منتدى العمق

موسم الهجرة الى الشمال

لطالما كان “الشمال” في المخيال العربي والإفريقي أكثر من مجرد جهة جغرافية تحددها البوصلة؛ إنه فكرة، وحالة نفسية، ووعدٌ غامض بالخلاص. حين صاغ الروائي السوداني الطيب صالح رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال”، لم يكن يكتب مجرد سيرة ذاتية لشخصية روائية، بل كان يوثق سيكولوجية إنسان “الجنوب” الذي تتقاذفه أمواج الاغتراب. واليوم، ونحن نتأمل مشهد عشرات الآلاف من المغاربة وهم يممّون وجوههم شطر جيب سبتة، ندرك أن فصول هذه الرواية لم تنتهِ، بل تُعاد كتابتها على أرض الواقع بدموع، وشائعات، وأحلام تبحث عن ضفة أخرى.
إن قراءة أحداث سبتة الأخيرة عبر عدسة الطيب صالح، وفي سياق التحولات الكبرى التي تعيشها البلاد، تكشف لنا عمق المأساة، وتؤكد أن الدوافع البشرية تتجاوز لغة الأرقام لتلامس شرخاً غائراً في جدار الثقة.

صراع “العالميات”: لعبة الكرة ولعبة الفرار

في بلدٍ توسعت حكومته بشكل غير مسبوق في ملفات استضافة المونديال، تبدو المفارقة صارخة وموجعة. تبحث الحكومة عن “العالمية” من خلال الملاعب المضاءة، والاستثمارات الضخمة، والواجهات الزجاجية اللامعة، دون أن تدرك أن شعبها، أو بالأحرى شبابها، يبحثون بدورهم عن “العالمية”؛ لكن ليس في لعبة الكرة، بل في لعبة الهروب والفرار نحو جبال الشمال وأسوار سبتة.

“جئتكم غازياً”… هكذا همس مصطفى سعيد، بطل الرواية، وهو يطأ أرض بريطانيا. كان مسكوناً بوهم السيطرة والتعويض النفسي عبر اختراق مجتمع الشمال. واليوم، يندفع هؤلاء الشباب نحو المجهول بالروح التمردية ذاتها. صحيح أن هناك تدخلات، وتوجيهات، وذباباً وباعوضا وحتى أسماك إلكترونية تسبح في الفضاء الرقمي لتأجيج هذه الموجة، لكن الحقيقة الساطعة هي أن هذا “الفخ الإلكتروني” لم يكن لينجح لولا وجود مشكلة داخلية حقيقية ومرعبة: ضياع الثقة بين المغاربة والإدارة السائرة نحو العدم.

ولعل أصدق دليل على هذا الشرخ المؤسساتي ما رفعه تقرير “وسيط المملكة” المرفوع إلى الملك؛ إذ وثق بالأرقام حجم التظلمات التي ناهزت عشرة آلاف ملف، كاشفاً عن أزمة ثقة مستحكمة بين المواطنين ومؤسسات الإدارة نتيجة المماطلة، ورفض الرد، والتهرب من المسؤولية. وعندما تنهار الثقة، يصبح العقل الجمعي أرضاً خصبة لكل الشائعات، ويتحول الوهم الخارجي إلى بديل عن اليأس الداخلي.

المونديال والهجرة العكسية: المواطن كـ”فائض” عمراني

تتعمق مأساة الاغتراب في الرواية حين يعود الراوي إلى وطنه ليجده مختطفاً من قبل الفساد وسوء الإدارة، فيشعر بالغربة في عقر داره. هذا الاغتراب الداخلي يتجسد اليوم في أبشع صوره مع تحول حمى المونديال من مجرد حدث رياضي إلى مشاريع إعادة توطين وتهجير ناعم (وقاسٍ في آن واحد) لآلاف الأسر.

في المدن الكبرى، تجد ساكنة المدينة القديمة، الدار البيضاء نموذجا، – التي تعد بمئات الآلاف – نفسها مهددة بالاستبدال. تُطرد هذه الفئات إلى الهوامش السحيقة، تُلفظ خارج أسوار مدينتها وكأنها نفايات غير مرغوب فيها، لتجميل الصورة وتفريغ المكان لساكنة جديدة من بلدان أخرى أو طبقات مخملية. الخبراء العقاريون يتحدثون عن أسعار قادمة “أغلى من الخيال”، مما يعني حكماً بالإعدام الاجتماعي على أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة. كيف لا يهاجر الشاب وهو يرى مدينته تُرمم وتُبنى لغيره؟ وكيف لا يبحث عن “فردوس” في الشمال وهو يشعر بأنه كائن غير مرغوب فيه في وطنه؟

غربة الأوطان وعقدة “المتفرج”

يخبرنا الواقع عن حرفيين وتلاميذ متفوقين وشباب لم ينهشهم الجوع بعد، لكن نهشتهم “أزمة المعنى” وانعدام اليقين. فرغم النمو الاقتصادي المزعوم (5%)، يبقى هذا النمو أرقاماً لا تسد جوع الكرامة ولا تمنح الطمأنينة.

عندما تغيب فضاءات التعبير، ويجد المواطن نفسه مقصياً من معادلة التنمية ومطروداً من جغرافية مدينته لتُباع لمن يدفع أكثر، يتولد إحساس مرعب بالحياد السلبي. يتحول المواطن إلى مجرد “متفرج” في بلد يُبنى بدونه ولغيره. وحين تصل أزمة الثقة إلى هذا الحد – كما تعكسها بوضوح مؤشرات التظلم المؤسساتي – تصبح الهجرة الجماعية، بكل ما فيها من مخاطر، تصويتاً جماعياً بالأقدام، وصرخة احتجاجية ضد تهميشهم من المشاركة في القرار السياسي والمكسب الاقتصادي.

إن أمواج البشر التي تدافعت نحو سبتة ليست سوى تجسيد مادي لرياح “موسم الهجرة إلى الشمال”. الأبطال تغيروا، والزمن تبدل، لكن العقدة الدرامية مستمرة: إنسان ممزق بين وطن ينمو إسمنتياً وتتقلص فيه مساحات الانتماء، وبين شمال يتلألأ في الخيال كطوق نجاة. ما دامت الحكومة تبني ملاعب المونديال للعالم وتنسى بناء الثقة مع أبنائها، وما دام المواطن يُعامل كفائض عمراني يُطرد لتجميل الواجهات، فإن بوصلة الأرواح ستظل تشير إلى الشمال، ولن تتوقف لعبة الفرار حتى يجد هؤلاء الشباب وطناً يتسع لأحلامهم ولا يعرضهم للبيع في مزاد “العالمية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *