منتدى العمق

قراءة في كتاب “الفردوس الأرضي” للمفكر عبد الوهاب المسيري

، تنحَّ.. أنت تحجب عني الشمس”.. هذه العبارة الشهيرة، تعود للفيلسوف اليوناني دوغيس عندما وقف عليه الإسكندر الأكبر وعرض عليه أن يمنحه أي شيء يطلبه، تلخص تعاسة الإنسان في ظل الحضارة الغربية المادية. وهي أساس الفكرة التي يناقشها د. عبد الوهاب المسيري في هذا الكتيب الذي نحن بصدده. ويعتبر المسيري ( 1938- 2008)، مفكر وعالم اجتماع مصري مسلم، وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين. عمل ضخك يقع في 8 مجلدات، يقدم نموذجاً تفسيرياً لتاريخ اليهود والظاهرة الصهيونية والحداثة الغربية.

في هذا الكتيب، ينافح الراحل د. عبد الوهاب المسيري عن الإنسان الذي تتعرض فطرته للطمس من طرف الفلسفات المادية، برصانة تحليله وبصيرته النفاذة ما تواجهه هذه الفطرة من تسطيح وتنميط بسبب جائحة الاستهلاك التي أدى إليها التقدم العلمي المنفلت عن القيم، فيعتبر أن ادعاء تحقيق الفردوس هنا والآن، ليس سوى كذبة رأسمالية علمانية تناقض التاريخ و تغرر بالشعوب، وستؤدي لا محالة لبؤس البشر وشقاءهم. إنه يحذر من مغبة تغول العلم على الإيمان، والمادة على الروح، ومن شرور العلمانية الشاملة التي لا تفصل الدين عن الدولة فقط- هو ما لا يرفضه-، وإنما تريد فصل المجتمع عن القيم والأخلاق، وهو ما حذر منه. لكننا بلغناه للأسف منذ عقود كما توقع.
د.المسيري مفكر موسوعي له رؤية إنسانية شاملة واستبصارية تحدى المستقبل وأخطاره، انطلاقا مما تقود إليه الإيديولوجيات و الفلسفات السائدة.الكتاب ملخص لفكره من حجم 150 صفحة(1979) بعنوان “الفردوس الأرضي، دراسات وانطباعات للحضارة الأمريكية الحديثة” بيروت, وأعيد نشره سنتي 1914و 1919 تحت عنوان “الفردوس الأرضي” بمطابع القاهرة.
يعرض مقدمة طويلة تتضمن الأفكار الأساسية المتمثلة في نقد المادية و رفض الطوباوية و الفردوس القبلي والتجربة الأمريكية وهو مقسم إلى أربعة فصول:1ـ البراغماتية الامريكية والبراغماتية التلمودية. 2ـ عالم السلع الفردوسي..سعي الأمريكيبن للخلاص بالاستهلاك. 3ـ الإنسان بين الأشياء و البراءة الأولى. 4ـ تحرير المرأة الأمريكية بين التاريخ و الفردوس..وعن النهاية المأساوية والملهاوية..وفي الأخير استنتاجاته..التاريخ و الفردوس في القلب.
أمريكا من زاوية الفيلسوف: حكمة من الفيلسوف “دوغيس” والذي زهد في عطايا الإمبراطور العظيم بممتلكاته الهائلة وخيراته الواسعة، ويرغب عنها بما يجده في دواخله من رضا، بل ويطلب منه و بصيغة الأمر أن يتنحى جانبا فلا يعيق اتصاله بالشمس و بالكون من حوله. وحسب الرواية فان لإسكندر لم بغضب من هذا الرد “المستفز”، (لإنسان حكيم وغريب الأطوار يعيش في برميل), بل أُعجب جداً بصدق دوغيس وزهده، و قال لأصحابه الذين سخروا من الفيلسوف: “لو لم أكن الإسكندر، لوددتُ أن أكون دوغيس.”

دوغيس هذا يجسد حقيقة الإنسان وقد خلق حرا مستقلا يتوفر على كل الموارد التي تسهل الصعب وتيسر العسير وتجعله، بمزية العقل ومنحة القلب وسمو الروح، مستغنيا عمن سواه. لأنه على درجة عالية من الوعي بمن يكون وبالذي يصلحه، يتعرض للشمس التي تعطي دون من ثم يسعى بضيائها معم

را بقرار شخصي، بانيا الذات ولمحيط الذات. أن تكون حرا لا يعني أن تملك كل شيء، بل أن تحتاج اقل شيء. فرغم عظمة الإمبراطور فهو لا يستطيع أن يمنح إنسان ما لا يطلبه.. !
يضع المؤلف الأسس الفلسفية لهذه الحضارة الجامحة للحكم عليها والإجابة عن السؤال، هل تحقق هذه الحضارة إنسانية الإنسان؟، أم تكون سببا لشقائه؟
وقد تناول هذه الأسئلة في مؤلفه “العالم من منظور غربي” ابرز فيه بالنقد والتحليل التحيزات الكامنة في الفلسفات والماديّات الغربية. ونظرته للدولة العظمى من خلال زاوية إنسانية إسلامية ويخلص إلى المعاني والدلالات العميقة. فالسلوك البشري مرآة لإيديولوجية التي تؤطر المجتمع وللقالب الذي صبته فيه الايدولوجيا الحاكمة. …..بفضل قدرته الخارقة على التأمل والتأويل والاستنباط. فهو لم ينبهر بالحضارة الأمريكية مثل كثير من المثقفين الذين بالغوا في الإطراء والتقريظ..لقد عاش وكتب من داخلها عقد من الزمن تقريبا ( 1963 ـ1971)من المهن الوضيعة كحارس ليلي إلى اعلى الدرجات الأكاديمية والجامعية…وخالط كل الفئات..وحاول من خلال مؤلفه تفكيك البنية الفكرية للمجتمع الأمريكي وسجل رؤيته لهذه الدولة “الطارئة” التي ملئت الدنيا وشغلت الناس وفرضت نمطها الحضاري على دول العالم الثالث التي لها عمق تاريخي أكبر منها. كل ما تنبأ به المسيري حاصل في أمريكا والعالم العربي والإسلامي الذي يعيش الآن النموذج الرأسمالي من خلال العولمة.

يرفض فكرة الفردوس الأرضي الطوباوية والخلاص هنا في الأرض الآن…!؟ لا داعي لانتظار الجنة، و الله والأديان والرسل…إنها نزعة معادية للتاريخ.. ومضادة لقوانين الحياة، فالإنسان يعيش ضمن بعد الزمان والمكان أي ضمن التاريخ. لن يتحقق هذا الوهم في عالم النسبية والتدافع والحروب..بسبب الإيديولوجية الرأسمالية المتحكمة..بفضل التكنولوجيا توفرت السلع واعتقد الإنسان المستلب، انه يستطيع أن يلبي كل الحاجيات ويحل كل التناقضات..؟!

الإنسان في طريقه الى الجنون والشقاء :يقصد الإنسان الأمريكي على الخصوص يفقد عقله بسبب انفلات الحضارة الغربية وإنكارها العقائدية الغيبية وإيمانها بالماديات..ويرفض فكرة إرجاء العالم الفردوسي إلى الآخرة و تراجع دور الدين في حياتهم و إيمانهم بالعلم وحده هي غيبية أخرى يغذيها ويغلب وجوده الطبيعي على وجوده التاريخي مما كان له نتائج عكسية..تفاقم الأزمات البيئية في المجتمعات الصناعية التبني المتوحش للنموذج الرأسمالي: تلوث البيئة( الطبيعة الخارجية )أمرا شائعا في الغرب.. تدمير الإنسان ( الطبيعة البشرية) سيصبح مطروحا عما قريب وهو ما حصل بالذات الآن. ضياع الإنسان لافتقاده البوصلة والمرجعية الدينية والأخلاقية ..فلابد أن يقف العلم عند حدوده..العلم اللامحدود الانترنيت له منافع ومخاطر…الإنسان له وجود جدلي..اعمل لدنياك..(جسد) كأنك تعيش أبدا..واعمل لأخرتك( روحك)كأنك تموت غدا.. وليس إسقاط الروح من الاعتبارات والاهتمام بالماديات والانغماس في الشهوات….. .! وحبذا لو طرح الإنسان على نفسه مضمون ما قام به أحد الأساتذة المحاضرين(“ستيفن كوفي في كتابه” العادات السبع للناس الأكثر فعالية) بطرح سؤال على طلبته بتخيل الموت بعد ثلاثة أشهر..؟ ليصل إلى نتيجة أن كل تصرفاتنا تنبع من تصوراتنا، وتأمل الموت هو أداة قوية لتغيير هذه التصورات نحو الأفضل. و هذه ليست دعوة للتشاؤم، بل دعوة لاستثمار الحياة، وفهم أن الدنيا ليست هي الهدف الأسمى، بل الاستجابة المثلى هي عيش كل يوم بأفضل نسخة من النفس.

فللإنسان وجود طبيعي ووجود تاريخي (الجسد والروح..) وتعرض في هذا السياق لتجربتين، الأمريكية و الصهيونية نموذج الحضارة الغربية ذات النزعة الفردوسية. كلاهما يؤمن بالقوة والتفوق على الآخر والاستحقاق و الريادة وحمل رسالة خاصة للعالم ورفض التاريخ والحدود والوصول ولو على حساب الشعوب بمحوها وإبادتها، الهنود الحمر وفلسطين شاهد ومثال حي، و التشابه راجع إلى اعتماد أمريكا على المعين الصهيوني فكلتيهما مغلفتين بنفس أساطير قديمة التي أدت لفبركة أخرى جديدة (الكاوبوي والحالتوس)، والنتيجة فشل تحقيق الفردوس المزعوم تملأه السعادة.فإسرائيل لم تستقطب كل اليهود لأن معظم جاليتها تعيش خارجها. لكن بينهما بعض الاختلافات. ..أمريكا تاريخها صغير (قرنين من الزمن تقريبا) وجغرافيتها كبيرة عكس الصهيونية؟! كما تم عرض مقارنتين بين تجربتين؛ اليهودية والإسلامية من خلال شخصيتين؛ اليهودي العلماني ” بودرتز ” المتنكر ليهوديته الذي حقق نجاح دنيوي باهر .. المال والشهرة ونهاية بتسليعه.. !و”مالكوم اكس” الأمريكي الزنجي المغترب بأمريكا، وللإشارة فهذه الشخصية

(الحاج مالك الشباز) مثّلت علامة فارقة في مراجعات المسيري الفكرية وقربه من الإيمان والإسلام. فهو-أي مالكوم اكس – المسيحي الذي وجد خلاصه في الإسلام عندما كان سجينا أسره واخذ بلبه منظر الحج..فالناس سواسية، هو الأسود المعجب بجهود الإسلام لتحرير العبيد وحسن معاملتهم.. و إلى أن قال: “تستطيع الدولة إرسال شخص إلى الفضاء الخارجي ولكنها لا تعرف كيف تتعامل مع البشر، أي أن الفردوس مهمة القلب والدين وسنصل إليه في الآخر ونتخلص حقيقة من قيد التاريخ.”

وتشريح المجتمع الأمريكي..يجسد الحساسية الفردوسية. يكتشف أن إنسانه غارق في الاستهلاك ومحدود الفهم ومدجن من قبل الإعلام المسيطر عليه من قبل اللوبيات المالية، ويولي أهمية لما هو محلي على حساب ما هو قومي وعالمي.

فشل النموذج و الحلم الامريكي:

فشل في صهر الأعراق المكونة له و إخفاق في التعاقد الاجتماعي وتحقيق الفردوس الذي يضم الجميع (رفض البيض الأوروبيين للسود) مقاومة من الداخل، حركة ألهيبي وجماعة أهل يسوع.. وزادت بوادر الانقسام مع حلول عهد “الترامببة” فوصول اسود إلى البيت الأبيض، باراك اوباما(2008ـ2016 ) و”كامالا هاريس” المرشحة التي فشلت في تحقيق الهدف، تعتبر ثورة بفضل تضحيات و نضالات الملونين.. مالكوم اكس و مارتن لوتر كينغ الذي تم اغتياله على يد أمريكي متعصب سنة 1968. … وهو كعادته ـ أي د. ترامب ـ لا يفوت أي فرصة لتوجيه سهام النقد لخصومه السياسيين ويحذر من تفاقم مشاكل الهجرة( يقصد المكسيك) إذا وصل الديمقراطيون إلى البيت الأبيض، ملمحا و مستغلا الأزمة التي عاشتها اسبانيا( يوليو 2026) بسبب تدفق عشرات الآلاف على مدينة سبتة المحتلة، و ملمحا إلى مضيق جبل طارق؟! لا أحد يستطيع أن ينكر استخفاف واستفزاز أمريكا ” المارقة” بحلفائها بحلف الناتو والضغط عليهم لاصطفافهم إلى جانبها في حربها على إيران، واتخاذ حزمة عقوبات على الاتحاد الأوروبي وإجباره على مجارات سياساتها للدول المعادية بفرض عقوبات اقتصادية عليها..؟!

خصص د. المسيري فصلا كاملا للنسوية الأمريكية وظاهرة الشذوذ و السعار الجنسي الذي تؤطره الفردوسية كأساس إيديولوجي و اللذة النفعية التي يحض عليه النظام الليبرالي فهو يريد علاقة جنسية دون تبعات اجتماعية وخلاص فردوسي مع اختفاء الحاجة للرجل، كل هذا لعبت فيه شركات التجميل و الموضة والإعلام دورا كبيرا لتشييء المرأة وجعلها كسلعة استهلاكية.
د.المسيري لا يتبرم من الدعوة إلى المساواة بين الجنسين، لكن مع التمييز بين حركة الدفاع عن حقوق المرأة وحركات تحرير المرأة الهادفة إلى طرد الرجل وإلغاء عقد الزواج حيث لا تتجاوز علاقة تعاقدية يتدخل القانون في كل تفاصيلها…فأصبحت أفكار نسوية ملهمة عبر العالم لاتجاهات النسوية وتشجيع الطلاق و شرعنة الإجهاض ورغبة قطيعة مع الإنجاب واستعمال الأساليب البيولوجية المتطورة (خلايا جذعية وبويضات و حيوانات منوية لشخص واحد ورحم اصطناعي..؟!) واكتفاء المرء بنفسه…

بأمريكا تستطيع أن تشاهد مظاهرات للشواذ مطالبة بالاعتراف بميولاتهم المنحرفة عن الفطرة السليمة ولإنصافهم قانونا…من نتائجه وصول الشواذ إلى مراكز صناعة القرار..(لنسي غراهام) المقتول و المتصهين الداعي إلى إبادة الفلسطينيين..؟! وترامب المتورط في “ملفات ابستين..”هذا في أمريكا التي تحكم العالم والتي تتشدق بحقوق الإنسان واستعمالها كورقة ضغط على الدول و الكيانات الغير منصاعة لسياستها.

وبتنظيره الهائل استطاع المسيري استشراف ما يقع الآن… وجعل من هذا العمل الفكري صرخة ضد المادية و المخاطر الوجودية الكامنة في نظام رأسمالي متوحش و فكرة الفردوس الأرضي هي خدعة وخرافة للشعوب والقيم الإنسانية ومن شأنها أن لم يتم تداركها أن تقودها إلى الجحيم. فالأخلاق والدين ضرورة لأجل ضمان بقاء البشرية ورقيها. والفردوس هو داخلي (جواني) وأن الأديان بواسطة الأنبياء والرسل هي من تهدينا إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *