وجهة نظر

الأداء الحزبي بالمغرب: قياس ما لا يقاس

تستفيق الساحة السياسية المغربية مع اقتراب كل استحقاق انتخابي على إيقاع حركية مفرطة: مؤتمرات استثنائية تعقد على عجل، لوائح مرشحين تعد في اللحظات الأخيرة، وترحال سياسي سريع يعيد رسم الخرائط التنظيمية بين عشية وضحاها. والمغرب اليوم يعيش هذه اللحظة بعينها، على بعد أسابيع معدودة من الانتخابات التشريعية، حيث تتزين الواجهات الحزبية بوعود التجديد وببرامج سرعان ما تتحول إلى حبر على ورق بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، ليدخل البعض بعدها في بيات شتوي عميق لا يستفيقون منه إلا مع اقتراب الموعد التالي. لكن هذا المشهد الموسمي يخفي اختلالات أعمق في بنية الفعل الحزبي.

وللإشارة، ما سيرد لاحقا ليس حكما قاطعا بقدر ما هو محاولة لفهم مشهد متحرك، في غياب آليات تقييمية وطنية للأداء الحزبي.

فبالرجوع إلى الدستور نجد أن الفصل السابع منه يحصر مهمة الحزب الأصلية في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، على أن يظل تسييره الداخلي مطابقا للمبادئ الديمقراطية. أما ممارسة السلطة، فليست غاية في حد ذاتها، بل نتيجة طبيعية لتناوب ديمقراطي يفترض أن يكون التأطير قد تحقق أصلا. وفي الواقع نجد أن كثير من الأحزاب المغربية، تسير في الاتجاه المعاكس، بحيث تراجع الاهتمام بالتأطير، وتحول الوصول إلى السلطة إلى الهدف المباشر.

حيث تتبارى التشكيلات السياسية في إطلاق الشعارات البراقة، فهناك من يرتدي جلباب “الحداثة”، وآخر يرفع لواء “التقدمية” و”الديمقراطية”…، غير أن الممارسة الميدانية تكشف عن فجوة بين القول والفعل. لم يعد المتتبع للشأن العام يفاجأ برؤية مواقف حزبية تتناقض كليا في ظرف أيام معدودات، حيث يهاجم قرار اليوم ليصبح مباركا غدا، مما أوقع المواطن في تيه سياسي. وأمام هذا العجز عن إنتاج بدائل تنموية صلبة، تسللت الشعبوية لتسود المشهد، مستبدلة النقاش الفكري الرصين بالملاسنات العاطفية والاستقطاب السطحي.

وتتجلى الأزمة الهيكلية للأحزاب أيضا في غياب المأسسة والديمقراطية الداخلية، رغم أن “المطابقة للمبادئ الديمقراطية” منصوص عليها دستوريا، وكذلك القانون التنظيمي للأحزاب السياسية الذي يلزم كل حزب بتحديد مدة الانتداب وسقف مرات تجديدها في نظامه الأساسي. ومع ذلك، تحولت متلازمة خلود الزعامات إلى قاعدة عند كثير من الأحزاب، عبر الالتفاف الفعلي على هذا الشرط القانوني، بينما اكتفى البعض الآخر بمنطق “تغيير من في الواجهة دون تغيير من يقود فعليا”، حيث يدفع بوجوه جديدة للتصدر الإعلامي، بينما تبقى مراكز النفوذ التقليدية بعيدة عن أي تداول حقيقي.

ولم تنج الشبيبات الحزبية من هذا الانحراف، فبعد أن كانت مشاتل للفكر والتأطير، تحول بعضها إلى قناة لإنتاج الريع السياسي، يربط الارتقاء داخل هياكلها بميزان الولاء لا بالكفاءة. ولا يقتصر الأمر عليها وحدها، بل يمتد إلى التنظيمات الموازية من قطاعات نسائية ومهنية وجمعوية، التي كان يفترض فيها أن توسع قاعدة التأطير، لكنها تحولت بدورها إلى واجهات إضافية لتوزيع الريع والمواقع.

وتبقى إشكالات أخرى دون جواب، فهناك أحزاب تشتغل ميدانيا بانتظام، وأخرى تنظيمها الداخلي قوي نسبيا، لكنها مع ذلك تسقط انتخابيا. وهو سقوط يفسره في الغالب طغيان منطق “الأعيان” والولاءات القبلية وشبكات المصالح وتأثير المال الانتخابي، مما يجعل الحسابات العددية واللحظية تتفوق على رصانة البناء المؤسساتي والعمل الميداني المنتظم.

ولا ينفصل هذا الترهل التنظيمي عن التعثر المالي، بل هما وجهان لأزمة حكامة واحدة. إذ يزداد هذا الأمر تعقيدا عند فحص الشق المالي، الذي يخضع لتأطير دستوري وتنظيمي دقيق، غير أن الواقع الرقابي يكشف تعثرا فعليا، فقد بين تقرير المجلس الأعلى للحسابات الصادر سنة 2025، حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي للسنة المالية 2023، أن ستة أحزاب من أصل ثلاثة وثلاثين لم تودع حساباتها إطلاقا، بينما رصدت اختلالات في النفقات بلغت 5.73 مليون درهم (6.27%) لدى سبعة عشر حزبا، أغلبها دون وثائق إثبات، إلى جانب اختلالات بلغت 1.72 مليون درهم في الموارد الذاتية لثمانية أحزاب. صحيح أن نسبة الاختلال تراجعت مقارنة بـ26% سنة 2022، لكن استمرارها يكشف أن الحزب المغربي ما يزال يعيش، في جزء كبير منه، على “منحة التسيير” الرسمية دون قاعدة تمويلية ذاتية صلبة.

غير أن هذه الهشاشة المالية تتضاعف حدتها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إذ يبرز تقرير تدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم السنة الانتخابية السابقة 2021، حقيقة تراجع الانضباط المالي في المواسم الانتخابية، بارتفاع ملحوظ في نسبة النفقات غير المبررة، ولجوء أحزاب إلى خرق صريح للمادة 40 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، عبر صرف مبالغ هامة “نقدا” وتجاوز إلزامية الأداء بالشيك، ناهيك عن التغاضي عن إدراج نفقات الحملات ودعمها ضمن السجلات المحاسبية السنوية خرقا لقاعدة الشمولية. وتزداد الصورة وضوحا عند معاينة التفاوت الكبير، حيث تستأثر ثمانية أحزاب بنحو 92% من مجموع المداخيل والنفقات، في مقابل واقع تدبيري كشفه استبيان التقرير ذاته تعجز فيه قرابة 70% من الأحزاب عن وضع مساطر مكتوبة لضبط وصرف نفقاتها، و38% منها تسير ماليتها دون ميزانية توقعية، وهو ما يكشف التباين بين الخطاب الحزبي المنادي بالحكامة وعقلنة تدبير الشأن العام، وبين واقع التدبير المالي والإداري للأحزاب نفسها.

وهنا يطرح سؤال آخر، أين موقع هيئات الحكامة في هذه المنظومة؟ فالمغرب لا يفتقر إلى مؤسسات دستورية مختصة، فإلى جانب المجلس الأعلى للحسابات، حيث تسهر الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها على شفافية تمويل الأحزاب ومنع تضارب المصالح، ويتابع المجلس الوطني لحقوق الإنسان احترام الحقوق السياسية أثناء المسلسل الانتخابي، بينما تتكفل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بإنصاف الأحزاب في الولوج إلى الإعلام خلال الحملات. أربع هيئات إذن، تصدر تقاريرها دوريا في مجالات اختصاصها المستقلة.

غير أن هذا الاستقلال والتشتت الرقابي يجعل كل جهة تشتغل في جزيرتها الخاصة، دون أن تلتقي هذه الزوايا يوما في قراءة تركيبية واحدة ومؤشر وطني موحد يقيس أداء كل حزب بعينه. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إحداث “هيئة وطنية مستقلة لتقييم الأداء الحزبي”، تضطلع بمهمة إرساء مؤشرات كمية ونوعية تقيس مدى التزام الأحزاب بوظائفها التأطيرية والدستورية، وشفافيتها المالية، وحكامتها الداخلية، ونوعية نخبها، وهي بذلك تغلق الفجوة القائمة بين الرقابة التقنية المجزأة والتقييم المؤسساتي الشامل الذي تحتاجه الدولة والناخب على حد سواء.

صحيح أن الانتخابات المقبلة ستمنحنا ترتيبا جديدا للأحزاب، لكنه ترتيب ناقص إن اكتفينا به وحده، لأن صندوق الاقتراع يلتقط شعبية اللحظة فقط، لا صلابة البنية ولا وفاء الحزب بوظيفته التأطيرية الدستورية. الفرق بين من يفوز يوم 23 شتنبر ومن يستحق فعلا أن يوصف بحزب مؤسساتي متين، هو بالضبط ما تعجز صناديق الاقتراع عن قوله.

أيها المواطن، ما أسهل النقد وإطلاق الأحكام الجاهزة، وما أصعب التقييم الموضوعي، فهناك من ينتقد فقط لأنه لم يعد يستفيد من الريع الذي كان يتمتع به، وهناك من يدافع لأنه لا يزال مستفيدا منه، وهذه المسافة نفسها التي يجب أن تأخذها من أصحاب المصالح المتقابلة هي ما يجب أن تحميك أيضا من أقصى النقد، أي من تبخيس عمل الأحزاب كليا أو الاستغناء عنها، فمهما بلغ حجم اختلالاتها فلا بديل عنها، والنقد الموجه إليها ليس دعوة لهجرها بل لإصلاحها من الداخل. وبين هذين الحدين، ينبغي أن تكون لك نظرة شمولية لتختار من يمثلك ليدافع عن المصلحة العامة، من يحمي الفئات الهشة التي قد تكون يوما جزءا منها، من يراهن على تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية التي نسعى إليها، كرامتك فوق كل اعتبار وصوتك مسؤولية ستحاسب عنها. وهنا تحديدا تقع المسؤولية الأكبر على الشباب، الذي ينبغي عليه أن ينخرط في العمل الحزبي، لا أن يكتفي بالمتابعة من خلف الشاشات، بل أن يسعى إلى التغيير من داخل المؤسسات نفسها. والأهم اليوم أن تقصد صناديق الاقتراع، وأن تدلي بصوتك أملا في غد أفضل، وفي صناعة نخب قادرة على بناء المغرب الذي نريد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *