تقرير أممي: الصحافة الموثوقة تنقذ الأرواح وتحارب “الوباء المعلوماتي” خلال الكوارث والأزمات
أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو”، في تقرير حديث، أن الصحافة الموثوقة تلعب دورا حاسما في إنقاذ الأرواح أثناء حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية والأزمات الصحية، لتكون بذلك بمثابة مضاد فعال للأخبار الزائفة الضارة التي تنتشر في مثل هذه الظروف.
وحمل التقرير الأممي الجديد عنوان “قيمة الصحافة: أدلة عالمية حول أهمية وسائل الإعلام للاقتصادات والأمن القومي والأزمات”، مبرزا أن التغطية الإعلامية المهنية تساهم بقوة في تعزيز مساءلة الحكومات ودفع المسؤولين المحليين إلى اتخاذ إجراءات عملية، فضلا عن مساعدة المجتمعات المتضررة في الحصول على الدعم اللازم والتصدي للمعلومات المضللة.
وأوضح المصدر ذاته أن التغطية الصحفية الجيدة تضمن استجابة أكثر شمولا وكفاءة للتعامل مع الكوارث وتلبية الاحتياجات الطارئة، مبينا أن المتابعة النقدية تعمل كآلية رقابية تساهم في ضمان نزاهة قطاع المساعدات الإنسانية، وهو ما يؤدي تباعا إلى تطبيق إصلاحات هيكلية وتحقيق استجابات ميدانية أكثر فاعلية.
وأشار التقرير إلى مساهمة الصحافة في حماية النظم البيئية الطبيعية حول العالم، مقدما مثالا بتدخل السلطات في تايلاند لوقف تصريف مياه الصرف الصحي من موقع لطمر النفايات بعد نشر تقرير في مجلة إلكترونية، وكذا فرض حظر وطني على التعدين غير القانوني للرمال في أوغندا إثر تحقيقات صحفية كشفت هذه الممارسات.
وكشفت الوثيقة ذاتها عن أثر البرامج الإذاعية في بوركينا فاسو التي تناولت مخاطر الملاريا والالتهاب الرئوي والإسهال عند الرضع، حيث أدت إلى زيادة إقبال الآباء على المراكز الصحية، مما أسهم في خفض وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة 7.15 بالمائة سنويا، وإنقاذ حياة ما يقارب 2967 طفلا.
وأضافت منظمة اليونسكو أن حملة إعلامية قادها صحفيون في منبر “لوس أنجلوس تايمز” أسفرت عن اعتماد قوانين بناء جديدة جعلت كبرى مدن ولاية كاليفورنيا الأمريكية أكثر مقاومة للزلازل، مبرزة من جهة أخرى دور الإذاعة بعد الزلازل الكبرى في ربط العائلات بالمفقودين، وتشجيع عودة الأطفال للمدارس، ونشر معلومات حيوية حول السلامة والنظافة والمياه لتجنب تفشي الأمراض القاتلة.
وتابع التقرير عرض الأمثلة الميدانية، موردا تقييما للمحتوى الإذاعي في نيجيريا الموجه لمعالجة التردد في تلقي اللقاحات ومحاربة الأخبار الكاذبة حول جائحة كوفيد-19، حيث ثبت أن هذه البرامج مكنت المستمعين المنتظمين من رصد الروايات الزائفة وتفنيدها بشكل فعال.
ونبهت الهيئة الأممية إلى أن ترويج الأخبار الزائفة من شأنه تأجيج الصراعات والتسبب في أعمال عنف تستهدف العاملين في المجال الإنساني، مذكرة بأن المعلومات المضللة ألحقت أضرارا جسيمة خلال الأزمات الصحية مثل جائحة كورونا التي وصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها “وباء معلوماتي”.
وأوردت دراسة تضمنها التقرير أن المعلومات المضللة تسببت في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، خلال سنة 2021، في تسجيل حوالي 2.3 مليون إصابة و66 ألف حالة دخول للمستشفيات، مما خلف تكاليف علاج إضافية بلغت ملياري دولار، إلى جانب تسجيل 45 ألف حالة وفاة كان من الممكن تفاديها لو توفرت المعلومات الصحيحة.
وسجل خبراء اليونسكو، في السياق ذاته، أن الصحافة الموثوقة تمثل مصدرا حيويا وأساسيا للمعلومات الضرورية لمواجهة تلك الروايات الكاذبة وتعميم النصائح الصادرة عن المتخصصين، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة التي تفرض التدخل الإعلامي الجاد، كما هو الحال بالنسبة للنازحين السودانيين الذين يقيمون في مستوطنات عشوائية في نقطة عبور بمدينة الرنك الحدودية.
وأبرزت المنظمة أن التغطية الإخبارية تمتلك قدرة كبيرة على تحفيز الجماهير لتقديم تبرعات خيرية ضخمة، مستشهدة بتمكن الصحفي البريطاني مايكل بيرك من جمع أكثر من 200 مليون دولار لإغاثة ضحايا المجاعة في إثيوبيا، بفضل تغطيته الإعلامية الشهيرة لصالح هيئة الإذاعة البريطانية خلال سنة 1984.
ولفت التقرير الانتباه إلى الدور المحوري الذي لعبته الصورة التي وثقتها المصورة الصحفية التركية نيلوفر دمير للطفل السوري الغريق آلان كردي سنة 2015، حيث استقطبت أنظار العالم بأسره نحو الصراع، مما نتج عنه طفرة استثنائية في التبرعات تجسدت في تضاعف التمويل الموجه لبعض المنظمات غير الحكومية بخمسين مرة.
وخلصت الوثيقة إلى أن العمل الصحفي الاستقصائي يمكن أن يفرض إصلاحات جوهرية داخل قطاع المساعدات الإنسانية نفسه، وهو ما برز بشكل جلي إبان الفضيحة التي عرفت باسم “حتى المساعدات”، حين نجح صحفيون في فضح حالات استغلال للسلطة وثقافة الإفلات من العقاب تورطت فيها منظمات غير حكومية في هايتي.
اترك تعليقاً