وجهة نظر

السياسة الفنية في عهد الملك محمد السادس

عادة ما يتم الاهتمام من طرف المتتبعين والمحللين لشؤون المملكة بجوانب من سياسة الملك محمد السادس سواء ما يتعلق بالمجال الديني أو العسكري أو الدبلوماسي أو الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي في حين يتم إغفال الجوانب المتعلقة بسياسته في المجال الفني و التي ارتكزت على الدعم وإنجاز البنيات التحتية الفنية . فقد تجسدت ميوله الفنية في عدة مجالات رئيسية كالفنون التشكيلية حيث عرف ،عن الملك محمد السادس منذ كان وليا للعهد، حبه للرسم والفنون البصرية، و دعمه ورعايته للفنانين التشكيليين المغاربة وإنشاء المتاحف الفنية، فضلاً عن اهتمامه باقتناء الأعمال الفنية. كما أبدى شغفاً خاصاً بالفن السابع، من خلال الاهتمام بتأسيس المهرجان الدولي للفيلم بمراكش عام 2001، والذي أصبح منصة عالمية لعرض واكتشاف المواهب السينمائية. في حين تميز بمتابعة والاستماع لأنواع موسيقية متعددة، الشيء الذي تجلى من خلال دعمه لهذا القطاع من خلال رعايته لفعاليات كبرى مثل مهرجان موازين إيقاعات العالم الذي ينظم بعاصمة المملكة ومهرجان الموسيقى الروحية بفاس… بالإضافة إلى تشجيعه للحركة المسرحية بالمغرب.

-الدعم الملكي للفنون التشكيلية

حظي قطاع الفن التشكيلي في المغرب، منذ تولي الملك محمد السادس الحكم ، بدعم ملكي استثنائي ومباشر، حيث انعكس هذا الدعم في تطوير البنية التحتية للمتاحف، والشرعنة القانونية للمشاريع الثقافية، والاهتمام المادي والاعتباري الدائم بالمبدعين والرواد. وقد تجلى هذا الدعم الملكي بوضوح من خلال المحاور الاستراتيجية التالية:

إطلاق البنيات التحتية والمتاحف الكبرى وعلى رأسها متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر الذي يعد أبرز صرح فني تم تدشينه بالرباط، ليصبح قاطرة للتعريف بالحركات التشكيلية المغربية والعالمية. حيث يعد متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر ، الذي تم تدشينه في العاصمة الرباط عام 2014، أول مؤسسة متحفية عمومية كبرى في المغرب المستقل صُممت خصيصاً لاستيفاء المعايير الدولية في علم تنظيم المتاحف. وتكمن أهمية هذا المتحف في كونه قاطرة ثقافية تابعة لـ المؤسسة الوطنية للمتاحف المغربية يهدف إلى الحفاظ على التراث البصري الحديث والمعاصر ونشره عالمياً. وقد صمم هذا المبنى المتميز المهندس المعماري كريم شاقور الذي مزج بين الهندسة الأندلسية والموريسكية الجديدة (أقواس مزدوجة وتعريشات واجهات بيضاء) والتقنيات الحديثة المستجيبة لمتطلبات الإضاءة والحفظ الفني. حيث يأوي المتحف مجموعات دائمة تضم أكثر من 400 عمل فني تؤرخ لقرن من الإبداع التشكيلي المغربي (أي منذ 1914 حتى اليوم).وهكذا تحتل أعمال جيل الرواد الصدارة مثل الجيلالي الغرباوي، وأحمد الشرقاوي، وفريد بلكاهية، ومحمد المليحي، وشعيبية طلال، وحسن حجاج… موقعا خاصا ضمن اللوحات الفنية المعروضة بجنبات هذا المتحف. كما احتضن المتحف منذ تأسيسه معارض تاريخية كبرى لأسماء عالمية لامعة مثل بابلو بيكاسو، وألبيرتو جياكوميتي، وسيزار، وفرانسيسكو غويا. وفي إطار التبادل الفني المستمر، ينظم المتحف دورياً تظاهرات تجمع بين الكتاب والرسامين، مثل معرض الأديب طاهر بن جلون، إلى جانب ورش عمل فنية تعليمية للناشئة ولقاءات فكرية داخل قاعة المحاضرات المؤسسة الوطنية للمتاحف (FNM ) التي تأسست عام 2011 بتوجيهات ملكية لإعادة هيكلة وإدارة المتاحف الوطنية والارتقاء بأساليب عرض الفنون التشكيلية، لتتولى إدارة المتاحف الوطنية التابعة للدولة حفظها وتطويرها. حيث تعمل هذه المؤسسة كفضاء استراتيجي لتعزيز الحكامة المتحفية وإشعاع التراث الثقافي المغربي محلياً ودولياً. وهكذا تدير المؤسسة ، برئاسة الفنان التشكيلي المهدي قطبي حالياً ، شبكة واسعة من المتاحف الوطنية تضم أكثر من 18 متحفاً موزعة على المدن المغربية الكبرى. حيث تتوزع مهام هذه المؤسسة الوطنية في توثيق وحصر الرصيد المتحفي الثابت والمنقول بالمملكة ودراسته علمياً وحمايته وفق المعايير الدولية. وكذا ترميم مباني المتاحف القديمة وتحديث قاعات العرض لتلائم شروط صيانة التحف الفنية. بالإضافة إلى القيام بتعزيز التبادل الثقافي عبر تنظيم معارض مغربية في الخارج واستضافة روائع الفن العالمي بالمغرب، إلى جانب عقد شراكات دولية من خلال إبرام اتفاقيات توأمة وتعاون مثمرة مع أبرز المتاحف والمنشآت الثقافية في العالم. وقد أثمر ذلك عن تنظيم معارض مشتركة رفيعة المستوى مع متحف اللوفر من خلال تنظيم معرض “المغرب الوسيط: إمبراطورية من أفريقيا إلى إسبانيا”، وإقامة معرض “المغرب بألف لون” بمعهد العالم العربي بباريس، واستضافة معرض “روائع وليلي” الأثري بمتحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية بمرسيليا. كما عقدت هذه المؤسسة شراكات مع “مؤسسة سميثسونيان” ومتحف “المتروبوليتان” لتكوين الأطر وترميم الآثار. وفي خطوة تنظيمية رائدة، أطلقت المؤسسة لجنة اعتماد وطنية لمنح علامة الجودة رسمياً للمتاحف الوطنية التي تستوفي المعايير الدولية، حيث تهدف هذه العلامة إلى الارتقاء بجودة الاستقبال، وشروط الحفظ، والسينوغرافيا داخل المؤسسات المتحفية الوطنية. في حين اعتمدت المؤسسة سياسة مرنة لتشجيع المغاربة والشباب على ارتياد المتاحف، وذلك عبر دخول مجاني للمواطنين المغاربة والأجانب المقيمين بالمغرب أيام الجمعة ومجانية فتح متاحف المملكة طوال الأسبوع لكل فئات المتمدرسين والطلبة المغاربة والبعثات الأجنبية عند تقديم بطاقة التلميذ أوالطالب.

الرعاية السامية للمبادرات والتظاهرات التشكيلية ، حيث يحظى موسم أصيلة الثقافي الدولي بـ رعاية ملكية سامية ودائمة، مما جعله واحداً من أقدم وأرقى المحافل الفنية في العالم العربي وإفريقيا منذ تأسيسه عام 1978. ويتكامل هذا الدعم مع برامج وطنية دقيقة لاقتناء الأعمال الفنية وتظاهرات كبرى ترسم ملامح المشهد التشكيلي المغربي. فبالاضافة إلى تشجيع كبار الرواد والشباب من المغرب ومختلف دول العالم لإبداع جداريات في الهواء الطلق ، تُطلق وزارة الشباب والثقافة والتواصل دورياً طلبات عروض لدعم الفنون التشكيلية والبصرية تشمل بنداً رئيسياً مخصصاً لـ “اقتناء الأعمال الفنية” لتغذية المجموعات الوطنية والدائمة للدولة. كما تشمل هذه الرعاية الملكية دعماً مالياً مباشراً لتنظيم المعارض الفردية والجماعية، والصالونات المتخصصة، وتغطية تكاليف الإقامات الإبداعية للفنانين داخل المغرب وخارجه. حيث تسهر لجان فنية متخصصة على دراسة وتسليم البطائق المهنية للفنانين والتقنيين لضمان استفادتهم من الدعم والشرعنة القانونية لأعمالهم. كما حظيت بالرعاية الملكية السامية التظاهرة الوطنية الكبرى الخاصة بتأريخ ستة عقود من التشكيل المغربي عبر جولات ممتدة في فضاءات الرباط (باب الرواح، باب الكبير، فيلا الفنون، متحف بنك المغرب) قبل انتقالها لباقي مدن المملكة. بينما تأسست الجائزة الوطنية للفنانين التشكيليين الشباب مخصصة للفئات العمرية بين 18 و30 سنة في أصناف الصباغة، والنحت، والتصوير الفوتوغرافي، وتُختتم بتتويج الفائزين بجوائز مالية محفزة على المستويين الجهوي والوطني. بينما يشكل ملتقى الوحدة الدولي للفنون التشكيلية تظاهرة فنية تجمع تجارب بصرية محلية وعالمية تحت شعارات وطنية وثقافية بـ فضاء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء لتعزيز الحوار الجمالي. وكذا تنظيم ليلة المتاحف والأروقة الفنية التي تعتبر تظاهرة سنوية رائدة تُقام تحت الرعاية الملكية السامية، حيث تفتح خلالها الأروقة والمتاحف أبوابها مجاناً للجمهور والشباب.

-الدعم الملكي للفن السابع

شكلت الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في “المناظرة الوطنية للسينما” عام 2012 نقطة تحول مفصلية في تاريخ السينما بالمغرب ؛ حيث رسمت خارطة طريق لتأهيل والانتقال بالسينما من مجرد هواية إلى صناعة قائمة الذات تسهم في التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل من خلال إلزام القنوات التلفزيونية العمومية بالمساهمة الفعلية في الإنتاج المشترك للأعمال السينمائية الوطنية. ومنذ ذلك الحين ، حظي الفن السابع (السينما) في المغرب بدعم ملكي استراتيجي ومباشر من الملك محمد السادس، الذي يرى في السينما قوة ناعمة أساسية لترسيخ الهوية المغربية وتعزيز الإشعاع الثقافي للمملكة دولياً. وقد أسهمت هذه الرؤية الملكية في تحويل المغرب إلى قبلة عالمية لصناعة الأفلام وإحداث نهضة سينمائية بارزة طيلة العقدين الأخيرين. حيث تجلت أبعاد هذا الدعم الملكي في المحاور الرئيسية التالية:

إرساء بنيات تحتية سينمائية ضخمة من خلال بناء المدينة الدولية للسينما بورزازات التي تعتبر بمثابة مشروع استراتيجي يمتد على مساحة تتجاوز 10 هكتارات باستثمار يبلغ 240 مليون درهم، ويهدف إلى إحداث قطب سينمائي متكامل يواكب التحولات العالمية ويقدم خدمات مدمجة بنظام “الشباك الوحيد”.

تحديث ورقمنة القاعات السينمائية حيث خصص دعم ملكي مستمر لمواصلة رقمنة وتحديث 90% من القاعات السينمائية الوطنية لضمان جودة العرض وجذب الجمهور.

مأسسة وتطوير منظومة الدعم العمومي من خلال صندوق دعم الإنتاج السينمائي ، حيث مكنت التوجيهات الملكية من إرساء نظام دعم متكامل عبر المركز السينمائي المغربي يضخ سنوياً حوالي 110 ملايين درهم لدعم تمويل وإنتاج الأفلام الوطنية، وتشجيع إنتاج أعمال سينمائية تسلط الضوء على تعدد روافد الهوية المغربية، ومنها تخصيص ميزانيات سنوية لدعم الأفلام الوثائقية حول الثقافة والتاريخ والمجال الصحراوي الحساني.

رعاية المهرجانات الدولية والمنصات العالمية كالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش الذي يحظى برعاية ملكية سامية منذ تأسيسه ، مما جعله واحداً من أرقى المهرجانات العالمية ومحطة لالتقاء كبار نجوم وصناع السينما في العالم. فالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش ، الذي تأسس سنة 2001 بتوجيهات ملكية سامية، يعتبر واحداً من أبرز وأرقى المهرجانات السينمائية في إفريقيا والعالم العربي، ومنصة عالمية تلتقي فيها كبرى مدارس الفن السابع. حيث تتولى إدارته “مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش” برئاسة الأمير مولاي رشيد. وتتمثل المكونات الاستراتيجية والهوية التنظيمية للمهرجان في الجائزة الكبرى والرموز التي تُمنح لأفضل فيلم طويل في المسابقة الرسمية، وكذا اكتشاف المواهب حيث يركز المهرجان في مسابقته الرسمية على اختيار الأفلام الطويلة الأولى أو الثانية لمخرجيها، مما يجعله منصة عالمية رائدة لاكتشاف وتأهيل الوجوه السينمائية الجديدة. بالاضافة إلى اعتباره منصة حوارية وتفاعلية مفتوحة تجمع الجمهور والمهنيين مع كبار مخرجي وصناع السينما العالمية لمشاركة تجاربهم الفنية. كما يشكل مهرجان مراكش ملتقى سنوي يجمع أساطير السينما العالمية والعربية من خلال تقديم تذكارات تكريمية لرواد التمثيل والإخراج؛ حيث شهدت الدورات الأخيرة (مثل الدورة 22) تكريم شخصيات وازنة مثل جودي فوستر، غييرمو ديل تورو، وحسين فهمي، والنجمة المغربية راوية. بينما ترأس لجان التحكيم قامات إخراجية كبرى مثل الكوري الجنوبي بونغ جون وغيره من المخرجين السينمائيين الكبار. لكن بالإضافة إلى تنظيم هذا المهرجان السينمائي العالمي ، يمتد الدعم الملكي ليشمل تظاهرات دولية في مختلف ربوع المملكة، إذ تشكل المهرجانات السينمائية الجهوية في المغرب ركيزة أساسية في سياسة اللامركزية الثقافية التي ترعاها الدولة بتوجيهات ملكية، حيث تهدف إلى نشر الثقافة السينمائية في مختلف أقاليم المملكة وتنشيط الحركية الاقتصادية والسياحية محلياً .فمن أبرز المهرجانات السينمائية الجهوية المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة الذي يعد من أبرز التظاهرات السينمائية في الجنوب، حيث يُركز على السينما الإفريقية والعربية، مع تسليط الضوء على الأفلام التي تبرز التنوع الثقافي. ومهرجان العيون للفيلم الوثائقي الذي يعد تظاهرة متخصصة وممولة بشكل كبير للتعريف بالثقافة والتاريخ والمجال الصحراوي الحساني، وتوثيق الذاكرة المحلية. أما بجهة الشمال والشرق، فهناك المهرجان الدولي للسينما المتوسطية بتطوان الذي يعتبر من أقدم المهرجانات الوطنية، وهو متخصص في عرض الإبداعات السينمائية لدول حوض البحر الأبيض المتوسط وتكريم روادها. كما يركز المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة بالناظور على السينما التي تعالج قضايا حقوق الإنسان، والذاكرة التاريخية، في حين يسعى المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة إلى تعزيز الروابط السينمائية والتبادل الثقافي بين صناع الأفلام في المنطقة المغاربية.أما المهرجان الوطني للفيلم بطنجة فيعد المحطة السنوية الأهم لتتويج الإنتاجات السينمائية المغربية (القصيرة والطويلة والوثائقية)، حيث يجمع كافة المهنيين المغاربة. في حين يشكل المهرجان الدولي للفيلم عبر الثقافات بخريبكة تظاهرة فنية رائدة تحتفي بالسينما الإفريقية وتساهم في مد الجسور الثقافية مع القارة السمراء. بينما يتناول المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا قضايا المرأة بعدسة سينمائية، ويحتفي بالنساء المخرجات والممثلات من مختلف دول العالم… وعادة ما تستفيد هذه المهرجانات من دعم مالي وتقني مباشر عبر لجنة دعم تنظيم المهرجانات السينمائية التابعة للمركز السينمائي المغربي الذي يخصص غلافاً مالياً سنوياً لدعم استمرارية هذه التظاهرات الجهوية ، بمساهمة المجالس المنتخبة محلياً في التمويل اللوجستيكي والمادي لربط الفن السابع بالتنمية المستدامة لكل جهة.

-الرعاية الملكية للمهرجانات الموسيقية والغنائية

كما أولى الملك الحسن الثاني دعماً كبيراً للأغنية المغربية والوطنية، حيث تم تشجيع إنتاج أغانٍ وطنية خالدة، التي كانت مرتبطة بالاعياد الوطنية كعيد العرش وعيد الشباب أو تلك المرتبطة بالاحتفال بالمسيرة الخضراء ، حظي قطاع الموسيقى والغناء في المغرب بدعم ملكي استراتيجي ومباشر من الملك محمد السادس. حيث أصبحت تقام في عهده مهرجانات غنائية وموسيقية كبرى وذلك وفق رؤية ملكية تهدف إلى جعل الموسيقى جسراً للحوار الحضاري، وقاطرة للتنمية السياحية والاقتصادية، ومنصة للحفاظ على الموروث الغنائي المغربي العريق بمختلف روافده. وقد تجلى هذا الدعم الملكي بوضوح في رعاية التظاهرات الغنائية الكبرى التالية:

1- مهرجان موازين الذي انطلق عام 2001 برعاية ملكية سامية، حيث تتولى تنظيمه جمعية “مغرب الثقافات”. وقد حول هذا المهرجان الغنائي الكبير عاصمة المملكة الرباط إلى ملتقى عالمي للإبداع الموسيقي، حيث يستقطب سنوياً ملايين الزوار لمتابعة كبار نجوم الغناء العالمي والعربي والمحلي عبر منصات مجانية تضمن ولوجاً ديمقراطياً للثقافة، انضاف إليها ملعب مولاي الحسن في حلته الجديدة وكذا مسرح محمد السادس بعد تدشينه.

2- مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة وحوار الثقافات الذي يحظى برعاية ملكية مستمرة، ويركز على الموسيقى الروحية والصوفية من مختلف بقاع العالم. حيث يحضر أعضاء من العائلة الملكية بانتظام الافتتاح الرسمي للمهرجان، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها الدولة لترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي عبر الفن.

مهرجان كناوة وموسيقى العالم الذي ينظم سنويا بمدينة الصويرة . حيث حظي هذا المهرجان برعاية ملكية ساهمت في تحويل صناعته الثقافية من الفلكلور المحلي إلى فضاء كوني يجمع موسيقى “كناوة” بموسيقى الجاز والبلوز العالمية. وقد مهد هذا الدعم الملكي الطريق لإدراج فن “كناوة” ضمن لائحة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو.

وبالإضافة إلى هذه المهرجانات الغنائية الكبرى ، امتد الدعم الملكي ليشمل ضمان استدامة المهرجانات التي تحمي الأنواع الغنائية الأصيلة للمملكة: كمهرجان الطرب الأندلسي الذي يعنى بالحفاظ على المدارس الغنائية الأندلسية بفاس، وتطوان، وسلا. والمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش الذي يعد أقدم مهرجان في المغرب، حيث يحظى برعاية ملكية لتوثيق وحماية الرقصات والأهازيج الغنائية لمختلف القبائل المغربية. كما تُمول الدولة بتوجيهات ملكية تظاهرات غنائية في الأقاليم الجنوبية، ومهرجانات موسيقية مخصصة للشباب مثل “البولفار” بالدار البيضاء لدعم فرق “الهيب هوب” والروك البديل.

-التشجيع الملكي للحركة المسرحية

حظى المسرح المغربي (أبو الفنون) بدعم ملكي استراتيجي ومستمر من الملك محمد السادس، الذي سار فيه على النهج المرجعي للرسالة الملكية لعام 1992 التي أسست لـ “اليوم الوطني للمسرح”. وقد قادت هذه الرؤية الملكية قطاع المسرح ليتحول من مجرد نشاط تنشيطي إلى صناعة إبداعية تسهم في التنمية والاقتصاد. حيث تتوزع ركائز هذا التشجيع والدعم الملكي على النحو التالي:

1- تشييد الجيل الجديد من المسارح الكبرى حيث قاد الملك طفرة معمارية وثقافية غير مسبوقة لبناء بنيات تحتية مسرحية بمعايير دولية، أبرزها المسرح الملكي بالرباط الذي جرى تدشينه في أبريل 2026 ليكون صرحاً معمارياً أيقونياً صممته المهندسة العراقية الراحلة زها حديد، والذي يربط ضفتي أبي رقراق ويؤسس لعاصمة الأنوار الثقافية. كما يعتبر المسرح الكبير للدار البيضاء (كازا آرتس) ، الذي مازال لم يتم تدشينه بعد ،مركبا ثقافيا ضخما صمم ليكون قطباً مرجعياً للملتقيات الفنية وبناء الطاقات الشابة في العاصمة الاقتصادية.
2. عصرنة البنيات المسرحية التقليدية حيث خضع المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط لتحديثات كبرى وتجديد شامل لآلياته ومرافق خشبته وكراسيه بتوجيهات ملكية سامية، لضمان استمراره كمؤسسة مرجعية في التنشيط والتوثيق والإنتاج المسرحي الحرفي. كما تم توسيع شبكة الفضاءات المسرحية المحلية والمراكز الثقافية الإقليمية لتقريب ممارسة الفن التشخيصي من الشباب والأطفال ومسرح الهواة بمختلف الجهات.
3 – مأسسة الدعم المالي والإنتاج المسرحي ، حيث تقدم وزارة الشباب والثقافة والتواصل بدعم وتوجيه حكومي غلافاً مالياً سنوياً هاماً لدعم الإقامة الفنية، وإنتاج وترويج المسرحيات، والمسرح الجوال للفرق الوطنية الاحترافية. كما عملت هذه الوزارة على إصدار القوانين التنظيمية لمنح بطاقة الفنان لضمان الشرعية المهنية والكرامة المادية والاجتماعية للتقنيين والممثلين المسرحيين المغاربة عبر “التعاضدية الوطنية للفنانين”.

4. الرعاية السامية للمهرجانات والتكريمات من خلال المهرجان الوطني للمسرح الذي يعتبر تظاهرة سنوية كبرى تحتفي بالإبداعات والفرق المسرحية الوطنية حيث تمنح فيها جوائز تقديرية تحفيزية بإشراف ورعاية مباشرة من الدولة. وفي إطار الالتفاتات الإنسانية وتكريم الرواد، عادة ما يتدخل الملك بانتظام للتكفل بالحالات الاجتماعية والصحية الحرجة لرموز وجيل رواد الخشبة المسرحية المغربية، إلى جانب الاحتفاء وتكريم عطاءاتهم في المناسبات الوطنية. إذ يعد قرار الملك محمد السادس بـ تخصيص معاشات استثنائية لجميع أفراد مجموعة “ناس الغيوان” الأسطورية (بمن فيهم الأحياء وعائلات الأعضاء المتوفين)، أحد أبرز مظاهر الرعاية المادية والاعتبارية السامية التي يوليها لرموز الفن والثقافة بالمملكة. حيث تعكس هذه المبادرات الملكية تقديراً عميقاً من الدولة للأدوار التاريخية التي لعبها هؤلاء الرواد في صياغة الوجدان والهوية الثقافية المغربية. وبالتالي ، فلم يقتصر المعاش الملكي الاستثنائي على الأعضاء الذين كانوا على قيد الحياة فقط، بل شملت التوجيهات السامية صرف معاشات دائمة لعائلات وذوي الحقوق لأعضاء المجموعة المتوفين (مثل الراحل العربي باطما، وبوجمعة أحكور “بوجميع”) اعترافاً بعطائهم وتأميناً لكرامة أسرهم. حيث يصرف هذا المعاش الاستثنائي مباشرة من مال القصر الخاص وليس من الصناديق الحكومية العادية أو أموال دافعي الضرائب .و إلى جانب المعاشات الطويلة الأمد، يتدخل الملك محمد السادس بانتظام عبر قرارات ملكية فورية تشمل التكفل الكامل بمصاريف العلاج حيث شمل التدخل الملكي عشرات الرواد من فنانين ومسرحيين وموسيقيين الذين يمرون بظروف صحية حرجة، من خلال نقلهم إلى المستشفيات العسكرية (مثل المستشفى العسكري بالرباط) وتغطية كافة مصاريف الرعاية الطبية والدواء. وتقديم منح مالية مباشرة وشقق سكنية لبعض المبدعين الذين عانوا من التهميش أو أزمات مادية خانقة في أواخر مسيراتهم الفنية.

وعموما ، فبالاضافة إلى الفنون التشكيلية، والسينما، والموسيقى، والمسرح، يمتد الاهتمام والدعم الملكي للملك محمد السادس ليشمل مجالات فنية وثقافية استراتيجية أخرى، تهدف إلى صون الهوية المغربية وتطوير الصناعات الإبداعية. حيث تتجلى أبرز هذه المجالات الفنية الأخرى في فنون العمارة والزخرفة التقليدية حيث يولي الملك محمد السادس اهتماماً فائقاً بفنون الزليج الفاسي، والجبس المنحوت، والخشب المنقوش، والخرسانة الأندلسية. كما تركز الاهتمام الملكي على ترميم المدن العتيقة، حيث تم إطلاق برامج ملكية ضخمة لترميم وتأهيل المدن العتيقة (كفاس، ومراكش، والرباط، وسلا والدارالبيضاء) للحفاظ على الطابع الفني والهندسي الأصيل للمساجد، والمدارس التاريخية، والفنادق العتيقة. في حين تم دعم التظاهرات التي تدمج التكنولوجيا بالفن، مثل عروض الضوء الرقمية (Mapping) )على الأسوار التاريخية للمدن، وثقافة الشارع (Street Art) وموسيقى الهيب هوب من خلال رعاية المبادرات الشبابية مثل مهرجان “البولفار” بالدار البيضاء، وجداريات الشارع الكبرى، مما أعطى شرعية قانونية وفنية لإبداعات الأجيال الجديدة. كما تحظى أكاديميات الطبخ وفنون المائدة بدعم ملكي مستمر لإشعاع المطبخ المغربي عالمياً باعتباره لوحة فنية وثقافية متكاملة. في حين خصص للخط العربي والمغربي جائزة محمد السادس للخط المغربي التي تعتبر جائزة سنوية رفيعة المستوى تحت الرعاية الملكية السامية، تهدف إلى تشجيع الخطاطين المغاربة والمحافظة على خصوصية ومصداقية الخط المغربي (المبسوط، والمجوهر، والثلث المغربي) وتطويره وتوثيقه كفن بصري أصيل. كما يحظى المصورون الفوتوغرافيون المغاربة برعاية ملكية لتنظيم معارض توثق الذاكرة التاريخية والبيئية والاجتماعية للمملكة، ودعم إدراج التصوير كإصدارات فنية وكتب فاخرة تُغني الخزانة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *