تعقيب على كلام غير عابر في قضية إضراب المحامين
استمعت بتمعُّن للمُحترم عبد العزيز العبدي في الحلقة الأخيرة من برنامج كلام غير عابر التي تطرق فيها لإضراب المحامين، وهو موضوع أكثرتُ، شخصيا، الحديث فيه لأني مُتضرر منه في الآونة الأخيرة، بل وعاينت مآسي في المحاكم كلما ولجت إليها لأقضي مآربي الشخصية؛ فقد رأيت أُناسا بسطاء يتوسلون من المحكمة حقوقهم المالية ( كراء، بيع . . . ) لكن تُقابل دعواهم بالرفض بسبب عقبة إجرائية تتمثل في إلزامية تعيين محام، بل رأيت من جيء به لأن البنك يطالبه بمبالغ مالية كبيرة وترفض المحكمة أن تتسلم منه شخصيا حججه للدفاع عن نفسه، لذات السبب، و يتم الحكم عليه بعدما يُمنح مهلتين أو ثلاثا لتعيين محام.
في حلقته الأخيرة حمَّل السيد عبد العزيز العبدي شقا مهما من المسؤولية فيما آل إليه الوضع بالمحاكم للدولة، معتبرا أن تدبيرها للأزمة أدى إلى مُحاكمة مواطنة دون دفاع وتراكم أعداد المعتقلين الاحتياطيين دون الحسم في ملفاتهم. كما نصح العبدي المشاهد الكريم بالوقوف بجانب المحامين لأن في مساندته لهم في معركتهم تحصيناً لحق الدفاع والمحاكمة العادلة أو ما يسميه المحامون أنفسهم ” الولوج المستنير للعدالة”.
وفي نظري أن تحليل العبدي لم يكن متوازنا ولم يُلامس الموضوع من كافة جوانبه.
إن توقف المحامين عن أداء الخدمات المهنية في إطار المساعدة القضائية هو مخالفة قانونية؛ خصوصا أن المحامي يستفيد من احتكار قانوني في ممارسة وكالة الخصام أمام القضاء؛ أي أن المواطن لا يمكنه طرق باب القضاء إلا بواسطة محام، لذلك لا يُعقل لمن يستفيد من هذا الامتياز أن يتحجج بحق الإضراب الشامل عن تقديم كافة الخدمات الموكلة إليه قانونا، ولنا في مهنة الطب خير مثال لأن الخدمات الطبية المُستعجلة لا تكون مشمولة بالإضراب الذي تدعو إليه نقابات الأطباء، فما بالك بشخص مُعتقل احتياطيا يواجه جهاز النيابة العامة بما تملكه من صلاحيات كبيرة.
وفي هذا الإطار فإن ما يُؤاخذ على السادة المحامين ومن ورائهم النقابات المهنية أنهم لا يُباشرون معاركهم الفئوية (المشروعة طبعا) إلا في اللحظات الأخيرة عبر وسيلة فريدة وسهلة ألا وهي التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، فيُثقَل كاهل الدولة بمُرتفقين (أشخاص، شركات . . .) لا يمكنهم الحصول على الخدمة القضائية بسبب عقبة إجرائية (إلزامية المحامي)، إذ كان على المحامين تسطير برنامج نضالي/ميداني، على المدى الطويل، ليترافعوا عن مشروع إصلاح عميق ومقبول للمهنة أمام مختلف مؤسسات الدولة، علما أن فكرة تعديل قانون المهنة كانت مطروحة منذ سنة 2013 مع توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة.
أما فيما يخص اعتبار الإضراب الحالي بمثابة معركة من أجل صيانة حق المواطن في الدفاع والمحاكمة العادلة أو ما يُعبر عنه السادة المحامون أنفسهم ب”الولوج المُستنير للعدالة”، ففيه مُجافاة للواقع، لأن قانون المحاماة ينظم أساسا الوضع المهني كما أن جل مطالب المحامين الحالية تتعلق بمصالحهم، كفئة مهنية لا غير، ومثال ذلك صندوق الودائع، إشكالية المكاتب الأجنبية، الوكالة المكتوبة وشكلية تحديد الأتعاب.
وما يُعزز ما سبق، أنه لم نجد السادة المحامين بنفس الروح النضالية عند مناقشة قانون المسطرة الجنائية وذلك أسوة بزملائهم في فرنسا الذين خاضوا معركة وطنية ضد مشروع تقدم به وزير العدل الفرنسي لتعديل المسطرة الجنائية المعروف إعلاميا ب ” الاعتراف بالذنب plaider coupable”، علما أن المسطرة الجنائية هي القانون المؤطر لحق الدولة في استخدام العنف وإيقاع العقاب على الفرد وبالتالي الميدان الذي يوضع فيه حق الدفاع والمحاكمة العادلة على محك التطبيق.
ختاما، أظن أن السيد عبد العزيز العبدي قد سقط في شراك الخطاب الإيديولوجي الذي يتبناه المحامون للدفاع عن مصالحهم الفئوية المشروعة خصوصا وأنه استشهد بمرحلة تاريخية مشرقة من تاريخ المحاماة في المغرب والتي انتهت لأسباب موضوعية.
أما المحاماة اليوم فلم تعد قلاعا لمواجهة الاستبداد والنضال من أجل الديمقراطية بل صارت آلية يتوسل بها القانون في تنظيمه للتصرفات المالية وتداول الخيرات ضمن نظامنا الاقتصادي، لذلك يتعين أن تخضع للضبط القانوني فيما يتعلق بتنظيمها الذاتي وفي علاقتها بالمواطنين، أما مسألة حصانة الدفاع واستقلاليته لصيانة حقوق الأفراد في مواجهة سلطة الاتهام فتلك معركة قد انتهت وتخلفنا عنها جميعا.
اترك تعليقاً