محمد القرطاوي.. مايسترو “الركبة” الزاكورية بين مرارة المرض وتوقف النشاط الفني
يمر مايسترو فن “الركبة” الزاكورية وقائد فرقة زاكورة، الفنان محمد القرطاوي، بظروف صحية دقيقة تزامنت مع توقف نشاطه الفني الذي يُعد مصدر دخله الأساسي.
وعلمت جريدة “العمق” أن القرطاوي أُدخل، اليوم الخميس، إلى إحدى المصحات الخاصة بمدينة الدار البيضاء، للخضوع لسلسلة من الفحوصات والتحاليل الطبية، استعدادا لإجراء عملية جراحية مستعجلة، إثر معاناته من مرض على مستوى البروستات.
وأثّر المرض بشكل مباشر في الوضع المعيشي للقرطاوي، الذي يعتمد أساسا على مداخيل العروض والمهرجانات والتظاهرات الثقافية، في ظل عدم توفره، وفق المعطيات التي حصلت عليها “العمق”، على مصدر دخل قار يضمن له مواجهة تكاليف الحياة والعلاج.
ومع اضطراره إلى التوقف عن قيادة فرقته، فقد الفنان الشعبي مورده الأساسي، ليجد نفسه أمام مصاريف علاج مرتفعة وظروف مالية قاسية، في وضع يعكس هشاشة الحماية الاجتماعية التي يعاني منها عدد من رواد الفنون الشعبية، خصوصا أولئك الذين ارتبطت مداخيلهم بالمواسم والعروض غير المنتظمة.
ويعد محمد القرطاوي، المولود سنة 1948 بمدينة زاكورة، من أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بفن “الركبة” في منطقة وادي درعة. وتلقى تعليمه الأول داخل مدرسة قرآنية تقليدية، قبل أن يلتحق بهذا الفن وهو في الرابعة عشرة من عمره، متأثرا بوالده لحسن القرطاوي، الذي كان بدوره عضوا في الفرقة.
وتولى القرطاوي قيادة فرقة زاكورة لفن “الركبة” منذ سنة 1986، واستطاع بصوته وحركاته الإيقاعية المميزة أن يتحول إلى أحد أشهر رموز هذا اللون التراثي. كما يرأس جمعية النخيل للركبة والفنون الشعبية المحلية، التي تأسست سنة 1999 بهدف التعريف بفنون المنطقة والمساهمة في إشعاع زاكورة ثقافيا وسياحيا.
وتأسست فرقة “الركبة” سنة 1959، وأصبحت من أكثر فرق الفنون الشعبية حضورا في المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش، إلى جانب مشاركتها في تظاهرات ثقافية داخل المغرب وخارجه.
وتتميز عروض الفرقة بالتنسيق الدقيق بين الغناء والرقص والحركة الجماعية، إذ يؤدي القرطاوي دورا محوريا في ضبط الإيقاع وتوجيه الراقصين، مستعملا حركات الرأس والقدم والجسد للانتقال من لوحة إلى أخرى.
وتتألف الفرقة، إلى جانب المايسترو، من تسعة راقصين وثلاث راقصات؛ يرتدي الرجال جلابيب وأزياء وعمامات مستوحاة من منطقة درعة، بينما تظهر النساء بملابس تقليدية ذات ألوان مرتبطة بالمحيط الواحي. وسبق للفرقة أن شاركت في مهرجانات عربية وأوروبية وأمريكية، وأسهمت في التعريف بالتراث الزاكوري خارج المغرب.
وتعود جذور “الركبة”، وفق باحثين في التراث اللامادي لمنطقة درعة، إلى رقصة جماعية كانت تُؤدى في سياقات قبلية وحربية، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى فن احتفالي حاضر في الأعراس والمواسم والمهرجانات. كما انتقلت طريقة أدائها من صفين متقابلين إلى تشكيلات تناسب المسارح والمنصات الحديثة، مع احتفاظها بالإيقاع واللباس والحركات الموروثة.
وسلط وثائقي “فنون شعبية على ضفاف درعة”، الصادر سنة 2024، عن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، الضوء على هذا التحول، واستضاف فرقة محمد القرطاوي لتقديم عرض وسط إحدى واحات زاكورة، في محاولة لتوثيق هذا اللون الفني وحفظه من الاندثار.
ويعيد الوضع الصحي والاجتماعي لمحمد القرطاوي إلى الواجهة مسألة أوضاع رواد الفنون التراثية الذين أمضوا عقودا في حفظ الذاكرة الثقافية المغربية، من دون أن يضمن لهم عطاؤهم موردا ماليا مستقرا عند المرض أو التقدم في السن.
وتتمنى جريدة “العمق” للفنان محمد القرطاوي الشفاء العاجل، وأن تتكلل عمليته الجراحية بالنجاح، ليعود إلى أسرته وجمهوره وإلى الساحة الفنية التي أسهم في إثرائها على امتداد عقود.
اترك تعليقاً