سبتة: رواية واحدة لا تكفي لفهم ما حدث
منذ بداية موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة، ظهرت روايات متعددة تحاول تفسير ما وقع. ذهب بعضها إلى أن المغرب حرك هذه الموجة لخدمة إسرائيل، ورأى بعضها الآخر أنها تهدف إلى تقوية اليمين المتطرف الأوروبي، بينما اعتبرها آخرون وسيلة للضغط على إسبانيا في ملفات استراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
غير أن الرجوع إلى ما نشرته وكالات دولية، مثل رويترز وأسوشيتد برس، إلى جانب الصحافة الإسبانية، يكشف عن صورة أكثر تعقيدا وأبعد عن هذه التفسيرات الجاهزة.
فالمعطيات المتاحة تركز على مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وانتشار الإشاعات والمعلومات المضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسوء فهم أو تأويل بعض الأحكام القضائية الإسبانية، إضافة إلى نشاط شبكات تهريب البشر واستغلالها لهذه الأجواء.
وهنا تبرز نقطة مهمة، تتمثل في أن السلطات الإسبانية نفسها لم تتهم المغرب، ضمن خطابها الرسمي، بالتخطيط لهذه الموجة، بل أرجعت ما حدث إلى الإشاعات والمعلومات المضللة، وسوء فهم المعطيات القانونية، فضلا عن دور شبكات التهريب.
كما أن النظر إلى نتائج الأحداث يجعل فرضية التخطيط المغربي الشامل لموجة الهجرة أكثر صعوبة في الدفاع عنها. فالمغرب لم يخرج من الأزمة دون خسائر، بعدما سقط ضحايا من أبنائه، وتعرضت ممتلكات للتخريب، ووجدت البلاد نفسها أمام ضغط أمني وسياسي وإعلامي كبير.
والأهم أن الأحداث وقعت خلال فترة عيد العرش، وهي مناسبة وطنية ذات رمزية عميقة، ترتبط بمؤسسة الملكية وبصورة الدولة واستقرارها.
ومن الصعب منطقيا تصور أن دولة تسعى إلى الحفاظ على استقرارها وصورتها الوطنية والدولية، وتستعد لمناسبة بهذه الرمزية، قد تختار عمدا صناعة اضطراب واسع على حدودها، مع ما قد ينتج عنه من سقوط ضحايا وتخريب للممتلكات وتهديد للأمن العام.
وقد يقال إن الدول تتحمل أحيانا كلفة مؤقتة لتحقيق أهداف استراتيجية، وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن في الحالة المغربية تبدو الكلفة الإنسانية والأمنية والسياسية المترتبة عن الأحداث كبيرة، بينما لا تظهر في المعطيات المتاحة مؤشرات تثبت وجود مكسب استراتيجي واضح يوازي تلك الكلفة.
لذلك، تبدو فرضية أن المغرب خطط لصناعة الأزمة منذ البداية، في تقديري، أضعف من فرضيات أخرى أكثر واقعية.
وهذا لا يعني أن تدبير الوضع كان مثاليا أو خاليا من الاختلالات. فمن حق الرأي العام أن يسأل: هل وقع تأخر في التدخل؟ هل حدث سوء تقدير لحجم الموجة؟ هل كان هناك تساهل مؤقت؟ وهل أثرت الترتيبات الأمنية المرتبطة بعيد العرش في طريقة تدبير الوضع؟
هذه أسئلة مشروعة، لكن هناك فرقا كبيرا بين سوء إدارة أزمة وصناعة أزمة، ومن الخطأ تحويل أي خلل محتمل في التدبير إلى اتهام سياسي شامل للدولة.
كما ينبغي الحذر من الخلط بين المستفيد من الحدث وصانع الحدث. صحيح أن اليمين المتطرف الأوروبي قد يستفيد سياسيا من أزمات الهجرة، لكن استفادته لا تثبت أن المغرب صنع الأزمة لخدمته، خاصة أن المغرب قد يكون من أوائل المتضررين من صعود هذا التيار.
وصحيح أيضا أن أطرافا دولية قد تستفيد من أي اضطراب، لكن الاستفادة لا تعني بالضرورة التخطيط. أما ربط الأزمة مباشرة بإسرائيل، فيحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت وجود علاقة سببية، وليس إلى استنتاجات مبنية على التزامن أو على وجود علاقات سياسية.
وبالنسبة إلى فرضية الضغط على إسبانيا، فإنها تظل قابلة للنقاش بالنظر إلى أهمية ملف الهجرة في العلاقات المغربية الإسبانية. غير أنه لا ينبغي الانتقال من احتمال وجود حسابات سياسية إلى الجزم بأن موجة الهجرة بأكملها كانت عملية مدبرة.
الأقرب إلى الواقع، في تقديري، أن ما حدث كان نتيجة تفاعل عدة عوامل: دوافع اجتماعية واقتصادية، وإشاعات ومعلومات مضللة، وسوء فهم لبعض المعطيات القانونية الإسبانية، واستغلال شبكات تهريب البشر لهذه الأجواء، إلى جانب ظروف أمنية وسياسية ساهمت في تضخيم الموجة.
إن قراءة ما نشرته رويترز وأسوشيتد برس والصحافة الإسبانية تقود إلى خلاصة أكثر اتزانا، مفادها عدم وجود معطيات كافية لتبني رواية تقول إن المغرب خطط لهذه الأزمة لخدمة طرف خارجي أو لتقوية اليمين المتطرف. وفي المقابل، توجد عوامل واقعية متعددة يمكن أن تفسر كيف تشكلت الموجة وتضخمت.
ومن الإنصاف القول إن المغرب، قبل أن يكون طرفا متهما في هذه الروايات، كان أيضا طرفا متضررا من الأحداث. فقد مواطنين من أبنائه، وشهد تخريبا لممتلكات داخل أراضيه، وتحمل كلفة أمنية وسياسية وإعلامية، وكل ذلك خلال فترة عيد العرش، وهي مناسبة لا يمكن فصلها عن رمزية الاستقرار والملكية في المغرب.
وفي النهاية، ليس كل من استفاد من حدث هو من صنعه، وليس كل من أخطأ في تدبير أزمة هو من خطط لها.
وفي قضية سبتة، قد تكون الحقيقة أقل إثارة من نظريات المؤامرة، لكنها أكثر تعقيدا: أزمة اجتماعية غذتها الإشاعات والمعلومات المضللة، واستغلتها شبكات التهريب، وتداخلت معها عوامل قانونية وأمنية وسياسية، في توقيت حساس تزامن مع عيد العرش، قبل أن تتجاوز الأحداث قدرة الجميع على التحكم فيها.
وهذا، في تقديري، أقرب إلى منطق الوقائع من اختزال كل ما حدث في رواية واحدة تتهم المغرب بالتلاعب بأرواح مواطنيه.
* أستاذ باحث في العلوم القانونية والسياسية
اترك تعليقاً