منح الجنسية الإسبانية للصحراويين: قراءة في الأبعاد السياسية والاستراتيجية
يبقى ملف الصحراء المغربية من أكثر القضايا تأثيرا في السياسة الخارجية الإسبانية، بالنظر إلى المسؤولية التاريخية لإسبانيا وعلاقاتها الاستراتيجية مع المملكة المغربية. وخلال السنوات الأخيرة، شهد الموقف الرسمي الإسباني تحولا مهما بإعلان حكومة بيدرو سانشيز دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، وهو الموقف الذي ينسجم مع التوجه الذي تبنته دول عديدة، ومع الجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي دائم ومتوافق عليه.
وتتكون الحكومة الإسبانية الحالية من ائتلاف يضم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) وحزب سومار، وهو تحالف يضم عددا من الأحزاب اليسارية، من بينها اليسار الموحد والحزب الشيوعي الإسباني وحركات يسارية أخرى. وبذلك فإن أي مبادرة تشريعية يتقدم بها حزب سومار لا يمكن فصلها عن النقاش السياسي الدائر داخل الائتلاف الحكومي، حتى وإن كانت لا تعبر بالضرورة عن جميع مكوناته أو عن السياسة الخارجية الرسمية لإسبانيا.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع منح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين يتجاوز أبعاده الإنسانية والقانونية، ويحمل أيضا أبعادا سياسية واستراتيجية قد يكون لها أثر على مستقبل النزاع. ففتح المجال أمام اللاجئات والشيوخ والاطفال من الصحراويين الحقيقيين الراغبين في الاستقرار بإسبانيا قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى إفراغ مخيمات تندوف من المعنيين المباشرين بهذا النزاع المفتعل، وهو ما قد يغير الواقع الديموغرافي داخل حمادة تندوف ويؤثر في موازين القوى المرتبطة بهذا الملف.
وبحسب هذا التحليل، فإن أي انخفاض في عدد الصحراويين الحقيقيين المقيمين بالمخيمات قد يضع قيادة جبهة البوليساريو الفاشلة أمام معطيات جديدة، ويزيد من الضغوط السياسية الدافعة إلى الانخراط في حل تفاوضي تحت رعاية الأمم المتحدة. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن ذلك قد ينسجم، بصورة غير مباشرة، مع المسار الأممي الذي يدعو إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف، وهو ما تستند إليه المملكة المغربية في دفاعها عن مبادرة الحكم الذاتي.
وفي المقابل، يواصل مؤيدو البوليساريو والنشطاء على وسائط التواصل الاجتماعي الترحيب بهذا المشروع ويعتبرونه مكسبا سياسيا وإنسانيا. غير أن هناك من يرى أن الآثار العملية للمشروع قد تكون مختلفة عن القراءة التي تقدمها قيادة الجبهة، إذ قد يفتح الباب أمام انتقال عدد من الصحراويين إلى إسبانيا، وهو ما قد ينعكس مستقبلا على حجم التجمعات السكانية داخل مخيمات تندوف.
كما يثير هذا النقاش مسألة تركيبة سكان المخيمات، وهي قضية ظلت محل خلاف بين أطراف النزاع. فقد سبق للمغرب أن دعا إلى إجراء إحصاء رسمي لسكان المخيمات تحت إشراف الأمم المتحدة، معتبرا أن ذلك ضروري لضمان الشفافية وتحديد عدد وهوية المقيمين. وفي المقابل، لا يوجد حتى الآن إحصاء أممي شامل يحسم هذه المسألة، ولذلك فإن أي حديث عن نسب أو تركيبة السكان يبقى محل جدل سياسي.
وفي المحصلة، يمكن القول إن مشروع حزب سومار المشارك في الإئتلاف الحكومي الحالي بزعامة بيدرو شانشيز، إذا تحول إلى قانون، قد يحقق فوائد مباشرة للصحراويين اللاجئين بتندوف الراغبين في الحصول على الجنسية الإسبانية، كما يرى البعض أنه قد يخدم بصورة غير مباشرة الدينامية التي تسعى الأمم المتحدة إلى تكريسها من أجل الوصول إلى حل سياسي للنزاع. غير أن تفسير آثاره المستقبلية يظل مجالا للاجتهاد السياسي، إذ ستتوقف نتائجه الفعلية على كيفية تطبيقه، وعلى تطور المفاوضات الأممية، وعلى مواقف مختلف الأطراف المعنية.
اترك تعليقاً