منتدى العمق

رأس العين.. بين ذاكرة المكان وغياب التنمية

في رأس العين، بإقليم سطات، لا يحتاج الزائر إلى وقت طويل حتى يلاحظ أن شيئاً ما ينقص هذا المركز. هنا، يبدو الزمن وكأنه توقف منذ سنوات، فيما تتقدم الأيام وتتغير المدن والمراكز من حوله، وتظل رأس العين تعيش على هامش التنمية.

أبلغ من العمر 28 سنة، وفي عمر المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي، مرت ثلاث ولايات تقريباً، أي ما يزيد عن خمسة عشر عاماً. وخلال هذه السنوات، ظل سؤال واحد يرافقني كلما زرت المنطقة: هل هناك فعلاً من يعتبر رأس العين جزءاً من هذا الوطن ويشعر بمسؤوليته تجاهها؟

فالمكان الذي يفترض أن يكون مركزاً نابضاً بالحياة، أصبح في كثير من أجزائه أشبه بمركز مهجور، لا يحافظ على سكانه إلا القليل منهم. طرق مهترئة، منازل آيلة للسقوط، محلات مغلقة، وأزقة يصعب حتى المرور عبر بعضها.

أما السوق الأسبوعي، الذي يفترض أن يكون نقطة تجمع أساسية لسكان المنطقة، فلا يبدو في وضع أفضل. فبدل أن يكون فضاءً للتجارة والحركة، أصبح يعاني من الأزبال والروائح الكريهة، وقنوات للصرف الصحي مكشوفة، ومشهد لا يليق بمكان يفترض أن يخدم ساكنة المنطقة.

حتى مقر الجماعة، الذي يفترض أن يكون عنواناً للإدارة والحياة اليومية للمواطن، لا يكاد يوحي بالحيوية. جدران مخربة، وغياب واضح لأبسط مظاهر العناية، وكأنك تدخل إلى مكان فقد منذ زمن طويل نبضه.

لكن وسط كل هذا، هناك حدث يحظى بالاهتمام والاستعداد: موسم التبوريدة.

لا أحد يعارض الاحتفال بالتراث أو دعم الفروسية التقليدية، بل إن الموسم جزء من ذاكرة المنطقة وهويتها. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا نستطيع أن نجد الأموال والتنظيم لموسم سنوي، بينما تعجز المنطقة عن توفير أبسط شروط العيش الكريم؟

العكر فوق الخنونة، كما يقول المثل المغربي.

ما الفائدة من تزيين الواجهة، بينما الداخل يعاني؟

الأمر لا يتوقف عند الطرق والأسواق. حتى المركز الصحي الذي يفترض أن يكون ملجأ للمواطن في لحظات المرض، لا يبدو قادراً على أداء دوره كما ينبغي. وكأن رأس العين لا تملك مركزاً للاستشفاء، بقدر ما تملك مرفقاً هو نفسه بحاجة إلى من يستشفيه.

ثم نصل إلى الطرق الرابطة بين المركز والدواوير، وعلى رأسها الطريق الرابطة بين الواد والبهالة. سنوات طويلة مرت والساكنة تسمع الوعود نفسها: الطريق ستُصلح، الطريق ستُرمم، الطريق ستصبح في مستوى تطلعات المواطنين.

لكن الواقع شيء آخر.

من يعبر هذه الطريق مرة، قد يفكر مرتين قبل أن يعود إليها. وفي فصل الشتاء، تصبح المعاناة أكبر، ويصبح التنقل تحدياً حقيقياً. وهنا يطرح سؤال بسيط نفسه: ماذا لو كانت سيارة إسعاف تحمل مريضاً مضطرة إلى المرور عبر هذه الطريق بسرعة؟ كيف سيكون حال المريض داخلها؟

وهل من الطبيعي أن تحتاج منطقة إلى أكثر من عشر سنوات لإنجاز طريق يفترض أن يكون من أبسط حقوق سكانها؟

السؤال ليس موجهاً ضد شخص بعينه، وإنما ضد واقع كامل استمر طويلاً دون أن يجد جواباً.

إذا كان المسؤول الذي تحمل مسؤولية تدبير المنطقة لم يستطع أن ينجز طريقاً أساسياً، أو أن يغير واقع مركز يعيش كل هذه المشاكل، فمتى يمكن للمواطن أن يرى نتيجة ملموسة؟

كلما ذهبت إلى رأس العين رفقة أفراد عائلتي، يعود النقاش نفسه: هل هناك فعلاً من يتحمل مسؤولية هذه المنطقة؟ هل لها من يدافع عنها؟ هل هناك من يشعر بأن رأس العين تستحق أن تعيش مثل باقي المراكز؟

كانت والدتي تقول لي دائماً، كلما تحدثنا عن وضع المنطقة: «راس العين قرية صغيرة، ما كتزادش فيها حتى حجرة.»

وربما هذه الجملة تختصر كل شيء.

رأس العين ليست مجرد طرق مهترئة أو جدران متصدعة أو سوق يعاني من الإهمال. إنها مكان له ذاكرة، وله سكان، وله شباب، وله أبناء هاجروا بحثاً عن فرص لم يجدوها في منطقتهم.

رأس العين لا تحتاج إلى موسم عابر لتبدو جميلة أمام الزوار، بل تحتاج إلى تنمية حقيقية تجعلها جميلة لأهلها طوال السنة.

المواطن لا يطلب المستحيل. يريد طريقاً صالحاً، ومرفقاً صحياً يشتغل، وسوقاً يحترم كرامته، وأزقة نظيفة، ومجالاً يوفر للشباب فرصة للبقاء بدل الرحيل.

فهل يأتي يوم تصبح فيه رأس العين منطقة تعيش لأبنائها، لا مجرد مكان يعودون إليه للحنين إلى الماضي؟

السؤال مفتوح… والجواب يبقى عند من يتحملون مسؤولية الحاضر والمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *