منوعات

هل يحق قانونا للنوادي السياحية أن تمنع المُحجبات من استعمال مسابحها؟

أسعد حمان

خرجت علينا إحدى المواطنات في مواقع التواصل الاجتماعي بمقطع مصور تدعي فيه أن عمَّتها قد مُنعت من دخول أحد النوادي الشاطئية الخاصة، وذلك بسبب ارتدائها للحجاب. بعدها مباشرة، نشر النادي بلاغا توضيحيا يؤكد فيه أن مقاولته لا تمنع النساء المُحجبات من ولوجه وأن سياسته تقوم على المساواة في استقبال الزبناء دون ميز في الدين أو المُعتقد أو الأصل، وأن حادثة المنع المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي لا تتعلق سوى بخدمة المسبح التي تخضع لشروط السلامة الصحية والنظافة المعمول بهما في كافة الفضاءات المائية، وبالتالي فإن المنع -يقول النادي- لم يكن موجها ضد السيدة لكونها مُحجبة إنما لعدم ارتدائها بذلة مقبولة للسباحة.

لذلك فإننا أمام روايتين مختلفتين حول الواقعة لكنني، في هذا المقال واختصارا للوقت، سأنطلق من فرضية أن ما قاله النادي هو الحقيقة. وسأحاول، تبعا لذلك، تقديم وجهة نظر قانونية صِرفة للواقعة حتى نعرف ما إذا كان من حق النادي، كمقاولة تجارية خاصة، أن يحدد بكل حرية قواعده وسياساته الداخلية، كتلك المتعلقة بشكل لباس السباحة التي فرضها النادي على الزبونة التي كانت تريد الاستفادة من خدماته المعروضة للعموم.

لتوضيح هذه النازلة/الواقعة يلزمنا أولا تحديد الماهية القانونية لهذا النادي الشاطئي الخاص، ثم نتطرق للأحكام القانونية التي تنظم علاقة الزبون بالنوادي الخاصة، لنخلص في الختام إلى الآثار القانونية المحتملة والناجمة عن امتناع النادي عن تقديم خدمة المسبح للسيدة/الزبونة بسبب لباسها، مع ترك مجال التكلم في الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية لأهله.

ما هي النوادي الخاصة؟

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هاته النوادي هي مشاريع تجارية خاصة يحق لمالكيها في إطار الحرية الاقتصادية أن يحدِّدوا طريقة تقديم خدماتهم واختيار نوعية الزبناء الذين يرتضون التعامل معهم. لكن الحقيقة عكس ذلك؛ فهذه المقاولات في نظر القانون هي ” مؤسسات سياحية ” وبالتحديد “مطاعم سياحية” تخضع للقانون رقم 80.14 المتعلق بالمؤسسات السياحية وأشكال الإيواء السياحي الأخرى الذي يصنف كل مؤسسة للإطعام “كمطعم سياحي” بما فيها تلك التي تقدم خدمات تنشيطية كما هو الحال بالنسبة للمسبح في واقعتنا هذه (المادة 25).

وبالرجوع لذلك القانون؛ فالدولة هي من تحدد الأشكال التي تتخذها المؤسسات السياحية والتصنيفات التي تخضع لها، بحيث تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالسياحة تحديد معايير وظيفية وطرق استغلال هذه المؤسسات. وبالتالي فالأنشطة الفندقية والسياحية ليست مفتوحة على الإطلاق لأن طريقة ممارستها منظمة بالقانون، ويُلزم كل مستثمر في هذا المجال أن يختار صنفا معينا وينضبِط في نشاطه للمعايير وطرق استغلال مؤسسته المحددة سلفا من قبل الإدارة، كما أن مُباشرة هذه الأنشطة تخضع مسبقا لشرط الحصول على رخصة استغلال تمنحها السلطات المختصة.

لذلك فالنادي الشاطئي هو في نظر القانون مطعم سياحي يقدم خدمة الإطعام والأنشطة الترفيهية (المادة 26)، ويتعين على صاحبه أن يتقيد بأحكام القانون كتلك التي تتعلق بحماية المستهلكين وحرية الأسعار وحفظ الصحة، وبالتالي لا يحق لأي مستغل لهذه النوادي الخاصة أن يمارس نشاطه بالطريقة التي تحلو له بدعوى أنه مالك المقاولة.

هل يحق للنادي أن يُحدد شكل لباس الزبون الخاص بالسباحة؟

إن الجواب على السؤال الثاني قدمه المجلس الاقتصادي والبيئي في رأيه الاستشاري حول القانون رقم 80.14 المنشور في الجريدة الرسمية عدد 6412، حيث تحدث عن فصل الإشكاليات المتعلقة بالصحة والسلامة عن هذا القانون وترك أمر تنظيمها للجهات المختصة كالمكتب الوطني للسلامة الغذائية والوقاية المدنية. وبالتالي فمعايير السلامة والصحة المفروضة على الزبناء لا يحددها أرباب المقاهي والمنتجعات السياحية ضمن سياساتهم الداخلية أو شروطهم التعاقدية مع زبنائهم.

إن البوركيني لا يشكل خطرا على السلامة ونظافة المياه لأن العبرة، حسب أهل التخصص، بنوع الثوب المصنوع منه وليس كميته وحجمه. لذلك فالنادي قد وقع، حسب رأيي، في مخالفة قانونية خطيرة عندما امتنع عن تقديم خدمة المسبح للسيدة دون سبب معقول، وهي المنصوص عليها في المادة 57 من القانون 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك. بل إن هذا الامتناع الذي أقدم عليه النادي قد يكتسي طابعا جُرميا ويشكل جريمة التمييز المنصوص عليها في المواد 1-431 إلى 5-431 من القانون الجنائي، لأن هذه المواد تعاقب كل تفرقة بين الأشخاص بسبب الانتماء لدين أو سلالة أو عرق معين إذا تمثلت في ربط تقديم خدمة معينة بشرط مبني على أحد العناصر السابقة، كما هو الحال بالنسبة لشرط نزع البوركيني الذي قد يُستخلص من ملابسات الواقعة.

ما هي الإمكانيات القانونية المتاحة أمام الزبون المتضرر؟

في هذه الحالة ومثيلاتها تكون المؤسسة السياحية قد وقعت في مخالفة أحكام القانون 80.14، وبالتالي يحق للمتضرر الاتصال بمصالح وزارة السياحة أو طلب حضور الشرطة القضائية المختصة ترابيا لمعاينة المخالفة. فالقانون المذكور في مادته 39 أهَّل ضباط الشرطة القضائية والأعوان التابعين للوزارة الذين أدوا اليمين القانونية لمعاينة كل مخالفة لأحكام هذا القانون لإيقاع العقوبات المنصوص عليها والتي قد تصل إلى التشطيب على رخصة استغلال المؤسسة السياحية.

ختاماً، فإنه لا يخفى على أحد الأثر البليغ الواقع على الاعتبار الشخصي والحالة النفسية للزبون المحلي الذي يتعرض لهذه الممارسات الغريبة في البلد الذي تُعتبر الغالبية فيه من المسلمين وثقافة الحجاب متجذرة فيه. لذلك يجب على الفاعل الاقتصادي أن يتصالح مع الثقافة المحلية التي ينشط فيها و الذي -في نظري- هو في حالة خصام معها منذ الاستقلال، وما يؤكد ذلك البلاغ الذي أصدره هذا النادي؛ حيث تعود مضامينه و منطقه إلى منازعة سابقة عُرضت أمام مجلس الدولة الفرنسي بين المجلس البلدي غرونوبل Grenoble و المحافظ إزير Isère حول قرار السماح للمرتفقين المرتدين للباس فضفاض ويغطي مُعظم الجسم ( البوركيني) بالاستفادة من خدمة المسبح البلدي، حيث قرَّر مجلس الدولة أن الاعتبار  الوحيد هو معايير السلامة والصحة وأن مبدأ حياد المرفق العمومي ومبادئ الجمهورية – وعلى رأسها العلمانية- تمنع على مرافق الدولة وضع معايير على مقاس فئة دينية معينة، وهو المنطق الذي لا يمكن إسقاطه على الحالة المغربية التي يعتبر فيها الدين الإسلامي أحد ثوابت الأمة المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • خالد حمان
    منذ شهر واحد

    السلام عليكم ورحمة الله. مقال احترافي ممتاز، أحاط صاحبه بكل الجوانب القانونية للواقعة، مع ذكر مصادرها، ومثل هذا يعمق في المواطن الحس القانوني، ويحسسه بكرامته أمام "قروش" رؤوس الأموال. شكرا لكم ونتمنى لكم مزيدا من التألق والتوفيق.

  • أسد الطوفان
    منذ شهر واحد

    شكرا على المشاركة