أدب وفنون

“الغرامة” في الأعراس.. ملايين السنتيمات تفتح سؤال التصريح الضريبي للفنانين

أعادت صور متداولة من أحد الأعراس بمنطقة الشياظمة، تظهر مبالغ مالية نقدية كبيرة متجمعة على الأرض، الجدل حول ما يعرف في الحفلات الشعبية المغربية بـ”الغرامة”، وما يرافقها من تداول مبالغ مالية خارج المسارات البنكية والمحاسبية المعتادة، في وقت يتسع فيه النقاش حول حجم الاقتصاد غير المهيكل ومدى انعكاسه على التصريح بالمداخيل والالتزامات الضريبية.

وتعد “الغرامة” من الممارسات المتداولة في عدد من الأعراس والمناسبات المغربية، حيث يقدم المدعوون مبالغ مالية للفنان أو الفرقة الموسيقية أثناء الحفل، سواء تعبيرا عن الإعجاب أو طلبا لأداء أغان معينة، فيما تتحول في مناسبات أخرى إلى شكل من أشكال التباهي والاحتفاء بالفنان أمام الحاضرين.

وتكتسب هذه الممارسة بعدا اقتصاديا لافتا عندما يتعلق الأمر بأسماء تحظى بشعبية واسعة، خصوصا في الأغنية الشعبية والراي، إذ يمكن أن تتراكم خلال ليلة واحدة مبالغ بملايين السنتيمات فوق الأجر المتفق عليه مسبقا، والذي يتراوح، حسب معطيات متداولة في الوسط الفني، ما بين 10 ملايين و50 مليون سنتيم، وذلك بحسب الفنان والمنطقة وطبيعة المناسبة وعدد الحاضرين.

وسبق للمغني عادل الميلودي أن كشف عن تقاضيه 60 مليون سنتيم في أحد الأعراس، وهو ما أعاد بدوره إلى الواجهة النقاش حول قيمة الأجور التي يحصل عليها بعض الفنانين في المناسبات الخاصة، وما يضاف إليها من مبالغ تحت مسمى “الغرامة”.

وفي هذا السياق، أوضح مصدر مهني في القطاع الفني، في تصريح لـ”العمق”، أن سوق الأعراس والحفلات الخاصة أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى عدد من الفنانين، خصوصا في الأغنية الشعبية والراي، مشيرا إلى أن قيمة المداخيل لا تقتصر على “الكاشي” الذي يتم الاتفاق بشأنه قبل الحفل.

وقال المصدر إن بعض الأسماء الفنية المعروفة قد تحصل على عشرات الملايين من السنتيمات مقابل ليلة واحدة، بينما يمكن أن ترتفع المداخيل أكثر عند احتساب المبالغ التي تجمع أثناء الحفل تحت مسمى “الغرامة”، لافتا إلى أن طبيعة هذه المعاملات تجعل تحديد قيمتها الإجمالية أمرا صعبا، خصوصا عندما تتم بشكل نقدي ومباشر بين الحاضرين والفنان أو فرقته.

وأضاف أن الإشكال المطروح لا يتعلق بالممارسة الاجتماعية في حد ذاتها، وإنما بطريقة تسجيل هذه المداخيل، موضحا أن الأموال التي يحصل عليها الفنان من نشاطه المهني، سواء تعلق الأمر بأجر الحفل أو بمداخيل أخرى مرتبطة بالنشاط الفني، تطرح من الناحية الجبائية مسألة التصريح بها وفق الوضعية القانونية والمهنية لصاحبها.

وأشار المصدر ذاته إلى أن جزءا مهما من سوق الحفلات الخاصة لا يزال يعتمد على اتفاقات مباشرة بين أصحاب الأعراس والفنانين أو الوسطاء، من دون المرور دائما عبر شركات إنتاج أو وكالات فنية تتولى تحرير العقود والفواتير، وهو ما يجعل تتبع حجم المعاملات أكثر صعوبة.

وأوضح أن الفوارق الكبيرة بين الأجور لا ترتبط فقط بشهرة الفنان، وإنما أيضا بموقع العرس، وعدد المدعوين، وطبيعة المناسبة، وعدد أعضاء الفرقة، ومتطلبات التنقل والإقامة والتجهيزات التقنية، إلى جانب قدرة صاحب المناسبة على التفاوض.

ولفت إلى أن بعض الفنانين يشتغلون من خلال شركات أو مقاولات فنية منظمة، فيما يواصل آخرون نشاطهم بصفتهم المهنية الفردية، وهو ما يجعل المعالجة الجبائية تختلف بحسب الوضعية القانونية وطبيعة العقد ومصدر الدخل، وفق تعبيره.

ويرى المصدر أن المغرب يتوفر على قواعد جبائية تنظم المداخيل المهنية والفنية، غير أن الإشكال يرتبط بمدى القدرة على تتبع المعاملات التي تتم خارج القنوات المنظمة، خاصة عندما تكون العملية نقدية ولا تمر عبر مؤسسة أو شركة يمكن تتبع حساباتها وفواتيرها.

وأوضح أن الفنان الذي يتلقى أجرا عن عرض فني من خلال جهة منظمة يكون وضعه مختلفا عن الحالات التي يتم فيها الاتفاق بشكل مباشر بين صاحب المناسبة والفنان أو وسيط غير مهيكل، مشيرا إلى أن توسيع قاعدة التصريح لا ينبغي أن يتم فقط عبر إجراءات زجرية، وإنما أيضا من خلال تبسيط المساطر وتشجيع المهنيين على العمل داخل إطار قانوني واضح.

وأضاف أن إدماج الفنانين في منظومة أكثر تنظيما يمكن أن يتيح لهم، في المقابل، الاستفادة بصورة أفضل من الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية وحقوقهم المهنية، بدل أن يظل النشاط الفني قائما على العلاقات الشفوية والتعاملات النقدية.

وشدد المصدر على ضرورة عدم اختزال ظاهرة الاقتصاد النقدي في الفنانين وحدهم، لأن سوق الأعراس تضم سلسلة واسعة من المتدخلين، من منظمي المناسبات والفرق الموسيقية إلى تقنيي الصوت والإضاءة والمصورين ومقدمي خدمات النقل والديكور والتموين، وهي أنشطة تدر بدورها مداخيل وتتحرك بدرجات مختلفة من التنظيم.

وقال إن معالجة الملف تتطلب النظر إلى منظومة الحفلات الخاصة ككل، عبر تشجيع التعاقدات المكتوبة، واعتماد وسائل دفع قابلة للتتبع، وتنظيم عمل الوسطاء والمتعهدين، وربط النشاط المهني بالتصريح القانوني، مع مراعاة خصوصية المهن الفنية وطبيعة دخل الفنان الذي لا يكون منتظما بالضرورة على مدار السنة.

واعتبر أن اعتماد هذه الآليات من شأنه أن يوفر صورة أكثر دقة عن حجم سوق الحفلات الخاصة، ويساعد في الوقت نفسه على حماية الفنان وصاحب المناسبة والمهنيين العاملين في القطاع، بدل أن تبقى المعاملات رهينة الثقة الشخصية والتعامل النقدي.

وأشار المصدر المهني إلى أن النقاش حول “الغرامة” لا ينبغي أن يتحول إلى حكم جماعي على الفنانين، مؤكدا أن هناك أسماء وشركات إنتاج ووكالات فنية تشتغل وفق عقود وفواتير وتصريحات قانونية، في مقابل فئة أخرى تشتغل خارج الإطار المهني المنظم.

وأكد أن الهدف من تنظيم هذه السوق لا ينبغي أن يكون فقط البحث عن موارد إضافية للخزينة، وإنما أيضا تحقيق قدر أكبر من العدالة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، بحيث لا تتحمل فئات منظمة وحدها الأعباء المرتبطة بالتصريح والمحاسبة، بينما تظل معاملات أخرى خارج دائرة التتبع.

وبحسب المصدر، فإن حجم الأموال المتداولة في الأعراس والمناسبات الخاصة يستحق دراسة مهنية دقيقة، خصوصا مع ارتفاع الطلب على الفنانين خلال المواسم، وتزايد قيمة بعض الأجور، واتساع دائرة الخدمات المرتبطة بالحفلات.

وختم المصدر تصريحه بالتأكيد على أن الصور المتداولة من الشياظمة، وما أثارته من نقاش حول الأموال المتجمعة في مناسبة واحدة، تعكس جانبا ظاهرا فقط من سوق أوسع، مشددا على أن تحديد حجم المداخيل غير المصرح بها أو تقدير الخسائر الضريبية بدقة يتطلب معطيات رسمية ودراسة ميدانية تشمل مختلف حلقات هذا النشاط، ولا يمكن بناؤه على صور أو تصريحات فردية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *