة إلى اهتزاز الثقة في الديمقراطية التمثيلية ذاتها. فحين يلاحظ المواطن أن المنتخب يستطيع تغيير انتمائه السياسي دون أن يتغير موقعه أو خطابه أو تحالفاته، يتولد لديه انطباع بأن الأحزاب ليست سوى واجهات تنظيمية متشابهة، وأن الصراع السياسي لا يتعلق بالمشاريع بقدر ما يتعلق بتدبير المواقع.

ومن منظور نظرية الاختيار العقلاني، يصبح العزوف الانتخابي نتيجة منطقية لهذا الإدراك. فالمواطن لا يقاطع الانتخابات بالضرورة بسبب اللامبالاة، وإنما لأنه يعيد حساب تكلفة المشاركة مقارنة بالعائد المتوقع منها. فإذا بدا له أن نتائج الانتخابات محكومة بميزان المال، وشبكات النفوذ، وعمليات إعادة التموضع الحزبي، فإن المشاركة تفقد معناها كآلية للتأثير، ويتحول الامتناع عن التصويت إلى شكل من أشكال التعبير عن انعدام الثقة في فعالية العملية السياسية.

إن خطورة “الحريك الحزبي” لا تكمن فقط في انتقال أفراد من حزب إلى آخر، وإنما في كونه يكشف عن انتقال السياسة نفسها من منطق التمثيل إلى منطق التدبير النفعي للمواقع، ومن منطق الالتزام إلى منطق الاستثمار، ومن منطق المشروع المجتمعي إلى منطق السوق السياسية. وعندما تصبح الأحزاب مجرد منصات انتخابية، والسياسة مجرد تقنية لإعادة توزيع السلطة، يفقد الحقل السياسي استقلاليته، ويتحول إلى امتداد لمنطق السوق، حيث تحدد قيمة الفاعلين بقدرتهم على تعبئة الموارد لا بقدرتهم على إنتاج الأفكار.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يتحقق فقط عبر سن تشريعات تحد من الترحال الحزبي، وإنما يقتضي إعادة بناء الحقل السياسي على أسس جديدة، تجعل الحزب فضاءً لإنتاج المعنى السياسي لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وتعيد الاعتبار للتأطير الإيديولوجي، والديمقراطية الداخلية، والشفافية في التمويل، والفصل بين الرأسمال الاقتصادي والرأسمال السياسي. فالديمقراطية لا تقاس بعدد الأحزاب أو انتظام الانتخابات فحسب، بل بقدرة المؤسسات الحزبية على إنتاج الثقة، وصناعة النخب، وتحويل المنافسة الانتخابية من تنافس على المواقع إلى تنافس على الرؤى والمشاريع المجتمعية. وعندئذ فقط يمكن للانتخابات أن تستعيد وظيفتها الأصلية باعتبارها آلية لتجديد الشرعية السياسية، لا مجرد موسم لإعادة تدوير الولاءات وإعادة توزيع النفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *