لماذا اللهم الزهو ولا زواج القهرة!؟
ما الذي يمكن أن يجعل امرأة تملك المال والحرية والقرار تتزوج رجلا يمارس عليها سلطته؟
وما الذي يمكن أن يجعل رجلا يملك الحرية والمال يربط نفسه بامرأة تنكد عليه حياته؟
قبل هذا وذاك دعون نقف عند العبارة أولا “اللهم الزهو ولا زواج القهرة”
اللهم نداء في دلالة الدعاء، وهو دعاء الله طلبا لشيء محبوب مرغوب يرجى حصوله “فاللهم اغفر لنا أجمعين”.. لكن في سياق الاستعمال المغربي الدارج يرتبط بالاختيار بين أمرين أكثر مثلا “اللهم قطران بلادي ولا عسل البلدان”. أما الزهو فيحيل في اللغة على الافتخار والتباهي والإعجاب بالنفس فقد يزهو الرجل بشبابه أو ماله أو تزهو المرأة بجمالها ومتاعها.. أما المعنى العامي فيشير إلى الاستمتاع بملذات الحياة والإقبال على المتع ولذلك يوصف الرجل بزهواني إذا كان زير نساء -نسوانجي بالتعبير السائد-وعاشق أسمار وينفق ماله على شهواته، وأحيانا يلتمس له عذرا كأن ذلك من طبعه لا قدرة له على مقاومته. أما الزواج فتعرفونه كما حفظناه في الثانوي “ميثاق ترابط شرعي بين رجل وامرأة غايته الإحصان والعفاف مع تكثير سواد الأمة” أو كما تعرفه مدونة الأسرة: “ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام المدونة”. وطبعا لا يستقيم بدءا أن نسأل الله أن يعطينا شرا عوضا عن خير.. فهل الزهو خير من الزواج أو من زواج القهرة؟
دعونا أولا ننظر في الزهو وما له حتى يكون خيرا من الزواج؟
يتيح الزهو ما لا يتيحه الزواج.. ولذلك فالمقارنة بينهما بعيدا عن القيم الدنية والأخلاق الاجتماعية مقارنة غير متكافئة وظالمة، ظالمة للزهو.
يمكن للزهواني والزهوانية أن يعيشا حياة خفيفة لطيفة كالممرضة.. بعيدا عن الضغوط ومشاكل التعامل الاضطراري مع الآخر، تتيح حياة الزهو الحق في السفر حيث تشاء أو حيث يحتل جيبك، وتنظيف البيت أو تركه، والارتباط الودي بأي شخص أعجبك شكله أو جيبه أو انسجم مع تفكيرك وتركه بسلام إذا ما اختلفتما، والارتباط بآخر وأرض الله واسعة وخلقه من الرجال والنساء بالأشكال والألوان والأعمار كثر وكثيرات، ولست ملزما برعاية أسرة وأسرة الأسرة ومجاملة الأقارب والحمو والحماة وما جاورهما، ورعاية الأطفال والتفكير في حضانتهم ومدرستهم ومستقبلهم، يمكنك السهر إلى متى تريد والرقص بأي نغم تريد ومع أي شريك تريد، والدردشة مع من يروقك أو تروقه… اللامسؤولية وعدم الشعور بالالتزام حياة مريحة في منطقة أمان يصعب لمن ألفها واستحلاها أن يألف حياة الزواج وتعقيداتها.. ولذلك لا غرابة أن نسمع بأرقام العزوبة والعنوسة وأرقام الطلاق.. وهي أرقام مخيفة وتنذر بتغير مجتمعي خطير من حيث العلاقات بين الجنسين ومن حيث طبيعة الأبناء ونشأتهم، وتنذر بمستقبل مرعب تجاه الوطن نفسه فقد نتحول إلى مجتمع عجوز وشبابه على قلتهم يعيشون لأنفسهم، وأخاف أن لا نجد ما يكفي من شباب جنود على الحدود لحماية الوطن وشرطة لحماية أمنه إلى جانب باقي المهن وبعضها بدأ يعرف نقصا حادا أقصد يتجه إلى انقراض حقيقي.
أما الزواج فماذا يمكن أن نقول وقد رسم حوله تمثل سلبي في أغلبه، يرتبط بالمشاكل بين الزوجين، تدخل الأسرتين، والصراع حول “لمن القوامة”، وهل ينبغي للمرأة أن تظل في البيت ربته، أم تشتغل لتساعد زوجها على ظروف الحياة والغلاء؟ وهل إذا اشتغلت ينبغي أن تساعده وهو الرجل والنفقة واجبة عليه لا عليها؟ وهل مساعدتها له واجب أم تطوع؟ أم عليها أن تكتفي بالإنفاق على نفسها وأسرتها وينفق عليها السيد الزوج؟ ثم إنه لا يستقيم أن تظل تنفق على نفسها فما فائدة زوج لا “يتفكر” زوجته بهدية ولباس العيد ويشتهي فيها لباسا أعجبه في واحدة أخرى، ولا يخرجها إلى مطعم أو يسافر بها إلى مدينة أخرى؟ والسيارة هل هي سيارة الأسرة أم سيارة الزوج؟ ومن عليه أن يملأ بطنها بالغازوال الزوج أم الزوجة أم هما معا؟ ثم ماذا سيربح الزوجان من كل هذا الضجيج والصخب ووجع الرأس… إذا لم يربحوا السكينة والطمأنينة والعفة، والإسهام في بناء جيل الغد وتربية خلف يعوضهم تعب السنين إذا ما شاخوا وعجزوا ويعطي الوطن مواطنين صالحين “يصلحون ما أفسد الناس”… ولـأنه لا نسمع هذه الإيجابيات التي ما عاد يعيشها إلا القليلون فإن الكثيرين عندما يفكر في الزواج يفكر بالموازاة في الطلاق والنفقة والمشاكل فتفسد عليه فرحته وهو يرى نماذج من أصدقائه الذين فشلوا، فلا هم بقوا عزابا يعيشون الزهو ولا هم متزوجون يعيشون السكينة بل ضاع وقتهم بين المحاكم وضاعت أموالهم بين النفقة والمتعة والمحامي فصدق عليهم المثل “لا تاعي بقى لا وجهي تنقى”
إن أكثر الذين يتحدثون عن عزوف الشباب عن الزواج يربطونه بالظروف الاقتصادية والاجتماعية وشروط الزواج المادية من سكن وإنفاق وسيارة وأجر وطبيعة مهنة وما تشترطه الكثير من بنات اليوم في الرجل شكلا ومضمونا.. لكن ما لا يقال في الموضوع أن الجنس كان عاملا أساسيا دوما في الزواج، ولذلك في بعض المناطق وإلى عهد قريب بمجرد ما يصل الفتى سن البلوغ (17 سنة فما فوق) يفكر في الزواج أو تذكره به أسرته لتربطه قبل أن تطير به واحدة أو تزيغ قدماه.. فينبغي أن يجد في بيته امرأة حلالا طيبا ليفرغ طاقته وتمنحه صبيا يشغله فلا يتوه ولا يجد وقتا ليحك رأسه فما بالك أن… ولذلك ارتبط الزواج بنصف الدين والاستعفاف والتوبة حتى من الزهوانيين أنفسهم، فعندما يفكرون في الزواج يقولون “الله يجعل البركة.. عفا الله…” ثم يفكر الواحد منهم في فتاة نقية الماضي طيبة الأسرة ولا يفكر في كل اللواتي كن زهوانيات معه لأنه يرى في الزواج شأنا مختلفا وهو نفسه سيدخله بشخص مختلف غير الشخص الذي كانه قبل.. والزهوانيات يقلن “ذاك زهواني عينيه زايغة لا يصلح زوجا”. فما لا يقال إذن أنه حصل نوع من الإشباع الجنسي عند الذكور والإناث (والذكور على وجه الخصوص) يجعله لا يفكر في الزواج بدافع البحث عن أنثى باعتباره ذكرا.. فالأنثى في الماضي مفتقدة والوصول إليها خارج الزواج أمر صعب ومحفوف بخطر الشرطة والفضيحة. أما اليوم ف”الخير موجود” بالأشكال والألوان والأحجام (دون تعميم طبعا) يمكن للجنسين معا تحقيق الإشباع الحميمي دون حاجة إلى وجع الرأس من زوج أو زوجة.. كما أن مشكل السمعة والفضيحة ما عاد مطروحا فصار عاديا أن يصرح الرجل بماضيه ولا مشكل فهو رجل لا يعيبه إلا جيبه، بل إن تاريخه الزهواني يصير أحيانا منقبة يفخر بها تحت مسمى “مدوز”. والأمر بات ينطبق على الأنثى فمن حقها أن يكون لها ماض كما للذكر ماض فلم يشترط فيها أن تكون ملاكا طاهرا حتى بعدما تجاوزت الثلاثين؟ ولهذا فبعض الزهوانيين لكثرة زهوهم لا يصدقون أن تكون هناك شابة عفيفة لم يسبق لها أن “تصاحبت”. ومن هذا التحول أن رأينا اليوم شابات يعلنن علاقاتهن العاطفية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ارتباطا وانفصالا فتغير صاحبا بآخر و”ما كاين حتى مشكل” والحقيقة أن هناك مشكلا عويصا.
لم يعد الزواج قرارا سهلا يمكن أن يتخذه المرء أو يتخذه والداه بدلا عنه، وإنما قرار مصيري ينبغي أن ينبع من شخص مقتنع به وبتبعاته مدركا أنه سيدخل حياة أخرى أسماها بعضهم قفصا فيها ما حلا وما مر وقد يكون فيها المر أظهر لكن من عرف ما قصد هان عليه ما وجد.. فعلى المرأة أن تدرك أن الزوج ليس الصاحب المقطوع من شجرة الذي سيبعث لها وردا إلكترونيا أو يشتري لها سلسلة باسمها، وأن لسانها ذاك الصغير العجيب بين فكيها يمكن أن يكون دواء تصنَع به الود وتضمد به الجراح أو سيفا تقطع به أواصر الحب وإن حسن فعلها وعز جمالها. ثم إن الحياة مع الزوج ليست دوما وردا بلا شوك، ولحظات سعادة دون غضب وحزن ونكد وخلافات أحيانا لأسباب تافهة لو كانا صاحبين لتجاوزاها بسرعة لكن لأن الشيطان يحضر شخصيا يتحول الخلاف السخيف إلى نكد لأيام أو خصام لأسابيع تنبت معه حشائش جانبية من مشاكل صغيرة تتحول إلى جدار فاصل يبعد المسافة ويبرد القلوب وقد ينتهي في محكمة الأسرة. وعلى الشاب أن يدرك أنه جاء بامرأة من بيئة أخرى وبين أشخاص آخرين تحتاج وقتا لتفهم معنى الزواج، وليس دوره أن يستعرض عليها عضلاته، ويحاسبها على الصغيرة والكبيرة ليظهر رجولته ويضع أمامها شروطا تعجيزية لم يستطع أبوه أن يزرعها في أخته… وتلك العلاقة السيئة بين الزوجين والتي لا تكاد تصفو للحظة حتى تعود إلى سوادها هي “زواج القهرة”. ولذلك الخطورة فعلا أن يتحول الزواج بما فيه من تحديات إلى زواج القهرة يرى بعضهن أن الزهو أفضل منه.
للأسف لم أستطع أن أختصر في الموضوع وأطنبت وأنا أحاول أن أوجز لكن ما أود قوله هو أن الذين جعلوا الزهو لذيذا بإمكانهم أن يجعلوا الزواج ألذ لو أعطوه من حب ولين وركزوا على جانبه الأجمل مثلما فعلوا مع الزهو.. ومن يحمل هم القيم والأخلاق الدينية والروابط الاجتماعية يجعل المقارنة في الأصل فاسدة فنحن لم نخلق لنطاوع أهواء أنفسنا ولذلك نشرب الدواء المر بحثا عن استعادة صحتنا أو شيء منها ونتحمل الكي جبرا لكسر. وربما نحتاج إلى تحوير بسيط لمثل آخر “اللهم قطران بلادي ولا عسل البلدان” ب “اللهم قطران الزواج ولا عسل الزهو”.
المشكل أن الكثير من جيل اليوم يبدو له “قطران البلدان حسن من عسل بلاده” … وربما لهذا قالوا سيادنا اللوالى: “الكلام كثير والسكات حسن”.
تعليقات الزوار
السلام عليكم استاذنا، بارك الله فيك على هذا الكلام، موضوع مهم وقليل من يسلط الضوء على مثل هذه الظواهر الاجتماعية، ففهمها هو الخطوة الأولى لمعالجتها.. أنا شاب و اقول لكم، الشاب اليوم يجب أن يجد من يشفق عليه، فتحت أبواب فتنٍ ما كانت سابقا، الحلال صعب والحرام سهل، أصبح الحلال بالملايين والحرام بالمجان، من أين للشاب اليوم بالملايين حتى يتزوج ؟ من اين له بالمنزل والسيارة ؟ يكاد كسبه لا يكفيه حتى لثمن الكراء والقهوة والبلية - نسأل الله العافية - من لا مال له ما يحلمش حتى يتصاحب ما بالك يتزوج. هاذ الناس صعبو الزواج (مدونة الأسرة ) والطلاق أصبح أصعب من الزواج، كتفكر فيه قبل ما تفكر فالزواج، شرعو قوانين باش بنادم يساهل عليه الحرام : تعدد الخليلات وعدم تجريم العلاقات الرضائية والاعتراف بالأم العازبة وشحن ذهن المرأة بأفكار النسوية والاستقلالية.. لا احد اليوم ينصح بالزواج إلا قلة قليلة تخاف الله وتؤمن أن الذي كان يرزقها في بيتها يرزقها عندك، وان الله يعين الشاب يريد النكاح.. كلشي كيقول نتا حر ديال راسك لاش بغيتي تحبس راسك، لاش تجيب لي تنكد عليك الحياة، لاش تزوج وحدة وفاش طلق دي ليك فلوسك وتبقا تصرف عليها.. المسألة اكبر من مسألة مال أو تحمل مسؤولية او زهو، هناك اليوم من لا يريد أن يبقى الزواج لأنه ليس في صالحه، هناك من يريد أن تخرج المرأة للعمل فهي تساهم في الاقتصاد وتزيد الأرباح وتخدم الرأسمالية وتلبي الشهوات ولا تقوم بإضرابات وتشتري الضروريات وغير الضروريات... وحين تستقل المرأة فالزواج لن يزيدها شيئا، وبالتالي اليوم من هي التي تزوجت؟ تلك التي فشلت في حياتها ولم تصل إلى أهدافها. فالزواج أصبح كمنقد فقط وليس كغاية.