امتحان المحاماة بين تكافؤ الفرص و”توريث المهنة”.. شهادة من قلب التجربة
بغض النظر عن كل الجدل الذي أثاره تعديل قانون تنظيم مهنة المحاماة في المغرب، وبصرف النظر عن حالة الاحتقان بين جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل؛ فإن جعل تنظيم امتحانات الكفاءة وتحديد شروط السن والتدريب تحت الإشراف المباشر للوزارة -بدلاً من إناطتها بالهيئات المهنية- يُعدّ في نظري انتصاراً حقيقياً لمبدأ تكافؤ الفرص وصوناً له.
ودليلي على ذلك ليس مجرد كلام إنشائي، بل هو تجربة شخصية مريرة عشتها سنة 2018.
كنتُ حينها طالباً حاصلاً على الإجازة بميزة في جميع الفصول. اخترتُ بملء إرادتي عدم التقدّم لمباريات الماستر كي أفرغ كل جهدي لامتحان المحاماة، شغفاً بهذه المهنة الشريفة التي تتطابق مع ميولي في الدفاع عن الحقوق والحريات.
خصّصتُ سنة كاملة للتحضير؛ سنة من المجهود الجبار الذي يمتد يومياً من الساعة التاسعة صباحاً حتى ساعات متأخرة من الليل، لا يقطعه إلا أداء الصلاة أو تناول وجبة سريعة وبعض الأغراض الروتينية.
حلّ يوم الامتحان بكلية الآداب بتطوان، ولتبدأ أولى الصدمات: الجهة المكلفة بالتنظيم والحراسة هي هيئة المحامين بتطوان نفسها!
أما الصدمة الثانية، فكانت حين التقيتُ صديقاً لي محامياً بالهيئة ذاتها، وهو يرافق أخويه المترشحين إلى قاعة الامتحان.
بالكاد ألقى عليّ السلام حياءً وخجلاً من الموقف، وهو الذي كان يعانقني بأسلوب حرارة كلما التقينا!
داخل القاعة، أجد أمامي أبناء محامين مخضرمين يُجالسوننا الامتحان، بينما يتولى حراسة القاعة ثلاثة محامين هم في الأصل زملاء وآباء وإخوان لهؤلاء المترشحين.. هل هذا منظر يمتّ بصلة لعدالة الامتحان؟
تردّدت بعد ذلك شائعات عن تسريب الأسئلة—ولا أستطيع الجزم بصحتها—لكن ما أجزم به يقيناً هو أنني عشتُ مهزلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
أنا لا أبحث عن شماعة لأعلّق عليها عدم توفيقي، بل أقولها بوضوح: لقد كنتُ ضحية لمنظومة فساد إداري وتنظيمي تُكرّس توريث المهنة. ولهذا السبب تحديداً، أرى في هذا التعديل الجديد خطوة تصحيحية تضمن الحد الأدنى من النزاهة والعدالة للجميع.
خير القدام إن شاء الله لهاذ البلاد.
اترك تعليقاً