عقلية الضحية
لا تواجه المجتمعات أزماتها بالأدوات نفسها. فهناك أمم تحول الإخفاق إلى مادة للفحص والتقييم، وتعدّ الخطأ فرصة لإعادة بناء المسار، بينما تتجه أمم أخرى إلى البحث السريع عن رواية تمنحها راحة نفسية وتعفيها من عناء المراجعة. ومن هنا يبدأ الفرق بين مجتمع يراكم الخبرة، وآخر يراكم الأعذار.
أخطر ما يصيب العقل الجمعي لا يتمثل في قلة الإمكانات، وإنما في فقدان الرغبة في مساءلة الذات. فالإنسان الذي يقتنع بأن العوامل الخارجية تملك السلطة المطلقة على مصيره، يفقد تدريجياً إحساسه بفاعليته، ثم ينسحب من ميدان المبادرة إلى فضاء الانتظار، فيصبح الزمن حليفاً للركود بدل أن يكون مساحة لصناعة التحول.
تولد عقلية التبرير عبر مسار طويل يبدأ داخل الأسرة، ثم تعززه المدرسة، وتعيد وسائل الإعلام والمنصات الرقمية إنتاجه بأشكال أكثر جاذبية. فالطفل الذي يعتاد تعليق أخطائه على الآخرين يحمل هذه الآلية معه إلى مراحل لاحقة من حياته. ومع مرور السنوات تتحول إلى طريقة ثابتة في التفكير، فتغدو جزءاً من تفسيره للعالم، وترافقه في الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية والشأن العام.
ولأن الإنسان يحتاج دائماً إلى حماية صورته أمام نفسه، فإنه يفضل الرواية التي تمنحه شعوراً بالنقاء الأخلاقي. الاعتراف بالتقصير يحتاج إلى شجاعة، أما اختراع خصم دائم فلا يتطلب سوى خيال واسع وبعض العبارات الرنانة. لذلك تنتشر القصص التي تمنح أصحابها دور الضحية، لأن هذا الدور يوفر تعاطفاً سريعاً ويعفي من تقديم كشف حساب حقيقي.
لم يعد المجال العام يصنع مكانة الرأي عبر قوة منطقه، وإنما عبر قدرته على حشد الجمهور. ومع تغيّر قواعد التأثير، صار الانفعال رأسمالاً رمزياً يفتح أبواب الانتشار، بينما احتاج التفكير المتأني إلى صبر لم يعد شائعاً. وشيئاً فشيئاً، فقدت المراجعة الهادئة بريقها، واكتسبت الروايات الحاسمة جاذبية تفوق قدرتها على تفسير الواقع.
يتحول النقاش العام إلى ساحة تغلب عليها الأحكام المسبقة. تفقد الأدلة قيمتها، وتتراجع مكانة الخبرة، بينما تحظى الانطباعات بسلطة لا تملك مبرراتها. ويغدو الانتماء العاطفي معياراً للحكم على الأفكار، فينال من يكرر القناعات الرائجة القبول، ويتحمل صاحب الرأي المختلف كلفة اجتماعية، مهما بلغت قوة حججه.
هذا التحول ينعكس مباشرة على العلاقة مع المعرفة. فالبحث العلمي يقوم على السؤال، والمراجعة، والتصحيح المستمر. أما العقل الذي اعتاد تفسير الوقائع عبر روايات جاهزة، فإنه يشعر بالضيق أمام المنهج العلمي، لأن هذا المنهج يفرض عليه اختبار قناعاته باستمرار. ومن هنا يتولد الصدام بين التفكير النقدي والتفكير العاطفي، فتفقد المؤسسات العلمية جزءاً من تأثيرها، وتفسح الساحة أمام أصحاب الخطابات الانفعالية.
الاقتصاد أيضاً يدفع ثمن هذه الثقافة. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة تؤمن بالتخطيط والانضباط واحترام القانون. أما المجتمع الذي يفسر تعثره عبر روايات تبسيطية، فإنه يؤجل إصلاح اختلالاته الحقيقية. وتتراكم المشكلات الإدارية، وتضعف الإنتاجية، وتتراجع جودة الخدمات، ثم يزداد الميل إلى البحث عن تفسير خارجي يعيد إنتاج الحلقة نفسها.
أما السياسة، فتتحول فيها هذه العقلية إلى أداة شديدة الفاعلية. فالسياسي الذي يعجز عن تحقيق وعوده يستطيع تأجيل المساءلة عبر تحويل النقاش نحو خصوم غامضين أو قوى مبهمة. وعندئذ يبتعد الاهتمام عن تقييم السياسات العامة، وينصرف إلى مطاردة صور ذهنية يصعب التحقق منها. وهكذا يخسر المجال العمومي أهم شروطه، وهو النقاش المبني على الوقائع والأرقام.
تتأثر الثقافة الوطنية بدورها بهذا المسار. فالأمم التي صنعت إنجازاتها الكبرى اعتادت طرح الأسئلة الصعبة على نفسها قبل توجيهها إلى الآخرين. وقد ارتبطت نهضاتها بإصلاح التعليم، وترسيخ أخلاقيات العمل، واحترام الوقت، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار بعيداً عن الأفراد. هذه العناصر صنعت بيئة تسمح بتصحيح الأخطاء بصورة متواصلة، فارتفعت القدرة على الابتكار والإنتاج.
أما المجتمعات التي تستسهل صناعة الأعذار، فإنها تدخل في صراع دائم مع الواقع. فهي تنتظر نتائج كبيرة عبر أدوات محدودة، ثم تستغرب الفارق بينها وبين الأمم التي استثمرت عقوداً طويلة في المعرفة والانضباط. ويزداد الإحباط مع اتساع الفجوة، فيرتفع الطلب على الخطابات التي تمنح تفسيراً بسيطاً لمشهد بالغ التعقيد.
جانب آخر يستحق التأمل يتمثل في العلاقة بين الكرامة الشخصية وتحمل المسؤولية. يظن كثيرون أن الاعتراف بالخطأ ينتقص من مكانتهم، بينما تؤكد التجارب الإنسانية أن المراجعة الصادقة تمنح صاحبها احتراماً أعمق. فالإنسان الذي يقر بتقصيره يفتح أمام نفسه باب التعلم، أما الإنسان الذي يوزع المسؤولية على الآخرين باستمرار، فإنه يغلق هذا الباب بيده، ويكرر الأخطاء نفسها تحت عناوين مختلفة.
وتؤكد علوم النفس أن الشعور بالقدرة على التأثير في مجريات الحياة يمثل أحد أهم دوافع الإنجاز. الفرد الذي يؤمن بأن جهده يصنع فرقاً يستثمر طاقته في التعلم والعمل، بينما ينصرف الفرد الذي يرى نفسه أسيراً لعوامل خارجية إلى الشكوى وانتظار التغيير من الآخرين. لهذا السبب ترتبط ثقافة المسؤولية بمعدلات أعلى من المبادرة والإبداع والإنتاج.
تزداد خطورة المسألة مع الأجيال الجديدة. فالشاب الذي يتربى وسط خطاب يفسر الإخفاق بعوامل بعيدة عن إرادته، يدخل سوق العمل وهو يحمل تصوراً مشوشاً عن النجاح. ينتظر الفرصة المثالية، ويبحث عن ظروف استثنائية، ويتعامل مع العقبات اليومية على أنها علامات استهداف شخصي، مع أن التجربة الإنسانية قامت دائماً على تجاوز العوائق عبر التعلم والصبر والتطوير المستمر.
لا يترك التاريخ مكاناً للأمنيات. إنه يحتفظ بمن راكموا الأعمال الصغيرة حتى غدت إنجازات كبرى. ومن هذا الإيقاع ولدت الجامعات، ونمت مراكز البحث، ورسخت المؤسسات، لأن ثقافة العمل والإتقان والاستحقاق وجدت طريقها إلى السلوك اليومي قبل أن تجد طريقها إلى الخطابات.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تغيير زاوية النظر إلى الذات. السؤال الأكثر نفعاً لأي فرد أو مؤسسة أو مجتمع يتمثل في: ما الذي نستطيع تحسينه اليوم؟ هذا السؤال يحرر العقل من أسر التبرير، ويدفعه نحو البحث عن حلول قابلة للتنفيذ. ومن خلال هذا المسار تنمو الثقة بالنفس، ويتحول الإنجاز إلى عادة، ويصبح النقد وسيلة للتطوير، لا مناسبة للصراع.
إن المجتمعات التي تمتلك الشجاعة لمراجعة أخطائها تكتب مستقبلها بوعي وإرادة، لأنها تنطلق من واقعها كما هو، ثم تعمل على تطويره خطوة بعد أخرى. أما المجتمعات التيتمنح الأعذار سلطة تفوق سلطة الوقائع، فإنها تستنزف طاقتها في مطاردة تفسيرات مريحة، وتفقد مع مرور الزمن قدرتها على المنافسة. وبين الطريقين مسافة تصنعها الأفكار قبل الإمكانات، وتصوغها الثقافة قبل الموارد، وتحسمها الإرادة التي تضع المسؤولية في صدارة الأولويات.
اترك تعليقاً