السلطة والمعرفة في زمن الذكاء الاصطناعي: أي حكومة للمغرب؟
لم يعد السؤال السياسي في المغرب محصوراً في من يحكم أو كيف تُدار الملفات التقليدية، بل أصبح السؤال الأعمق: كيف تُمارَس السلطة في عصر أصبحت فيه الخوارزميات وسيطاً أساسياً بين القرار والواقع؟ إن الثورة الرقمية لا تضع النخب أمام تحدي تقني فحسب، بل أمام امتحان إبستمولوجي يمس جوهر العلاقة بين المعرفة والسلطة.
من الخطابة إلى عقلانية رقمية
الخطاب السياسي التقليدي كان يقوم على البلاغة والوعود، لكن في زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد هذا كافياً. فالمعرفة لم تعد تُنتَج في قاعات البرلمان وحدها، بل في فضاءات رقمية تصوغها نماذج خوارزمية. هنا يظهر التحدي: هل يمتلك البرلماني والوزير ورئيس الحكومة القدرة على مساءلة هذه المعرفة الجديدة، وفهم حدودها وتحيزاتها، أم أنهم سيظلون أسرى خطاب إنشائي لا يواكب التحول؟
مستويات الكفاءة كإشكالية إبستمولوجية
• البرلماني الرقمي: ليس مجرد مشرّع، بل ناقد معرفي، يميز بين المعلومة الموثقة والتضليل، ويدرك أن كل نموذج خوارزمي يحمل تحيزاً معرفياً. غياب هذه القدرة يعني إنتاج قوانين عمياء.
• الوزير التنفيذي: ليس مجرد مدير قطاع، بل مترجم للمعرفة الرقمية إلى سياسات، مع وعي بأن القرار السياسي لا ينفصل عن حماية الخصوصية والعدالة الاجتماعية.
• رئيس الحكومة الاستراتيجي: ليس مجرد قائد إداري، بل واضع تصور للسيادة المعرفية على البيانات، مدرك أن التحكم في الثروة الرقمية هو تحكم في السلطة ذاتها.
دروس من التجارب الدولية
الندوة التي نظمها الاتحاد البرلماني الدولي حول بناء الكفاءة في الذكاء الاصطناعي أظهرت أن المسألة ليست تقنية بل إبستمولوجية:
• في النمسا، ربطوا التدريب بالعمل البرلماني نفسه، أي بالوظيفة المعرفية للبرلمان.
• في زامبيا، بدأوا بتقييم التصورات الخاطئة، أي نقد البنية المعرفية قبل بناء المهارة.
• في فرنسا، وضعوا ميثاقاً يحدد حدود المعرفة المسموح بها، ويؤكد أن كل إنتاج معرفي خوارزمي يحتاج تحققاً بشرياً.
الإشكاليات الكبرى
1. هل يمكن أن نتصور برلماناً يمارس وظيفته المعرفية في زمن أصبحت فيه الخوارزميات منتجاً للمعرفة؟
2. كيف نضمن أن السلطة السياسية لا تتحول إلى مجرد إدارة تقنية، بل تبقى ممارسة نقدية للمعرفة الرقمية؟
3. هل السيادة الوطنية على البيانات مجرد قضية أمنية، أم هي في جوهرها مسألة إبستمولوجية تتعلق بمن يملك حق تعريف الواقع؟
4. كيف نوازن بين الابتكار والعدالة الاجتماعية، بحيث لا تتحول الفجوة الرقمية إلى فجوة معرفية تعيد إنتاج التهميش؟
5. هل يمكن أن نتصور حكومة بلا كفاءة رقمية إلا كسلطة فاقدة لأدوات الفهم، أي سلطة بلا معرفة؟
خاتمة
المغرب اليوم أمام منعطف إبستمولوجي: إما أن يعيد تعريف السلطة باعتبارها قدرة على نقد المعرفة الرقمية وتوجيهها، وإما أن يظل أسير خطاب سياسي يعيد إنتاج الماضي. الكفاءة الرقمية ليست مجرد مهارة تقنية، بل هي شرط إبستمولوجي لبقاء السلطة نفسها في زمن أصبحت فيه الخوارزميات تصوغ الواقع قبل أن يصوغه البشر.
اترك تعليقاً