خطاب العرش 2026: الحصيلة وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية
جاء خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك يوم الأربعاء 29 يوليوز 2026، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتوليه العرش، في سياق يتسم بالحساسية والحرص على رسم معالم مشهد سياسي جديد. حيث وجه هذا الخطاب رسائل عديدة، منها ما له علاقة بالسيادة الوطنية وقضاياها ذات البعد الدولي، ومنها ما يدخل في سياق التدبير الداخلي والوقوف عند أهم منجزات المؤسسات الوطنية. لكن تبقى أهم نقطة في خطاب العرش هي كون مصلحة الوطن والمواطن، والسعي نحو تحقيق العيش الكريم لكل شرائح المجتمع هو الهدف الأسمى الذي يجب أن يوحد كل الطاقات والفعاليات والمؤسسات الحزبية والمدنية، بعيدا عن المصالح الشخصية والتنافس الانتخابي والبحث عن تحقيق الذات، الشخصية أو المؤسساتية، على حساب مصلحة المواطن.
فإذا كان قائد الدولة بعينه، يرى في نفسه شخصا لا يبحث عن مجد شخصي أو اعتراف بدور ريادي، وإنما يعتبر أن مسؤوليته الأولى هي خدمة الوطن وتمكين المواطنين من شروط العيش الكريم، فما عذر بقية الفاعلين والمؤسسات حتى تكون مصالحهم الخاصة فوق كل اعتبار؟ وكيف يمكن أن تتحقق التنمية المنشودة إذا كانت الحسابات الضيقة تسبق المصلحة العامة؟
لقد جاء هذا الموقف واضحا منذ بداية الخطاب، حين أكد الملك أن ما تحقق من منجزات لم يكن وليد الصدفة، وإنما ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على المبادرة والمتابعة والنقد الذاتي والتطلع إلى المستقبل، وهي رسالة لا تخص مؤسسات الدولة وحدها، بل تمتد إلى الأحزاب السياسية والجماعات الترابية والإدارة العمومية والمجتمع المدني، بل وحتى المواطن نفسه، باعتبار أن التنمية مسؤولية جماعية وليست حكرا على جهة دون أخرى.
وإذا كان الخطاب قد استعرض حصيلة اقتصادية مهمة، من ارتفاع نسب النمو، وتعزيز مكانة المغرب الصناعية، وتطور قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، وتحقيق أرقام قياسية في القطاع السياحي، فإنه في المقابل لم يقدم هذه المؤشرات باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها وسائل لتحسين جودة حياة المواطن، وتقوية العدالة الاجتماعية والمجالية، وتوسيع فرص الشغل والاستثمار. فنجاح السياسات العمومية لا يقاس فقط بالأرقام، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمغاربة.
ومن زاوية أخرى، فإن الخطاب حمل رسالة سياسية ذات دلالة عميقة مع اقتراب الانتخابات التشريعية، مفادها أن الحكومات تتغير، والتمثيليات البرلمانية تتبدل، لكن المشاريع الاستراتيجية للدولة يجب أن تستمر، لأنها ليست مرتبطة بأجندات انتخابية أو حسابات حزبية، وإنما برؤية وطنية طويلة المدى. وهي دعوة صريحة إلى جعل التراكم أساسا للعمل العمومي، بعيدا عن الحسابات الانتخابية التي تهدم ما سبق مع كل مرحلة سياسية جديدة، حيث يتطلع إلى استمرارية تنزيل المشاريع الكبرى بعد انبثاق حكومة جديدة، معتبرا تحصين المكاسب واستمرارية المشاريع هي خارطة الطريقة الوحيدة التي يجب أن تقوم أي عمل حكومي كيفما كان الائتلاف المشكل له.
ولا يمكن قراءة هذه الرسائل بمعزل عن السياق السياسي الذي تعيشه البلاد اليوم، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وما يرافقها من ارتفاع منسوب التجاذب بين الفاعلين السياسيين. فقد أصبحت الساحة الحزبية تعرف في الآونة الأخيرة تصاعدا في حدة الخطابات المتبادلة، وانتقال جزء كبير من النقاش العمومي من التنافس حول البرامج والرؤى إلى تبادل الاتهامات وتغليب منطق الصراع السياسي، بما قد يؤثر على ثقة المواطن في الفعل الحزبي وفي جدوى المشاركة السياسية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن خطاب العرش جاء ليعيد توجيه البوصلة نحو الأولويات الحقيقية، مذكرا بأن التنافس الانتخابي يظل ممارسة ديمقراطية مشروعة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتعطيل المشاريع الوطنية أو إلى مدخل لتغليب المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة العليا للوطن. فالاختلاف في الرؤى والبرامج أمر طبيعي داخل أي نظام ديمقراطي، غير أن هذا الاختلاف يفقد قيمته عندما يصبح غاية في حد ذاته، أو عندما ينتج حالة من الاستقطاب تؤثر في استمرارية العمل العمومي ونجاعة المؤسسات.
كما أن المرحلة الحالية تفرض على مختلف الأحزاب والقوى السياسية الارتقاء بمستوى النقاش العمومي، والانتقال من منطق تسجيل النقاط السياسية إلى منطق تقديم البدائل الواقعية والقابلة للتنزيل. فالمواطن المغربي، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم، أصبح أكثر اهتماما بالحلول العملية التي تمس حياته اليومية، من تشغيل وصحة وتعليم وعدالة مجالية، وأقل اهتماما بالصراعات السياسية التي لا تنعكس إيجابا على واقعه.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار خطاب العرش بمثابة دعوة إلى التهدئة السياسية وإعادة الاعتبار لأخلاقيات التدبير العمومي، حيث إن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بتعدد الأحزاب أو حدة المنافسة الانتخابية، وإنما أيضا بقدرة مختلف الفاعلين على جعل التنافس وسيلة لخدمة المواطن، لا مناسبة لتعميق الانقسام أو تأجيل الأولويات التنموية. وهي رسالة تكتسب أهمية خاصة في مرحلة تستعد فيها البلاد لاستحقاقات سياسية جديدة، يفترض أن يكون عنوانها الأساسي هو التنافس حول من يخدم الوطن بشكل أفضل، لا من ينتصر في معركة الخطاب السياسي، وهذا لن يتحقق إلا إذا أصبحت المصلحة العامة معيارا وحيدا لاتخاذ القرار، وتجرد المسؤول من البحث عن المكاسب الشخصية أو الحزبية.
وفي النهاية، يمكن القول إن خطاب العرش لهذه السنة لم يكن مجرد استعراض للمنجزات أو إعلان عن مشاريع مستقبلية، بل كان دعوة أخلاقية وسياسية إلى إعادة ترتيب الأولويات. وإرساء سياسة بوصلتها خدمة الوطن والمواطن، وتشجيع الاختلاف ليصبح وسيلة للإصلاح لا سببا للتعطيل، وتصبح المسؤولية تكليفا لا تشريفا، ويصبح الوطن أكبر من الأشخاص والمؤسسات والأحزاب. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تستوعبها جميع القوى الفاعلة بالمغرب اليوم، وهي تستعد لمرحلة سياسية جديدة تتطلب قدرا أكبر من المسؤولية، والعمل الجاد، والإيمان بأن مستقبل الوطن لا يبنى إلا بتغليب المصلحة العامة على كل المصالح الأخرى.
اترك تعليقاً