اتحاد “علماء” المسلمين.. اجترارٌ باسم العلم ومغالطةٌ في التعريف
المقدمة: الاستفزاز المعرفي
إنّ تسمية منظمة بـ”اتحاد علماء المسلمين” تستوقفني وتثير في نفسي استفزازاً معرفياً؛ إذ إنّ العلم، في جوهره، ليس تكراراً للمألوف ولا اجتراراً لما هو مدوَّن في الكتب، بل هو اقتحامٌ لآفاق جديدة، واستكشافٌ لما استعصى على الآخرين إدراكه أو اكتشافه. فالعالم الحقّ هو الذي يضيف إلى رصيد المعرفة ما لم يكن مطروحاً، ويُبدع في صياغة المفاهيم وتوليد الرؤى. أمّا هؤلاء، فيبدو لي أنّهم أقرب إلى المبرزين في فنون التفسير والشرح، لا إلى المكتشفين الذين يوسّعون حدود الممكن ويؤسّسون لمعرفة تتجاوز المتداول.
ويزداد الأمر وضوحاً حين نُدخل مفهوم صناعة الفتوى، فهي ليست علماً بالمعنى الكوني للإبداع والاكتشاف، بل ممارسة تأويلية محكومة بسياقات السلطة والمعايير المذهبية، حيث يُعاد إنتاج الموروث في صورة أحكام موجّهة للواقع. إنّها صناعة تُعطي الانطباع بالعلم، لكنها في حقيقتها أقرب إلى إعادة تدوير النصوص ضمن قوالب جاهزة، لا إلى تأسيس معرفة جديدة أو فتح آفاق غير مسبوقة.
الإعجاز العلمي ومأزق الجابري
ويبلغ الالتباس ذروته حين يرفع بعضهم شعار “الإعجاز العلمي في القرآن”. هنا نستحضر رأي المفكر محمد عابد الجابري الذي نبّه إلى خطورة هذا المسلك: فحين نقول إنّ النظرية “موجودة عندنا في القرآن”، نضع أنفسنا أمام مأزق مزدوج. فإذا تجاوز العلم تلك النظرية أو أبطلها، بدا القرآن ـ في نظر من ربطه بها ـ وكأنّه متجاوز أو مرتبط بما هو باطل. والأسوأ أنّ هذا الربط يفتح الباب أمام سؤال محرج: إذا كانت هذه الحقائق عندنا في القرآن، فلماذا لم نكتشفها نحن؟ ولماذا انتظرنا الغرب ليكشفها ثم جئنا بعد ذلك نؤوّل النصوص لتلائم ما اكتشفه؟ إنّ هذا الموقف لا يخدم القرآن ولا يخدم العلم، بل يضعنا في موقع التابع لا المبدع.
الجابري يذكّر بأنّ القرآن “بيان للناس”، يخاطبهم بلغة عصرهم ليطرح السؤال الجوهري: “من خلق هذا؟” لا “كيف يحدث هذا؟”. إنّ تحويل القرآن إلى كتاب علوم طبيعية أو كونية هو إخراج له من سياقه البياني، وإدخاله في لعبة تأويلات لا تنتهي، كما فعل الإسماعيليون في الماضي حين ربطوا النص بـ”حقائق” فلسفية ثبت بطلانها لاحقاً.
استدراك جوهري في منح اللقب: بين الخشية والإعجاز
وهنا يظهر الرابط بين الالتباس في صفة “العالم” والالتباس في قضية “الإعجاز العلمي”. فالخطاب السائد يمنح لقب “العالم” بناءً على معيار الخشية، وكأنها صفة يمكن قياسها أو تحويلها إلى بطاقة عضوية. غير أنّ الخشية حالة روحية باطنية لا تخضع للقياس البشري ولا تصلح أساساً لتصنيف مؤسسي. وفي الواقع، تُدار العضوية بمعايير دنيوية بحتة: شهادات أكاديمية، حفظ متون، وتزكيات تنظيمية.
وبالمثل، حين يرفعون شعار “الإعجاز العلمي”، فإنهم يستعملون القرآن كغطاء لإضفاء قداسة على خطابهم، بينما الممارسة الفعلية لا تتجاوز إعادة تأويل النصوص لتلائم مكتشفات الآخرين. في الحالتين، سواء في منح لقب “العالم” أو في رفع شعار “الإعجاز العلمي”، يتم استبدال البعد الروحي والمعرفي العميق بآليات شكلية ومؤسسية، ليُختزل العلم في حرفة فقهية محضة، ويُختزل القرآن في كتاب نظريات علمية، وكلاهما مغالطة.
الانحراف الإيديولوجي والمقارنة الفارقة
ناهيك عن الانحرافات الإيديولوجية التي ينخرط فيها هذا الاتحاد، إذ يبدو من خلال خرجاته أنّه متشبّع بأفكار التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. وهنا تكمن خطورة إضافية: فالإسلام ليس إخوانياً ولا سلفياً ولا تبليغياً ولا إسماعيلياً، بل هو أوسع من هذه التصنيفات الضيقة التي تحاول الاستحواذ على الخطاب الديني وتوجيهه لخدمة مشاريع سياسية أو مذهبية. إنّ ربط العلم بالدين، ثم ربط الدين بتنظيمات إيديولوجية، هو تقييد مزدوج يُفرغ العلم من جوهره ويُحوّل الدين إلى أداة صراع لا إلى فضاء إيمان واعتبار.
ولعلّ المقارنة مع مجموعة بورباكي في الرياضيات تكشف الفارق الجوهري: هذه المجموعة وضعت شروطاً صارمة للانتماء إليها، وحدّدت خمسين سنة كحدّ أقصى للبقاء داخلها، واشترطت أن يكون الداخل من النخبة والعباقرة، لضمان تجدد الفكر الرياضي وإنتاج معرفة جديدة. في المقابل، “اتحاد علماء المسلمين” لا يضع أي شرط معرفي صارم، بل يكتفي بالسلطة الرمزية والاجترار، وكأنّ العلم عنده هو تكرار لا اكتشاف.
خاتمة: بين الفقيه والمكتشف
بين العالم المكتشف والمفتي المفسر مسافة إبستمولوجية شاسعة. الأولى تُنتج معرفة جديدة، والثانية تُعيد إنتاج الموروث. وما لم ندرك هذا الفرق، سيظل خطاب “اتحاد علماء المسلمين” أسير الاجترار، بعيداً عن روح العلم التي تقوم على الإبداع والاكتشاف. والأخطر من ذلك، سيظل اللقب محتكراً بمعيار مهني ضيق، مُغلفاً بغطاء تقوى غائب، ليصبح الاتحاد مجرد نقابة فقهاء تبحث عن شرعية ميتافيزيقية لا تملك عليها بينة. والخطر الأكبر أنّ كل إنتاج لهذا الاتحاد تحكمه غالباً عوائق إيديولوجية تحل محل العوائق الإبستمولوجية، فيتحول مسار المعرفة من بحثٍ عن الحقيقة إلى خدمة خطابٍ مغلق، يقيّد العقل بدل أن يحرّره، ويكرّس الاجترار بدل أن يفتح آفاق الاكتشاف.
اترك تعليقاً