خطيب جمعة أم شحّاذ متكسّب تحت الطلب؟
يدفعنا هذا السؤال للتفكير اليوم في جدوى خطبة الجمعة، وعن غايتها، و التحول الطارئ على موضوعاتها، ومسوغات هذا التحول، فهل ملقي خطبة الجمعة حقا خطيب أم متكسب شحّاذ ؟
يطالعنا الناقد السعودي عبد الله الغذامي في كتابه “النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية” الذي حرك به أساطين النموذج البنيوي وأركانه وهو يطرح بديلا للنقد الجمالي/الأدبي، على انغراس كثير من العيوب النسقية التي تعيش في حشو الخطابات الأدبية وتحُول الجماليات دون كشفها وتعريتها كونها (الجماليات) توجه الأنظار نحو جزيل القول وعذبه، وتثني على البراعة في الخلق اللغوي، مما يسمح لخراب نسقي ليمر دون نقد ولا تمحيص، إنه تغييب للحاسة النقدية للمتلقي الذي ينبغي أن يكون بدوره متلقيا ثقافيا يفرز بين الخطابات ويملك قدرة على تعرية الأنساق المعيبة فيها، وقد كان الشاعر قديما أحد خدام مشروع الإعلاء من الجماليات البلاغية في الخطاب الشعري كونه دلف إلى التزلف للحكام طمعا في ما تغدق عليه خزائنهم، مما خلق معادلة جديدة، شاعر شحاذ / كذاب وحاكم طاغية فكان على قدر العطاء يأتي الثناء، ومنهم المتنبي والنابغة والأعشى… ومعهم تحول الشعر إلى نوع من الكذب إذ يقولون ما لا يفعلون، وأمام هذا التحوّل تأتي مهمة النقد الثقافي ووظيفته النسقية – التي أسس لها عربيا الناقد السعودي عبد الله الغذامي – في نقد الاستهلاك الثقافي القائم على الاستقبال والقبول القرائي لما يتلفّظه المتكلّم ويتدثّر به الخطاب من عيوب مستترة في عبارات وجمل رنّانة هدفها الإبهار والتخدير، وحسبنا أن نقتبس بيتا من معلقة زهير بن أبي سلمى “ومن لا يظلم الناس يظلم” للتدليل على النسق المضمر التي يتخفّى وراء بديع الألفاظ وجمالها، ألا وهو الظلم.
تعد خطبة الجمعة امتداد الخطابة كما هي في التراث العربي كونها تعتمد على الحجة والإقناع أمام حشد جماهيري، كما توجّه إلى الثقافة أساسا، وهو ما يجعلها خطابا ثقافيا مع تحوّل طفيف في قصديتها التي تتوجه إلى العقل لتعطّله بدل أن توقده، فتغير سبيل الرسالة الثقافية للخطبة من خدمة الحياة الدينية والدنيوية للجماعات والأفراد إلى تسويغ القرارات السياسية، وهذا شبيه بالتحوّل الذي حدث في الشعر حين قفز من التعبير عن فحولة القبيلة إلى التعبير عن فحولة الذات الشاعرة، أي تقدّمت المصلحة الخاصة على العامّة.
إلى وقت غير بعيد كان الخطيب يهيّئ خطبته في حرية تامة ممسكا بناصية الخطاب، يتفاعل والأحداث المحايثة لحياة الإنسان، طبق المتغيرات الاجتماعية والسياسية ووفق تعاليم الدين الإسلامي الحقيقي الذي يوصي بقول الحق وعدم الخشية في الله لومة لائم، وبعد تدخّل المؤسسة تغيرت لازمة الخطاب نحو الهيمنة، وأضحت المنابر فضاء لتصريف الخطاب الناسخ الذي يعلي من توجّهات الاختيارات السياسية والاجتماعية للسلطة ضدا على رغبة الفرد والجماعة، ومع تقدّم سيرورة (الإصلاحات) التي شملت خطبة الجمعة أضحت مطروحة في الطريق على وسائل التواصل قبل موعدها المحدد، وهو ما يتيح للعامة الاطلاع عليها، ومن ثمة ينحصر دور الخطيب في إعادة تلفظها على المنبر، مما أفقدها شيئا من بريقها، ومما زاد من حدّة الأمر المواضيع التي أضحت منتقاة فكرا ولفظا من طرف الوزارة الوصية، ومن هذه المواضيع “حق الوطن” الذي كان عنوانا لخطبة الجمعة الأولى الموافقة للسابع من شهر غشت 2026، والذي خلف نقدا لاذعا في أوساط المهتمين والنقاد، إذ يعتبرها الكثيرون تسكينا لجرح غائر خلفته أحداث الهجرة إلى مدينة سبتة أياما قبل الخطبة، وما قبلها من سياسات كان الحدث الأخير نتيجة لها.
إن النقد الموجه لخطبة الجمعة يكشف ما يكشفه النقد الثقافي في الخطابات من وجود خطاب ناسخ يؤسس لفكرة الهيمنة، ففي الوقت الذي تعلي فيه خطبة الجمعة من ضرورة الحفاظ على الأمن النفسي والروحي والفكري للوطن بوصفه خطابا طافيا على السطح، يتنفس تحت الماء خطاب آخر مضمر مضاد يتمثل في إعدام حرية التعبير حتى يتحقق هذا الأمن النفسي والفكري للوطن بعيدا عن فقه الواقع، وهو ما يضمره الخطاب الظاهر في خطبة الجمعة، ويأتي هذا في سياق نزوح جماعي للشباب المغربي مهاجرا الوطن، بعد انسداد الأفق، وشظف العيش إثر الارتفاع المخيف في أسعار المواد الغذائية، وتراجع الحريّات… فمن سلب منه الحق ؟ أ الوطن أم المواطن ؟ وإن كانا سيان على اعتبار أن حقوق المواطن من حقوق الوطن ولا مجال للفرز بينهما، إلاّ أن حقوق الوطن في سياق وروده في خطبة الجمعة حقّ أريد به باطل تصاديا مع تعريف البلاغة كما وردت في كتاب “الصناعتين” على أنها تصوير الباطل في صورة حقّ.
ومن نتائج ذلك إفراغ الخطبة من محتواها وغايتها التي أفردت لها فهي جوفاء كالقصب، تصييرها مجرّد عادة تقام وتؤدّى بغير وعي كإفراز ثقافي مترسب، تراجع رصيد الخشوع لدى المصلّين، إفراغ المساجد من النسّاك والمتعبّدين، استقالة خطباء أسرياء أو طردهم بعد فشل تطويعهم، فماذا بقي ؟
بقي خطيب شحّاذ ينثر القول دفاعا عن المهيمن الذي يدفع له أجرا زهيدا مقابل تزيين القبيح وجعله ناصعا إمبريقيا، فتولّد لدينا خطيب مدّاح، يطلق العنان لصوتـ/طه البلاغي لمدح جادت به المدونة السياسية من تشريعات وقرارات، وبالتالي لم يعد فرق بينه وبين آلة تسجيل تستجيب عند تشغيلها دون حرية في الاختيار ولا في إعمال الفكر وعقل الأمور، ومما جاء في خطبة الجمعة التي كان “حق الوطن” موضوعا لها »لا يجوز التشويش على الأمن النفسي والروحي والفكري للوطن بدعوى حرّية التعبير أو حريّة التغيير نحو الأفضل « وهي جملة ثقافية يتصادم (الأمن النفسي والروحي والفكري للوطن / حرية التعبير) ويتم تصوير الأخيرة التي تعدّ من أسمى الحقوق لدى الإنسان التي يوصي بها وعليها الدين الإسلامي، وتكفلها المواثيق الدولية دفعا للقهر والتهميش عن الإنسان حتى لا يفقد إنسانيته، سببا مباشرا في خراب الأوطان، ولنتأمّل هذا القول بروية، حتى يتضح لنا أن أمن الوطن حسب الخطبة يأتي على حساب حرية التعبير، ومن إعلان موت حرية التعبير، فإذا استؤصلت الحرية فلا شكّ سيخلفها القمع، إذ لا يقبل الكون الفراغ.
بذلك، نقترب من حال عمرو بن كلثوم الذي استثمر الشعر في شرعنة التسلّط والاستكبار، ومن زهير بن أبي سلمى الذي دعا إلى المبادرة للظلم لدرء المظالم، فالخطيب يعمل على إسكات الآخرين »ومن لغى فلا جمعة له «، إلا أن اللغو لا يقع في حدود المنابر والمساجد بل يتعدّاه إلى ما بعدها، إذ ينظر لنقد خطاب الخطيب لغوا من قبل الخطاب المهيمن وهو ما نصطلح عليه في هذا الصدد “اللغو الثقافي”.
أخيرا، من غير السديد إلقاء اللوم كافة على خطيب الجمعة إذ ما هوّ إلا نتاج ثقافيّ يتداخل فيه الجماهيري بالثقافي والمؤسساتي، إلاّ أنه تسري الخطابة مروءة الخطيب الدنيء وتدني مروءة السري مثلما أسرى الشعر مروءة الدني وأدنى مروءة السري.
اترك تعليقاً