وجهة نظر

ماذا سيُغير الذكاء الاصطناعي في حملات انتخابات شتنبر 2026؟

لا يمكن إغفال أن الشارع المغربي أصبح اليوم يتساءل عن الفراغ الانتخابي الذي يعيشه المجال السياسي، وعن غياب البرامج الانتخابية للأحزاب المتنافسة، ونحن نقف على بعد أسابيع قليلة على انطلاق حملة الانتخابات التشريعية لسنة 2026،إن لم تكن قد انطلقت بطرق غير مباشرة.

ولكي نكون منصفين للنخب الحزبية المغربية، وجب منحهم تقديرهم المستحق: لقد توصلت الأحزاب السياسية المغربية ذات المقدرات المالية الكبرى أخيرًا إلى استراتيجية انتخابية تجعلهم في غنى عن القيام بالحملات الانتخابية. نحن اليوم في منتصف شهر غشت، ونجد أنفسنا أمام واقع يستدعي المساءلة: أين هي البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية ؟ وكيف تقوم هذه الاحزاب بإعداد برامج قد تعلن عنها مع انطلاق الحملة ؟

يبد ان العبقرية السياسية للأحزاب المغربية الكبرى والمرشحة للمراتب الاولى جعلتهم يصلون إلى استنتاج خطير: لماذا علينا تطوير برامج انتخابية ما دام لدينا المقدرات المالية الكافية وprompt فعال يمكّننا من التوجه إلى الفضاءات الرقمية ومخاطبة المواطن من خلال إعلانات موجهة تؤثر في مواقفه وتوجهاته، بدل صياغة برامج انتخابية عامة مبنية على التوجهات والخلفيات السياسية والفكرية لكل حزب ومواقفها من القضايا الوطنية والدولية؟

من حيث المبدأ والنظرية، فإن الانتخابات حسب علم السياسة يُفترض أن تقوم بجمع التفضيلات، وتنظيم النقاش العمومي العقلاني النقدي حسب ما يصفه هابرماس، ومنح الناخب القدرة على الفهم المستنير للبرامج الانتخابية المطروحة كما سماه روبرت دال. وهذا يعني أن وظيفة الأحزاب السياسية هي إثارة النقاش العمومي من خلال الاختلاف العلني حول أمور ملموسة وقضايا يعيشها ويعاني منها المواطن.

لكن في السياق المغربي، فإن الأحزاب استوعبت أن هذه النقاشات والتصادمات الفكرية هي مجالات محفوفة بالمخاطر ومكلفة، بحيث إن هامش الخطأ كبير وإمكانية فقدان ثقة الناخب احتمال جد وارد. وعليه، توصلت الأحزاب إلى التخلي عن هذه الوظيفة الأساسية بمجملها، لكونها أحزابًا غير قادرة على تحمل مخاطر التصادم الفكري الحقيقي، بل اكتفت الأحزاب بالدفاع عن صورتها الإعلامية من خلال تلميعها على وسائل التواصل الاجتماعي، وإبراز فكرة أنها “تشتغل” وتعمل على إظهار أنها على مقربة من مشاكل وهموم المواطن، دون أن يكون هذا مصحوبًا بنتائج ملموسة ولا حتى لقاءات فعلية.

بل أصبحنا اليوم أمام نخب حزبية تتهافت على أخذ الصورة التي سيتم فيما بعد استعمالها لتصميم إعلانات خاصة موجهة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، تستهدف فئات معينة اعتبرها الذكاء الاصطناعي أنها فئات يمكن التأثير فيها من خلال هذه الإعلانات الموجهة.

وهنا وجب التذكير بفضيحة كامبريدج أناليتيكا التي انفجرت سنة 2016، والتي تم فيها استعمال مخاوف المواطنين وهواجسهم في الغرب لتوجيه مواقفهم السياسية ودفعهم نحو اتخاذ مجموعة من الخطوات والقرارات التي أثرت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية والبريكسيت البريطاني. ويجب التذكير هنا ان حزب التجمع الوطني للاحرار المجال الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه الرأي العام و اقناعه في الانتخابات التشريعية لسنة 2021.

ويجب الوقوف عند نقطة بالغة الأهمية لها علاقة بحقل سوسيولوجيا الانتخابات، والقائلة بأنه عند توقف الأحزاب الغنية عن التنافس من خلال عرض أفكارها، فإنها تنتقل الى ضخ أموال مهولة لدى شركات الإعلانات وتوجيه الرأي العام من خلال صناعة إعلانات موجهة وقادرة على استهداف الفئات القابلة لأن يتم التأثير عليها من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي. الشيء الذي يقود الحزب الى دفع الناخب الى التصويت من خلال إثارة الانتباه و مخاطبة مخاوفه بدل إقناعه ومخاطبة عقله.فالتصويت هنا تصبح نتائج الانتخابات ذات طبيعة عملية رقمية خالصة.

والمفارقة التي نجد أنفسنا أمامها اليوم هي أنه من الناحية النظرية، فالمفروض ألا تكون المقدرات المالية للحزب هي الأساس الذي تُحسم به الأصوات والانتخابات، بل المفروض أن يكون التفوق للأفكار والمصداقية والأجندات السياسية الواضحة والمقنعة. لكن عندما نجد أنفسنا أمام أحزاب غير قادرة على إنتاج حتى فكرة بسيطة، تصبح المقدرات المالية للحزب هي العامل الأساس والوحيد الحاسم في الانتخابات، حيث يتم ضخ أموال مهولة على الإعلانات وحملات التعبئة الإلكترونية. وهنا نصبح أمام نظريات سياسية صحيحة على الورق، غير قادرة على ملاءمة الوضع السياسي المغربي ولا سياقاته. والمشكل هنا لا يكمن في النظريات، بل في الواقع المغربي الذي يعاصر أحزابًا غير قادرة على أداء مهامها بشكل واضح وفعال، بل وغير واعية بدورها في صناعة المشهد السياسي.

طبعًا، ستُعتبر الانتخابات قانونية ولن تقوم المحكمة الدستورية بالتشكيك في نجاعتها ونتائجها، ولكن في واقع الأمر نحن أمام حملة تسويقية ممنهجة أُلحق بها صندوق اقتراع، وليست انتخابات مبنية على صراع افكار وبرامج . نحن أمام انتخابات تتنافس فيها الاحزاب الغنية والقادرة على التسويق لنفسها بشكل أضخم عبر ادوات الذكاء الاصطناعي، بينما النقاش السياسي الفعلي الذي يحدد الوضع والشكل السياسي لمستقبل البلاد يظل غائبًا، وكأنه أصبح أمرًا متجاوزًا.

والخطورة هنا أننا نتعامل مع حملات حزبية رقمية ببرامج انتخابية غير واضحة، تتغير بتغير الإعلان الإلكتروني المنجز والذي يتم نشره بشكل مجهول على وسائل التواصل الاجتماعي، وببرامج انتخابية هلامية تتغير بتغير حامل الهاتف وشخصية صاحب البروفايل في الفضاء الرقمي وتحيزاته وهواجسه وأفكاره الخاصة، وهذا إخلال بالأساس الذي تقوم عليه الانتخابات. والإجابة هنا على سؤال “أين البرامج الانتخابية؟” هي: مرفوقة بالإعلانات والصور.

*باحث في الدراسات السياسية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *