خارج الحدود

بسبب أزمة سبتة.. ثلاث دول أوروبية تضغط لتعليق عضوية إسبانيا من “شنغن”

اتسعت دائرة الضغوط الأوروبية على إسبانيا، الجمعة، بعدما أعلنت فنلندا والدنمارك تأييدهما بحث تعليق مشاركة مدريد في فضاء “شنغن”، على خلفية دخول عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب إلى مدينة سبتة المحتلة، في موجة غير مسبوقة دفعت السلطات الإسبانية إلى نشر الجيش وتعزيز قوات الأمن على الحدود.

وجاء الموقفان الفنلندي والدنماركي بعد ساعات من تلويح رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني باتخاذ “تدابير استثنائية”، بينها تعليق العمل بقواعد “شنغن” مع إسبانيا، متهمة حكومة بيدرو سانشيز بالفشل في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وأظهرت المعطيات الإسبانية دخول نحو 49 ألف شخص إلى سبتة خلال 24 ساعة، بينما رفع رئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس التقديرات إلى حوالي 60 ألف وافد، أي ما يعادل قرابة 70 في المائة من عدد سكانها.

وأعلنت السلطات الإسبانية لاحقا عودة نحو نصف الوافدين إلى المغرب، بالتزامن مع استمرار التنسيق بين الرباط ومدريد لمنع مزيد من عمليات العبور وتسريع إعادة الأشخاص الذين لا يتوفرون على أساس قانوني للبقاء. كما خلفت عمليات العبور عشرات الضحايا، معظمهم غرقا أثناء محاولة الوصول إلى سبتة سباحة.

فنلندا: إسبانيا فشلت تماما

وقالت وزيرة الداخلية الفنلندية ماري رانتان إن إسبانيا “فشلت تماما في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن من عمليات التسلل”، معتبرة أن الوضع لا يمكن أن يستمر على النحو نفسه.

وأضافت رانتان، في منشور على منصة “إكس”، أن على الدول الأوروبية دعم المقترح الإيطالي، مشددة على أن الدول التي لا تفي بالتزاماتها في حماية الحدود الخارجية لا يمكنها الاستمرار ضمن فضاء “شنغن”.

وجاء في موقف الوزيرة الفنلندية: “لقد فشلت إسبانيا تماما في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن من التسلل. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع. يتعين على جميع الدول الأوروبية دعم مقترح ميلوني”.

وتنتمي رانتان إلى حزب “الفنلنديين” اليميني الشعبوي، الذي يتبنى مواقف متشددة في قضايا الهجرة واللجوء، غير أن موقفها صدر بصفتها وزيرة للداخلية، ما منحه ثقلا حكوميا وأخرجه من إطار التصريحات الحزبية وحدها.

رئيسة وزراء الدنمارك: لن نقبل بتكرار أزمة 2015

ولم يقتصر الضغط على الحكومات اليمينية، إذ انضمت رئيسة الوزراء الدنماركية الاشتراكية الديمقراطية ميته فريدريكسن إلى الدعوات الرامية إلى بحث تعليق التعاون مع إسبانيا داخل فضاء “شنغن”.

وقالت فريدريكسن، في تعليق مكتوب نقلته وكالة “ريتساو” الدنماركية، إن الصور الواردة من سبتة كانت شديدة الخطورة، مؤكدة أن بلادها لن تقبل تكرار أزمة الهجرة التي عاشتها أوروبا سنة 2015.

وأضافت: “من البديهي أن يتخذ الاتحاد الأوروبي فورا جميع الخطوات اللازمة، وأن يبحث كل الخيارات، بما في ذلك تعليق التعاون في إطار شنغن”.

وشددت رئيسة الوزراء الدنماركية على أن “الهجرة غير المنضبطة تشكل تهديدا لأوروبا وللدنمارك”، كاشفة عن تواصلها مع جورجيا ميلوني بشأن الأزمة، وعن تحركات لجمع عدد من القادة الأوروبيين لمناقشة الوضع.

ويمثل الموقف الدنماركي تطورا لافتا، لأن فريدريكسن تقود حزبا اشتراكيا ديمقراطيا، وإن كانت حكوماتها قد تبنت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر سياسات الهجرة واللجوء تشددا داخل أوروبا.

وكان رئيس حزب الشعب الدنماركي اليميني مورتن ميسرشميت قد سبق رئيسة الوزراء إلى مطالبة كوبنهاغن بدعم المقترح الإيطالي، محذرا من احتمال انتقال المهاجرين من إسبانيا إلى بقية البلدان الأوروبية.

ميلوني تلوح بإجراءات استثنائية

وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني قد أعلنت، الخميس، أن بلادها تدرس اتخاذ إجراءات استثنائية ردا على التطورات التي شهدتها سبتة.

وقالت ميلوني إن صور المهاجرين القادمين من سبتة “صادمة”، وإن الهجرة غير النظامية الخارجة عن السيطرة تمثل تهديدا ملموسا لأمن الحدود الأوروبية.

وأضافت أنها أجرت مشاورات مع وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي، وأن الحكومة بصدد عقد اجتماعات مع الجهات المختصة قبل اتخاذ القرار.

وتابعت: “إيطاليا لن تقف متفرجة. نحن مستعدون للتدخل باستخدام أدوات استثنائية للدفاع عن الحدود وسلامة المواطنين، مثل تعليق فضاء شنغن مع إسبانيا”.

بدوره، دعا نائب رئيسة الوزراء الإيطالية وزعيم حزب “الرابطة” ماتيو سالفيني إلى تعليق حرية التنقل مع إسبانيا، معتبرا أن حماية الحدود الأوروبية تقتضي اتخاذ تدابير سريعة لمنع انتقال الأزمة إلى دول أخرى.

كما ربط وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني موجة العبور بسياسة حكومة سانشيز تجاه المهاجرين، وانتقد قرار مدريد تسوية أوضاع نحو 500 ألف أجنبي يقيمون داخل إسبانيا بصورة غير نظامية.

ويعد القول إن القرار يمنح هؤلاء “الجنسية الإسبانية والأوروبية” غير دقيق، لأن الإجراء يتعلق بتسوية الإقامة القانونية، ولا يمنح الجنسية الإسبانية بصورة تلقائية.

مدريد تستدعي السفير الإيطالي

أثارت التصريحات الإيطالية غضب الحكومة الإسبانية، التي استدعت سفير إيطاليا في مدريد للاحتجاج على ما وصفته بمواقف غير لائقة صادرة عن حكومة دولة أوروبية شريكة.

ورفضت مصادر في وزارة الخارجية الإسبانية الربط بين موجة العبور وبرنامج تسوية أوضاع المهاجرين، مؤكدة أن الأشخاص الذين دخلوا سبتة خلال الأزمة الحالية لا يمكنهم الاستفادة من هذا البرنامج.

وأوضحت أن الاستفادة من التسوية مشروطة بالإقامة في إسبانيا قبل فاتح يناير 2026، وإثبات وجود متواصل لمدة محددة، وهو ما يستبعد الوافدين الجدد.

وبحسب الرواية الإسبانية، فإن الأزمة اندلعت عقب استغلال شبكات الاتجار بالبشر حكما أصدرته المحكمة العليا، يقضي بعدم تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية.

وتقول مدريد إن شبكات التهريب قدمت الحكم على أنه فتح للحدود وضمان للبقاء داخل الأراضي الإسبانية، ما شجع آلاف الشباب على التوجه إلى سبتة.

ووصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، خلال زيارته للمدينة، ما وقع بأنه “اعتداء وانتهاك للسيادة الترابية لإسبانيا”، لكنه أشاد في الوقت نفسه بالتعاون المغربي، مؤكدا أن التنسيق بين البلدين كان مستمرا لإعادة ضبط الحدود وتسريع عمليات العودة.

هل يمكن استبعاد إسبانيا من “شنغن”؟

رغم استعمال ميلوني ورانتان وفريدريكسن تعبير تعليق مشاركة إسبانيا أو استبعادها من “شنغن”، فإن الإطار القانوني الأوروبي لا يمنح دولة عضوا حق طرد دولة أخرى من المنطقة بصورة منفردة.

وتستطيع إيطاليا أو فرنسا أو أي دولة أخرى إعادة فرض المراقبة مؤقتا على حدودها الداخلية مع إسبانيا، إذا رأت وجود تهديد خطير للأمن الداخلي أو النظام العام، شريطة احترام مبدأي الضرورة والتناسب وإبلاغ المؤسسات الأوروبية.

وفي الحالات الاستثنائية التي تثبت فيها وجود اختلالات خطيرة ومستمرة في مراقبة الحدود الخارجية، يمكن لمجلس الاتحاد الأوروبي، بناء على مقترح من المفوضية الأوروبية، أن يوصي دولة أو أكثر بإعادة المراقبة على حدودها الداخلية.

لكن هذه الإجراءات لا تعني طرد إسبانيا من فضاء “شنغن”، بل تعليقا مؤقتا لحرية المرور من دون مراقبة على حدود محددة. وأكد الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل أن إيطاليا أو فنلندا لا تملكان قانونيا تعليق عضوية إسبانيا بصورة منفردة، وفق ما تنص عليه القواعد الرسمية للمفوضية الأوروبية.

وضع خاص لسبتة ومليلية

من جانبها، أوضحت المفوضية الأوروبية أن سبتة ومليلية تخضعان لترتيبات خاصة داخل منظومة “شنغن”، وأن الوصول إليهما لا يمنح المهاجرين حق الانتقال بصورة تلقائية إلى إسبانيا القارية أو بقية الدول الأوروبية.

وأكدت المفوضية استمرار عمليات المراقبة على الأشخاص المغادرين من سبتة ومليلية، وهو ما يعني أن الوافدين لا يستطيعون قانونيا الانتقال مباشرة إلى البر الإسباني أو بقية فضاء “شنغن” من دون الخضوع لإجراءات الحدود والتسجيل.

ورحبت المفوضية بالتعاون بين إسبانيا والمغرب لإدارة الأزمة وضمان عمليات إعادة سريعة، معلنة استعدادها لتقديم دعم إضافي إلى مدريد عبر وكالات الاتحاد الأوروبي.

وتضم منطقة “شنغن” حاليا 29 دولة أوروبية ألغت المراقبة الاعتيادية على حدودها الداخلية، مع احتفاظها بإمكانية إعادة تلك المراقبة بصورة مؤقتة عند وجود تهديدات أمنية استثنائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *