وجهة نظر

المحروقات في المغرب: من يدفع فاتورة سوق بلا حارس؟

حين تتحرر الأسعار ولا تتحرر المخاطر

حين ترفع الدولة يدها عن سعر المحروقات، لا تختفي الكلفة، ولا تختفي مسؤوليتها عن آثارها، فإذا لم تُبنَ في المقابل أدوات قوية لضبط السوق، وحماية المنافسة، وتأمين المخزون الاستراتيجي، وضمان التكرير والتموين، فإن مخاطر تقلبات السوق العالمية لا تتبخر، بل تنتقل من ميزانية الدولة إلى ميزانية المواطن.

وهنا تكمن المفارقة: الدولة قد تتخلى عن تحديد السعر، لكنها لا تستطيع أن تتخلى عن مسؤوليتها تجاه نتائجه، فالمحروقات ليست سلعة عادية، إنها تدخل في تكلفة النقل والفلاحة والصناعة والتجارة، ومن ثم تجد طريقها إلى أسعار الخضر والخبز والدواء وكل ما يحتاج إلى أن يتحرك من مكان إلى آخر.

المشكلة، إذن، ليست في التحرير وحده ولا في الدعم وحده، فالدعم الشامل كان مكلفاً وله اختلالاته، لكن إلغاءه لا يجعل السوق عادلة تلقائياً. التحرير الحقيقي يفترض دولة أكثر حضوراً في التنظيم والرقابة، لا دولة أقل حضوراً.

لأن من يملك قوة التسعير يستطيع في كثير من الحالات أن يمرر جزءاً من الصدمة إلى غيره، بينما يتحملها العامل محدود الدخل، والفلاح الصغير، وسائق سيارة الأجرة، والمقاولة الصغيرة، والأسرة التي بالكاد تغطي نفقاتها.

ومن هنا يتجاوز السؤال ثنائية “الدعم أم التحرير”
من يحرس السوق عندما تهتز الأسعار؟ ومن يتحمل المخاطر عندما لا يكون للسوق حارس؟
فبين دولة تسعّر كل شيء، ودولة تتفرج على كل شيء، توجد دولة أخرى: دولة لا تفرض بالضرورة ثمن اللتر، لكنها تضمن ألا يتحول المواطن إلى الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن تقلبات السوق.
1- في المضخة تُختبر الدولة:
ليست محطة الوقود مجرد مكان يُملأ فيه خزان السيارة، إنها، في الاقتصاد المغربي واحدة من أكثر النقاط التي تُختبر فيها السياسات العمومية أمام المواطن مباشرة.
هناك لا يحتاج المواطن إلى تقرير اقتصادي كي يعرف معنى التضخم، يكفي أن ينظر إلى الرقم على شاشة المضخة.
سائق السيارة يحسب كم بقي من دخله بعد دفع ثمن الغازوال، والفلاح يحسب كم ستلتهم كلفة الوقود والنقل من ثمن محصوله، والعامل الذي يقطع عشرات الكيلومترات يومياً للوصول إلى عمله يكتشف أن المسافة أصبحت أغلى، وحتى الأسرة التي لا تملك سيارة أصلاً تكتشف أن ارتفاع المحروقات وصل إليها، لأن تكلفة النقل والتموين والشحن تدخل في أسعار ما تشتريه كل يوم.
هنا تتحول المحروقات من قضية تقنية إلى قضية اقتصادية واجتماعية وسياسية.
فالسؤال لم يعد فقط: كم يبلغ سعر اللتر؟
بل: من يتحمل المخاطر حين يهتز هذا السعر؟
وهل اختارت الدولة تحرير الأسعار، ثم بنت في المقابل ما يكفي من أدوات المنافسة والرقابة والتخزين والتكرير والتدخل الاستثنائي حتى لا تتحول تقلبات السوق العالمية إلى فاتورة مفتوحة يدفعها المجتمع؟
هذه هي القضية التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش.

2- ليست القضية: الدعم أم التحرير؟
يُختزل النقاش المغربي كثيراً في ثنائية تبدو حاسمة: إما العودة إلى الدعم، وإما الاستمرار في التحرير.
لكن هذه الثنائية تخفي سؤالاً أعمق.
فالدعم الشامل كان له ثمنه المالي، وكانت له اختلالاته، وكان من الممكن أن يستفيد منه المستهلك الكبير أكثر من الفئات الأقل دخلاً، وهذه ملاحظات مشروعة.
لكن إلغاء سياسة لها اختلالاتها لا يجعل السياسة التي تحل محلها ناجحة تلقائياً.
فالتحرير ليس مجرد قرار إداري يقول إن السوق ستحدد السعر، إنه منظومة مؤسساتية كاملة، تحتاج إلى منافسة حقيقية، وشفافية في بنية الأسعار، ورقابة على السلوكيات المنافية للمنافسة، وقدرة على تتبع انتقال تغيرات السوق الدولية إلى السوق المحلية، ومخزون استراتيجي قادر على امتصاص الصدمات، وقدرة وطنية على التكرير والتموين، وآليات تدخل استثنائية عندما تتحول الصدمة الخارجية إلى تهديد اجتماعي واقتصادي.
وإلا تحول التحرير إلى معادلة ناقصة:
تحرير للسعر من يد الدولة، من دون تحرير كامل للمستهلك من اختلالات السوق.
وهنا لا تختفي الكلفة، إنها فقط تنتقل إلى صاحب قدرة أقل على تحملها.

3- حين تنتقل المخاطر إلى المجتمع:
هذه هي الزاوية الأهم في القضية.
قبل التحرير، كانت الدولة تتحمل جزءاً من مخاطر تقلبات السوق العالمية من خلال المالية العمومية، بعده أصبح جزء أكبر من هذه المخاطر ينتقل مباشرة إلى المستهلك والاقتصاد.
لكن الأطراف لا تملك القدرة نفسها على مواجهة الصدمة.
الشركة الكبيرة قد تعيد تسعير منتجاتها، والمقاولة قد ترفع ثمن خدماتها، والتاجر قد يضيف جزءاً من التكلفة إلى السعر النهائي، وبعض القطاعات تستطيع إعادة التفاوض مع الموردين أو الزبائن.
أما العامل محدود الدخل، وسائق سيارة الأجرة، والفلاح الصغير، والأسرة التي بالكاد تغطي نفقاتها، فلا يملكون عادة قوة التسعير نفسها.
وهكذا تظهر مفارقة السوق:
من يملك قوة تمرير الكلفة يستطيع تخفيف أثرها عليه، ومن لا يملكها يبتلع الصدمة من دخله.
وهذه ليست مسألة تقنية في اقتصاد الطاقة فقط، إنها مسألة توزيع للمخاطر، وبالتالي مسألة عدالة اجتماعية.

4- من يدفع الفاتورة فعلاً؟
إذا أردنا معرفة أثر المحروقات، فعلينا أن ننظر إلى الاقتصاد من الأسفل، حيث تصل الصدمة إلى الحياة اليومية.
مهنيو النقل: الغازوال بالنسبة إليهم جزء أساسي من تكلفة العمل، ارتفاعه يضغط على الهامش، وقد يعني ساعات عمل أطول أو دخلاً أقل أو ضغطاً إضافياً على المستهلك(برغم الدعم غير المستمر)
الفلاح الصغير: يدفع في الوقود الذي يشغل مضخة السقي والجرار وآلات الحصاد، ثم يدفع مرة أخرى في نقل المنتوج إلى السوق، لكنه لا يملك عادة قوة تحديد السعر الذي سيبيع به، الكلفة تصعد إليه، أما القدرة على تمريرها فلا تصعد معه.
الصيادون التقليديون وأصحاب القوارب الصغيرة: كل رحلة تبدأ بحساب كلفة الوقود قبل حساب مردود الصيد، ومع ارتفاع الكلفة، تصبح الرحلة نفسها مخاطرة اقتصادية.
سكان القرى والمناطق الجبلية والنائية: يدفعون ما يمكن تسميته «ضريبة المسافة»، فارتفاع الوقود يرفع تكلفة الوصول إلى المدرسة والمستشفى والسوق والعمل، والمسافة هنا ليست استهلاكاً يمكن ترشيده.
الطبقة المتوسطة في المدن: بالنسبة إلى الموظف أو العامل الذي يعتمد على السيارة أو النقل للوصول إلى عمله، يصبح الوقود جزءاً من تكلفة الحفاظ على الوظيفة نفسها، وبالتالي اقتطاعاً غير مباشر من الدخل.
الأسر محدودة الدخل التي لا تملك سيارة: وهذه هي المفارقة الكبرى، قد لا تشتري الغازوال مباشرة، لكنها تدفع ثمنه في النقل والخضر والمواد الغذائية والخدمات والسلع التي تحتاج إلى الشحن، قد لا تدخل المضخة، لكن المضخة تدخل إلى سلة مشترياتها.
المقاولات الصغيرة: المخبزة والورشة والمقهى والبقالة والمقاولة التي تعتمد على النقل والتموين، كلها تواجه المعضلة نفسها: رفع الأسعار وخسارة جزء من الزبائن، أو ابتلاع الكلفة حتى تتآكل قدرتها على الاستمرار.
وهكذا تنتقل صدمة الطاقة من محطة الوقود إلى الاقتصاد الحقيقي.

5- المحروقات ليست سلعة عادية:
أحد أكبر أخطاء النقاش العمومي هو التعامل مع المحروقات كأنها سلعة مستقلة،هي ليست كذلك.
الوقود يدخل في حركة الاقتصاد كله: في الطماطم التي تصل إلى السوق، والحديد الذي يصل إلى الورش، والدواء الذي يحتاج إلى النقل والتوزيع، والخبز الذي يحتاج إلى التموين، والسلع التي تعبر مئات الكيلومترات قبل أن تصل إلى المستهلك.
لذلك فإن ارتفاع المحروقات لا يعني فقط ارتفاع تكلفة ملء خزان السيارة، إنه يعني انتقال صدمة الطاقة إلى جزء واسع من سلة الاستهلاك.
وهذا يجعل أثرها أشبه باقتطاع غير مرئي من الدخل: لا يظهر كبند ضريبي مستقل، لكنه يصل إلى الأسرة عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
والأثر ليس متساوياً، فكلما كان دخل الأسرة أقل، كانت حصة النفقات الأساسية من دخلها أكبر، وبالتالي كانت الصدمة أكثر إيلاماً.

6-” صاروخ في الصعود… وريشة في النزول” ماذا تقول الأرقام فعلاً؟
هناك انطباع واسع لدى قطاعات من المغاربة بأن أسعار المحروقات تصعد بسرعة وتهبط ببطء، لكن الانطباع، مهما كان واسعاً، ليس دليلاً في حد ذاته.
والأدق أن نسأل: ماذا تقول الأرقام؟
بيانات مجلس المنافسة بشأن تطور أسعار الغازوال والبنزين بين فاتح مارس وفاتح أبريل 2026 لا تسمح بتعميم بسيط من نوع «الارتفاع ينتقل دائماً أسرع من الانخفاض»، لكنها تكشف أمراً مهماً: انتقال تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية لم يكن متماثلاً بين المنتجين.
ففي الغازوال، كان انتقال التغيرات الدولية جزئياً، بفارق ناقص 1.35 درهم للتر، بينما سجل البنزين انتقالاً يفوق التقلبات الدولية بفارق زائد 0.33 درهم للتر.
والأهم أن مجلس المنافسة أشار إلى أن هوامش الربح الخام لم تتحرك بالاتجاه نفسه: فقد انتقل هامش البنزين من 1.67 درهم للتر في الربع الرابع من 2024 إلى 1.85 درهم في الربع الرابع من 2025، بينما تراجع هامش الغازوال من 1.28 إلى 1.23 درهم.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: المجلس لم يثبت سلوكاً منافياً للمنافسة بالمعنى القانوني، لكن غياب التواطؤ المثبت قانوناً لا يعني بالضرورة أن المنافسة تعمل بأقصى درجات الكفاءة. فقد لا يكون هناك اتفاق غير مشروع بين الفاعلين، ومع ذلك قد تظل السوق بطيئة الاستجابة أو ضعيفة المرونة.
ولهذا تصبح الشفافية أكثر أهمية من الانطباعات.
المطلوب ليس فقط نشر أرقام مجمعة، وإنما جعل بنية السعر قابلة للفهم والتتبع: سعر المنتوج المكرر، وتكاليف الشحن والتأمين، وسعر الصرف، والضرائب، وتكاليف التخزين والتوزيع، وهامش كل حلقة من حلقات السلسلة.
فحين تُنشر الأرقام مجمعة، تبقى الشفافية ناقصة، وحين تبقى بنية السعر غامضة، يبقى الشك قائماً.

7- ليس كل تدخل دعماً… وليست كل يد مرفوعة تحريراً:
ينبغي حسم هذه النقطة.
وجود الدولة في السوق لا يعني العودة إلى الاقتصاد الموجه، والتدخل لا يعني بالضرورة الدعم.
في الاقتصادات الأكثر انفتاحاً توجد سلطات للمنافسة، ومنظمو قطاعات، ومخزونات استراتيجية، وآليات للتدخل أثناء الأزمات، وقواعد لحماية المستهلك.
السوق لا تعمل في الفراغ.
السوق تحتاج إلى دولة تضع قواعد اللعبة، وتراقبها، وتعاقب من يكسرها.
والدولة الحديثة لا تُقاس فقط بمدى امتناعها عن التدخل، وإنما بقدرتها على التدخل عندما يفشل السوق أو عندما تصبح كلفة عدم التدخل أكبر من كلفة التدخل.
والطاقة تحديداً ليست قطاعاً عادياً، إنها شريان الاقتصاد.
لذلك فإن الدولة التي تفقد أدوات التأثير في أمنها الطاقي لا تصبح بالضرورة أكثر ليبرالية، وإنما قد تصبح ببساطة أكثر هشاشة أمام الخارج.

8-” سامير” ليست وعداً فضفاضا بانخفاض السعر…بل استعادة لهامش القرار:
هنا يعود ملف «سامير» إلى قلب النقاش.
ومن الضروري تجنب المبالغة: إعادة تشغيل المصفاة، إذا أمكن ذلك وفق شروط اقتصادية وقانونية وتقنية سليمة، لن تعني تلقائياً انخفاض سعر البنزين والغازوال.
السعر النهائي يتأثر بأسعار النفط العالمية، وسعر الصرف، وتكاليف النقل والتأمين والضرائب وغيرها، ولذلك فإن اختزال قضية «سامير» في سؤال «كم سينخفض اللتر؟» يضيّق النقاش أكثر مما ينبغي.
السؤال الأهم هو:
ماذا تضيف قدرة وطنية على التكرير إلى قدرة المغرب على المناورة؟
تعني إمكانية أوسع لتنويع مصادر التموين، وقدرة أكبر على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقليص بعض أشكال الارتهان لواردات المنتجات المكررة، وتوفير هامش إضافي لإدارة الأزمات.
لهذا ينبغي أن تُناقش «سامير» أيضاً باعتبارها جزءاً من السيادة والأمن الطاقي، لا باعتبارها وصفة سحرية لخفض الأسعار.
سامير جزء من منظومة الأمن الطاقي، وليست المنظومة كلها.
فالسيادة الاقتصادية لا تعني أن تتحكم الدولة في كل شيء، بل أن تمتلك ما يكفي من الأدوات حتى لا تكون عاجزة عندما تتغير الظروف.

9- المخزون الاستراتيجي، الدولة تحتاج إلى «وقت» قبل أن تحتاج إلى المال:
في الأزمات، يصبح المخزون الاستراتيجي أكثر من خزانات مملوءة بالوقود.
إنه وقت، وقت لإعادة توجيه الواردات، والتفاوض، وإيجاد موردين بدلاء، وامتصاص اضطراب الملاحة، ومنع الصدمة من الانتقال فوراً إلى المواطن والمقاولة.
وهذا هو جوهر الأمن الطاقي، فالأزمة لا تعني دائماً أن السعر ارتفع، قد تعني أن المنتج غير متوفر أصلاً.
وعندها يتغير السؤال من: كم يكلف اللتر؟
إلى: هل يوجد اللتر؟
في عالم مضطرب بالحروب والأزمات الجيوسياسية واختناقات سلاسل الإمداد، لا ينبغي النظر إلى المخزون الاستراتيجي باعتباره مجرد كلفة محاسبية يمكن تقليصها في الظروف العادية.
إنه تأمين وطني ضد المجهول.

10- الخيار الثالث موجود…لكن المطلوب أن يتحول من ظرف إلى قاعدة:
المغرب ليس أمام خيارين خالصين: دعم شامل أو تحرير كامل.
فالواقع نفسه يقول إن الدولة تتدخل بالفعل عندما تشتد صدمات الطاقة.
وتتحمل، ضمن حزمة تدخلات لاحتواء هذه الصدمات، كلفة شهرية تقارب 1.65 مليار درهم لدعم غاز البوتان والنقل والحفاظ على تعرفة الكهرباء، بحسب المعطيات المتداولة في هذا السياق، ومن بينها نحو 648 مليون درهم شهرياً لدعم مهنيي النقل بواقع ثلاثة دراهم للتر.
إذن، الخيار الثالث موجود فعلاً.
المشكلة ليست في غياب التدخل، بل في غياب قاعدة مؤسساتية واضحة تحدد متى تتدخل الدولة، وبأي أداة، ولأي مدة، وبأي سقف.
وهنا يمكن التفكير في منظومة أكثر وضوحاً:
نشر صيغة التسعير وبنية السعر بصورة كاملة وقابلة للتتبع.
مراجعة آلية التحيين الجماعي نصف الشهري بما يسمح للسوق بأن تعكس التغيرات الدولية بصورة أكثر مرونة.
دراسة آليات لتأطير الهوامش في الظروف الاستثنائية، مع مراعاة التكاليف الفعلية ومتطلبات التخزين والاستثمار.
اعتماد آلية ضريبية تلقائية ومتماثلة، تنخفض فيها بعض الرسوم عندما تتجاوز الأسعار عتبة محددة، ويمكن استرجاع جزء من هذا الأثر عندما تنخفض الأسعار، بما يسمح بتسوية التدخل على مدى الدورة لا على مدى شهر واحد.
وتوجيه الحماية الاجتماعية، عند الحاجة، إلى الأسرة والقطاعات الأكثر هشاشة بدل دعم كل لتر يستهلكه الجميع، فدعم السلعة قد يكون تنازلياً بطبيعته: كلما زاد الاستهلاك، زاد نصيب المستفيد.
لكن أي تخفيف مالي لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن شرط انتقاله فعلياً إلى المستهلك، مع آليات للتحقق والاسترجاع عند عدم تحقق ذلك.
باختصار، لا تصبح السياسة قاعدة إلا إذا امتلكت خمسة عناصر:
عتبة قابلة للقياس، وأداة محددة، وسقفاً واضحاً، وشرطاً لانتقال الأثر، وشرطاً لانقضاء التدخل.
وما دون ذلك يظل أقرب إلى التدبير الظرفي منه إلى السياسة العمومية.
واللافت أن هذا النقاش لم يبق في مستوى الأفكار النظرية، فقد عُرض على مجلس المستشارين في يونيو 2026 مقترح قانون يتعلق بتنظيم أسعار المحروقات، لكنه لم يحظَ بالأغلبية اللازمة في الجلسة العامة.
وهذا يعني أن المشكلة ليست بالضرورة في غياب البدائل، بل في حقيقة التمثيل الشعبي للمؤسسات والأحزاب والدفاع عن مصالح الفئات الهشة والمتضررة من ارتفاع أسعار المحروقات وقدرة السياسة العمومية على تحويل البدائل إلى قواعد مؤسساتية مستقرة.

11- المطلوب ليس دولة التسعير… بل دولة الحماية:
قد لا يكون المواطن المغربي مطالباً بأن تعود الدولة إلى تحديد ثمن كل لتر إلى الأبد.
ما يريده، في جوهر الأمر، هو ألا يشعر بأن الدولة اختفت من المشهد في اللحظة التي أصبح فيها السوق أكثر قسوة.
يريد دولة تنظم السوق، وتحمي المنافسة، وتنشر الأرقام، وتراقب الهوامش، وتؤمّن المخزون، وتحافظ على أدوات التكرير والتموين، وتتدخل عندما تتحول الصدمة الخارجية إلى تهديد مباشر للقدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي، وتطبق القانون بحزم عندما تثبت اختلالات أو مخالفات.
هذه ليست عودة إلى دولة التسعير، إنها عودة إلى دولة الحماية.
والفرق جوهري.
دولة التسعير تقول للمواطن: “أنا أحدد لك الثمن”، أما دولة الحماية فتقول:” لن أضمن لك سعراً ثابتاً دائماً، لكنني لن أتركك وحدك أمام سوق لا تملك فيها قدرة حقيقية على التفاوض”.
وهذه هي الوظيفة السياسية للدولة في قطاع استراتيجي مثل الطاقة.

12- نصف المشكلة في الخارج… ونصف الحل في الداخل:
لن يستطيع المغرب أن يحدد سعر النفط العالمي.
ولن يستطيع أن يمنع حرباً بعيدة من التأثير في أسواق الطاقة.
ولن يستطيع أن يتحكم وحده في سعر الدولار أو في اضطرابات الملاحة الدولية.
لكنه يستطيع أن يقرر حجم تعرضه لهذه الصدمات، وحجم ما يسمح لها بتمريره إلى المجتمع.
يستطيع أن يبني مخزوناً استراتيجياً أقوى.
ويستطيع أن يعيد النظر في قدرته الوطنية على التكرير.
ويستطيع أن يجعل المنافسة أكثر قابلية للقياس.
ويستطيع أن يجعل بنية الأسعار أكثر شفافية.
ويستطيع أن يفرض رقابة فعالة عندما تظهر اختلالات.
ويستطيع أن يبني آلية تدخل اجتماعي واقتصادي واضحة عندما تتجاوز الصدمة حدود قدرة الأسر والمقاولات على الاحتمال.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع المغرب أن يمنع النفط العالمي من الارتفاع؟
السؤال هو: هل يستطيع أن يمنع كل ارتفاع عالمي من التحول تلقائياً إلى أزمة داخلية؟
هنا تبدأ السياسة، وهنا تُختبر الدولة.
فمضيق هرمز أبعد من قدرة المغرب على التحكم فيه، والأسواق العالمية ستظل متقلبة، والحروب والأزمات ستظل قادرة على إرباك سلاسل الإمداد.
لكن الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على منع الصدمة، بل بقدرتها على امتصاصها وتوزيع كلفتها بعدالة.
وفي نهاية المطاف، فإن الأمن الطاقي لا يعني أن تملك الدولة النفط، يعني أن تملك ما يكفي من الأدوات حتى تصمد عندما يهتز سعره، أو تتعطل طرقه، أو تنقطع إمداداته.
فالدولة التي لا تبني أدوات لامتصاص الصدمة الخارجية، هي دولة تنقل عجزها إلى المجتمع.
ومن هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: من يحدد سعر المحروقات؟
بل: من يحمي المواطن عندما يصبح السوق أقوى من قدرته على الاحتمال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *