السعودية وتركيا وباكستان.. هل تصنع “اتفاقية مكة” حلفا أمنيا جديدا في الشرق الأوسط؟
لم تعد “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاق للتعاون العسكري بين ثلاث دول، بل يمكن أن تمثل، وفق قراءة تحليلية للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تحولا لافتا في بنية الأمن الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط، في ظل تزايد التحديات الأمنية وتراجع الثقة في قدرة الترتيبات القائمة على توفير ضمانات كافية لدول المنطقة.
ووقعت السعودية وتركيا وباكستان، في 7 غشت الجاري بمكة المكرمة، اتفاقية للدفاع المشترك تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا، فيما تهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها، وفق البيان المشترك الصادر عن القمة.
وفي دراسة بعنوان “اتفاقية مكة للدفاع المشترك: حدودها وآفاقها”، يرى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن الاتفاقية تأتي في سياق إقليمي بالغ التعقيد، وتكتسي أهمية تتجاوز مضمونها العسكري المباشر، باعتبارها تعكس توجهاً نحو تنويع الشراكات الأمنية والدفاعية وعدم الارتهان إلى شريك دولي واحد.
بحسب الدراسة التي تتوفر عليها “العمق”، تقوم الاتفاقية على ثلاثة مرتكزات أساسية؛ أولها تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وثانيها اعتماد مفهوم الأمن الجماعي من خلال اعتبار أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث هجوماً عليها جميعا، فيما يتمثل المرتكز الثالث في تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي.
وتعتبر الدراسة أن اتفاقية مكة تمثل أول إطار للأمن الجماعي يجمع دولا عربية وغير عربية منذ إنشاء حلف بغداد سنة 1955، الذي ضم آنذاك العراق وتركيا وباكستان وإيران وبريطانيا.
كما ترى أن الاتفاقية تمثل تحولا مهما بالنسبة إلى السعودية، باعتبارها أول اتفاق دفاع مشترك توقعه الرياض خارج إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو ما تقرأه الدراسة باعتباره مؤشرا على تنامي الحاجة السعودية إلى تنويع شراكاتها الأمنية في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة.
من اتفاق الرياض إلى اتفاقية مكة
وتضع الدراسة الاتفاقية الجديدة ضمن مسار بدأته السعودية قبل نحو عام، عندما وقعت مع باكستان في شتنبر 2025 “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك”.
وترى أن اتفاقية مكة تمثل بذلك مرحلة ثانية في توجه الرياض نحو تنويع شراكاتها الدفاعية، بعدما ظلت لعقود تعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية.
وتربط الدراسة هذا التحول بتراكم أزمات الثقة في العلاقة السعودية-الأميركية، مستحضرة، ضمن أمثلة أخرى، موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو السعودية سنة 2019، إضافة إلى تداعيات الحروب والتوترات الإقليمية الأخيرة.
لكن الدراسة لا تذهب إلى اعتبار الاتفاقية الجديدة نواة حلف عسكري متكامل بالضرورة، بل تضع أمامها مجموعة من الحدود والتحديات، حيث تتمثل أبرز هذه التحديات، وفق الدراسة، في اختلاف الأولويات الأمنية للدول الثلاث ومصادر التهديد التي تواجهها.
فبينما تتمحور المخاوف الأمنية السعودية أساسا حول إيران، لا تشاطرها باكستان وتركيا النظرة نفسها، إذ ترتبط إسلام آباد بعلاقات مع طهران وتواجه أساسا الهند بوصفها مصدر التهديد الرئيسي في عقيدتها الدفاعية، في حين تتحرك تركيا ضمن بيئة أمنية مختلفة تواجه فيها تحديات خاصة، من بينها إسرائيل واليونان.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الاختلاف يجعل من الصعب الانتقال سريعا من التنسيق الدفاعي إلى حلف عسكري متكامل له عقيدة مشتركة وخصم محدد.
وبناء على ذلك، ترجح الدراسة أن تبقى “اتفاقية مكة” في المدى المنظور ضمن حدود تحالف سياسي-أمني يركز على الردع ومنع اندلاع الحروب، وليس على خوضها والانتصار فيها.
وتتوقع أن ينصب التعاون العملي بين الدول الثلاث على مجالات مثل تبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب والمناورات المشتركة، والدفاع الجوي والصاروخي، والتصنيع الدفاعي المشترك.
وهذه القراءة تنسجم أيضا مع تصريحات المسؤولين الأتراك والباكستانيين التي شددت على الطبيعة الدفاعية للاتفاقية وعدم استهدافها دولة بعينها، إذ أكدت وزارة الدفاع التركية أن الاتفاقية لا تحدد أي دولة باعتبارها عدوا مشتركا، ولا تشكل بديلا لحلف شمال الأطلسي.
لماذا السعودية وتركيا وباكستان؟
وتتوقف الدراسة عند الخلفيات التاريخية للعلاقات بين الدول الثلاث، مشيرة إلى أن التعاون السعودي الباكستاني يعود إلى عقود طويلة، فيما تمتد العلاقات العسكرية التركية-الباكستانية إلى فترة الحرب الباردة.
أما العلاقات السعودية التركية، فعرفت بدورها فترات من التقارب والتوتر، قبل أن تعرف خلال السنوات الأخيرة مسارا جديدا نحو التقارب والتنسيق السياسي والاستراتيجي.
وتعتبر الدراسة أن التحولات التي أعقبت “طوفان الأقصى” والحروب التي شهدتها المنطقة ساهمت في إعادة ترتيب أولويات الرياض، ودفعها إلى توثيق علاقاتها الدفاعية مع كل من إسلام آباد وأنقرة.
وتمنح الاتفاقية الدول الثلاث تركيبة لافتة من عناصر القوة، بحسب الدراسة، فالسعودية تمتلك قدرات مالية ومكانة محورية في سوق الطاقة العالمية، بينما تتوفر تركيا على قاعدة صناعية دفاعية متطورة، في حين تمتلك باكستان جيشا كبيرا ذا خبرة عملياتية وترسانة نووية.
وترى الدراسة أن اجتماع هذه العناصر يمنح الاتفاقية وزنا سياسيا واستراتيجيا مهما، ويجعل منها مركز ثقل إقليميا محتملا، رغم أن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة دفاعية مشتركة وفاعلة سيظل رهينا بمدى قدرة الدول الثلاث على تجاوز اختلاف أولوياتها الأمنية.
وفي مؤشر قد يعطي الاتفاقية أبعادا أوسع مستقبلا، أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بعد توقيعها، إلى إمكانية انضمام مصر إليها بعد تسوية بعض المسائل الفنية، وقال إن رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان تتمثل في عدم حصر الاتفاقية في الدول الثلاث، وإنما إمكانية توسيعها لتشمل دولا أخرى.
لكن الدراسة، في المقابل، تبدو أكثر تحفظا بشأن قدرة الاتفاقية على التحول إلى منظومة دفاع جماعي واسعة وفاعلة، بسبب تفاوت القدرات العسكرية، واختلاف المصالح، وتعدد الالتزامات الأمنية للدول الثلاث.
وفي المحصلة، تخلص دراسة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن “اتفاقية مكة” تحمل وزنا سياسيا واستراتيجيا مهما في الخليج والشرق الأوسط، لكنها أقرب، في شكلها الحالي، إلى إطار للردع والتنسيق الأمني والدفاعي منها إلى حلف عسكري متكامل على غرار النماذج الدفاعية الكبرى.
ووفق الدراسة، فإن الاختبار الحقيقي للاتفاقية لن يكون في لحظة التوقيع، وإنما في قدرتها على الانتقال من الردع السياسي إلى آليات تعاون دفاعي مؤسسية، ومن التفاهم بين ثلاث عواصم إلى منظومة قادرة فعلا على التعامل مع الأزمات عندما تتباين حسابات أطرافها ومصادر تهديدها.
اترك تعليقاً