وجهة نظر

حين تكشف الأرقام اختلال ميزان التشريع في حصيلة الولاية التشريعية

عندما قدم رئيس مجلس النواب الحصيلة التشريعية للولاية البرلمانية الحادية عشرة، وأعلن أن حصاد الإنتاج التشريعي وصل إلى 237 نصاً قانونياً، بما يوحي للوهلة الأولى بأن المؤسسة التشريعية عرفت دينامية غير مسبوقة، غير أن قيمة أي حصيلة تشريعية لا تُقاس بعدد القوانين، وإنما بطبيعتها، ومصدرها، ومدى تعبيرها عن الاختصاص الدستوري الذي أناطه الفصل 70 من الدستور بالبرلمان باعتباره “يمارس السلطة التشريعية ويصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية”.

فإذا كان البرلمان هو صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع، فإن الأرقام الواردة في الحصيلة تثير مفارقة دستورية تستحق الوقوف عندها؛ إذ تكشف أن المبادرة التشريعية بقيت، في الواقع، حكراً على الحكومة أكثر مما كانت تعبيراً عن المبادرة البرلمانية.

أول ما يلفت الانتباه أن 91 قانون من أصل 237 يتعلق بالموافقة على الاتفاقيات الدولية، أي ما يعادل حوالي 38 في المائة من مجموع النصوص المصادق عليها، وهو ما يعني أن أكثر من ثلث الإنتاج التشريعي للمجلس انصب على قوانين ذات طبيعة تصديقية، تقتصر وظيفة البرلمان فيها على الموافقة أو الرفض، دون أن يمتلك سلطة إعادة التفاوض بشأن مضمون الاتفاقيات الدولية.

أما القوانين التنظيمية، فقد بلغ عددها 12 قانوناً تنظيمياً، غير أن القراءة الدقيقة تكشف أن أربعة منها لا تعدو أن تكون تعديلات متكررة للقانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، بينما لا يمكن اعتبار سوى قانونين إصلاحين تأسيسيين حقيقيين: القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، والقانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، الذي فعّل أحد أهم المقتضيات الدستورية المرتبطة بحماية الحقوق والحريات وخضوع القانون للرقابة القضائية.

كما صادق البرلمان على قانونين إطارين يتعلقان بإصلاح المنظومة الصحية الوطنية وميثاق الاستثمار، وهما نصان يؤطران السياسات العمومية الكبرى أكثر مما يشكلان إنتاجاً تشريعياً قطاعياً عادياً.

غير أن المؤشر الأكثر دلالة لا يتعلق بنوعية القوانين، وإنما بمصدرها، فمن أصل 237 نصاً قانونياً، لم تتجاوز مقترحات القوانين التي تقدم بها النواب وصادق عليها مجلس النواب 18 مقترحاً فقط، أي بنسبة 7.59 في المائة من مجموع التشريع المصادق عليه، والأكثر دلالة أن هذه المقترحات لم تحمل إصلاحات تشريعية كبرى، وإنما اقتصرت في أغلبها على تعديل مادة أو فقرة من قوانين قائمة.

وتزداد الصورة وضوحاً عندما نعلم أن أعضاء مجلس النواب تقدموا خلال الولاية بما يقارب 482 مقترح قانون، عادي وتنظيمي، لم يُقبل منها سوى 18 مقترحاً، أي بنسبة لا تتجاوز 3.7 في المائة.

وتكشف الحصيلة أيضاً تفاوتاً لافتاً بين مكونات المجلس في ممارسة المبادرة التشريعية، فقد تقدمت فرق الأغلبية بـ 94 مقترح قانون فقط، مقابل 328 مقترح قانون تقدمت بها المعارضة، وهو ما يعكس تحول المبادرة التشريعية إلى إحدى أهم أدوات المعارضة في التعبير عن مواقفها السياسية، في مقابل انشغال الأغلبية أساساً بتمرير المشاريع الحكومية. كما أن بعض الأرقام تحمل دلالات سياسية واضحة؛ فالمجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، التي لا يتجاوز عدد أعضائها ثلاثة عشر نائباً، تقدمت بـ 68 مقترح قانون، بينما لم يتقدم الفريق الدستوري الديمقراطي سوى بمقترح قانون واحد رغم توفره على فريق برلماني مستقل، أما النواب غير المنتسبين فقد قدموا ثمانية مقترحات قوانين، تناول عدد منها قضايا سياسية ومؤسساتية، من بينها العفو العام، وتنازع المصالح، وتنظيم أشغال الحكومة.

وهناك رقما آخر له دلالته وهو أن عدد مقترحات القوانين التي لا زالت قيد الدرس في نهاية هذه الولاية التشريعية قد وصل إلى 347 مقترح قانون، وهذه المقترحات سوف يكون مصيرها الاقبار، لأننا سنكون يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر من سنة 2026 امام مجلس جديد بخريطة سياسية جديدة وبأغلبية جديدة ومعارضة جديدة وبأولويات جديدة.

أن الممارسة التشريعية خلال هذه الولاية يجب قراءتها من زوايا متعددة، إذ بقيت مئات مقترحات القوانين دون مناقشة أو تصويت، الأمر الذي يجعل الإشكال اليوم لا يتعلق فقط بالإرادة السياسية، بل بمدى احترام مقتضى دستوري صريح، ولعل هذا الوضع يطرح سؤالاً أكبر يتعلق بطبيعة النظام الدستوري المغربي نفسه. فدستور 2011 قام على فلسفة التوازن والتعاون بين السلط، وليس على هيمنة سلطة على أخرى، وقد كرست المحكمة الدستورية في عدد من قراراتها أن العلاقة بين السلط ليست علاقة تبعية، وإنما علاقة تكامل وتوازن، وأن احترام الاختصاصات الدستورية لكل سلطة يعد من مقومات دولة القانون والمؤسسات، ولذلك، فإن إضعاف المبادرة التشريعية البرلمانية لا يمس النواب وحدهم، بل يمس أحد أعمدة البناء الدستوري الذي أراده دستور 2011.

إن أخطر ما تكشفه هذه الحصيلة ليس عدد القوانين، بل التحول التدريجي للبرلمان من مؤسسة منتجة للتشريع إلى مؤسسة تصادق، في معظم الأحيان، على مشاريع أعدتها الحكومة. وهذا الوضع يطرح سؤالاً دستورياً وسياسياً لا يمكن تجاهله: كيف يمكن الحديث عن سلطة تشريعية كاملة، بينما لا تمثل مساهمة النواب سوى أقل من ثمانية في المائة من مجموع التشريع، ولا يُقبل سوى أقل من أربعة في المائة من مبادراتهم؟ إن نجاح أي تجربة برلمانية لا يقاس بعدد القوانين التي صودق عليها، وإنما بمدى قدرة البرلمان على ممارسة اختصاصه الدستوري باستقلالية وفعالية. فحين تصبح المبادرة التشريعية البرلمانية استثناءً، وتتحول المبادرة الحكومية إلى القاعدة، فإن الخلل لا يكون في الأرقام، بل في ميزان السلط نفسه. ولهذا، فإن الحصيلة التشريعية للولاية 2021-2026 لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حصيلة كمية فحسب، بل باعتبارها مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل نمارس اليوم النموذج الذي أراده دستور 2011، والقائم على التوازن والتعاون بين السلط، أم أننا أمام ممارسة أعادت، بصورة غير معلنة، تركيز الوظيفة التشريعية في يد السلطة التنفيذية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *