منتدى العمق

الغرفة الفارغة

دخل عليه زميله المكتب وفي يده صحيفة فقال له…لقد وجدوا هذه الفتاة  مقتولة بالقرب من الطريق السيار…لقد رأيتها راكبة في سيارتك ليلة البارحة، فأخبره بما كان…و أضاف: “إني ذاهب إلى الشرطة لأخبرهم بذلك..”فأراد زميله أن يثنيه عن ذلك، “لا أنصحك قد تكون خطوة غير محمودة العواقب وقد  يضعوك في قائمة المشتبه بهم باعتبارك آخر من شاهدها”. لكنه أصر على موقفه قائلا ” وإذا كنت أنت  ترغب ألا أذهب إلى الشرطة فلماذا تخبرني بأنك  رأيتها معي ..؟ “فأجابه ” أنا شاهد و بإمكاني ألا أقول شيئا عن الموضوع… لكنه أصر على موقفه  بما أنه يعتقد ببراءته…

وكان في ليلة أمس عندما ودع صديقه بالملهى بعد حصة لعبة “البلياردو” وفتح باب سيارته فتفاجأ  بأن بداخلها فتاة، فسألها:ماذا تفعلين هنا؟ فقالت أردت أن احتمي من المطر ولأني وجدت الباب غير مغلق..فصاحب المرقص يلزمنا باصطياد الزبناء بالخارج رغم أن الجو صقيع و ممطر  واصطحابهم لداخل المرقص لينفقوا ما بجيوبهم. فقال لها هل أنت تشتغلين.. !؟ يقصد بائعة هوى… فأجابت بنعم . رافقته إلى البيت لأنها كانت ترغب في حمام دافئ فوافق.. واستأذنته باستعمال رداء الحمام..فقال لها لا بأس.. كان يعود لزوجتي التي توفيت.. ، ولكن بما أنه لم يكن ليرغب فيها طلب منها الانصراف إلى حال سبيلها..

حل بقسم الشرطة وقدم روايته  عن القتيلة محاولا أبعاد الشبهة عنه في قتلها..

فتحت الشرطة التحقيق في القضية وبعد فحص الجثة من طرف الطبيب الشرعي،  قرر أن ساعة الوفاة تعود للساعة الحادية عشرة (11) ليلة البارحة وأنها تعرضت للخنق بواسطة وشاحها، وبعد عملية التشريح تبين أنها لم تتعرض لأي  اعتداء جنسي، ووجدوا كل أغراضها معها، الشيء الذي ساعد على التعرف على هويتها…مما يرجح قناعة الشرطة بأن الدافع هو الانتقام…فتم استجوابه،   بخصوص علاقته بالقتيلة؟ و ظروف لقائه بها، وعن مكان تواجده ساعة ارتكاب الجريمة…؟  و الفرقة الجنائية  كعادتها تضع في اعتبارها جميع الفرضيات دون إغفال أي جزئية أو تفاصيل قد تكون ذات قيمة. فالتحقيقات تبدأ من مسرح الجريمة لإمساك بأول خيوط القضية ثم محيط الضحية ومن شاهدها آخر مرة..، وبما أنه تقدم إليهم بروايته..فقد وفر عليهم كثير من التعب والجهد، فهو بالنسبة إليهم في أول قائمة المشتبه بهم..؟ وخاصة أن عذره كان ضعيفا بخصوص ساعة وقوع الحادث، حيت صرح انه كان لوحده بمنزله و لا شهود لديه …   مما يجعل التأكد من ذلك أمرا صعبا. لكن القاعدة القانونية تجعل المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته،  وعلى سلطة الاتهام تقديم أدلة قاطعة لكسر هذه القرينة ، مما يضع عليه عبئ إثبات براءته.  ولأن الهدف لديهم هو حل القضية ووضع اليد على الجاني بتهمة القتل العمد؛ ومن تم   فتفتيش سيارته وإخضاعها للخبرة أصبح ضرورة تفرضها صيرورة البحث والحصول على قرائن تعزز فرضية القتل. وبما أنه لم ينكر أنها رافقته إلى البيت فمن الطبيعي أن يجدوا بصماتها بداخل السيارة، لكن أين الدليل على إدانته وما هو الدافع وراء ذلك..؟  فتوسع البحث والتحقيق ليشمل مكان عمله فتم استجواب مدير الشركة وباقي المستخدمين ومنهم زميلة الذي أكد لهم ما جاء في أقوال المتهم..وحسب بنك المعلومات لدى البوليس فإنه ليست لديه  سوابق قضائية بمعنى سجله العدلي نظيف.

تم استصدار  إذن من النيابة العامة  بالتفتيش في البيت فلما سأله المفتش عن الغرفة الفارغة ولماذا..؟ فأخبرهم أنها لزوجته التي تركته مع ابنتيهما  ورحلت ولم يعرف لها أثر. ولما سألوه عن البنت أخبرهم انه لا يستطيع رعايتها لانشغالاته الكثيرة فوضعها بمركز لرعاية الأطفال وان عمرها أربع سنوات… وعند مقابلتهم للمشرفة على المركز أخبرتهم أن والدة الطفلة ماتت حسب ما صرح به والدها وأنها – أي الطفلة- منطوية على نفسها ولا تشارك أقرانها في العب والأنشطة إلا نادرا، بينما كان والدها  يؤدي الواجبات المالية بانتظام…؟ علم المحققون من خلال مجريات البحث أن شريكة حياته كانت قبل أن يتعرف عليها ويتزوجها، تقيم بمدينة أخرى، وبواسطة قسم الشرطة هناك توصلوا بمعلومات عن والدها فربطوا الاتصال به فأخبرهم أنه قطع الاتصال بها بسبب سيرتها العفنة،  وأنها تزوجت سخيفا  وأحمقا ..!

معلومات زادت من منسوب الشك لديهم، فتصريحاته وارتباكه توحي بأنه يخفي أشياء كثيرة، و ميزة المحقق الجنائي أنه يكون في الغالب أذكى من المتهم، لكن لا بد من تقديم دليل إدانته بقتلها والعثور على جثتها؛ فعمقوا البحث معه وحاصروه بالأسئلة حتى انهار وبدا بسرد اعترافاته الصادمة…

لقد اكتشف أن شريكته  كانت  تمتهن الدعارة قبل زواجهما، وذلك  بواسطة رجل أعمال كان من المدعوين لحفل أقيم بالشركة بعدما قدمها له مديرها -أي الشركة- بصفتها زوجة أحد المستخدمين وقال انه تعرف عليها عندما كانت تقيم بمدينة “ج..” وكان من بين زبنائها الرسميين حيث كانت تقدم خدمات جنسية لطبقات راقية وميسورة مقابل المال.. صدم الزوج عندما رآها تسلم على الرجل الغريب كأنها تعرفه من قبل ..وبالبيت كانت صدمته أكبر  لما سألها  أخبرته بحقيقتها وبكل عفوية قائلة “..إن الدعارة هي كباقي المهن و تدر عليها دخلا محترما.. !؟  …” لقد تعرض لأكبر خدعة في حياته جعلته يفكر في التخلص منا بقتلها ودفنها بحديقة البيت…

لقد كانت المعلومات التي أدلى بها   ضيف الشركة -رجل الأعمال- نقطة إغراء للمدير الذي طالما حدثته نفسه بمراودتها ومداعبة  مفاتنها والتقرب منها لطلب خدماتها وخصوصا أنها كانت فاتنة جدا وممشوقة القوام مواصفاتها تأخذ بلب الرجال..فلم تنقصه الجرأة ليطلب من زوجها قضاء لحظات متعة معها ببيته..،   و خاصة أنها كانت قد أخبرته أن لها غرفة خاصة بها …ولم يسلم من نهش عرضه   حتى من طرف  نائب المدير الذي  جرب حظه معها، وكل هذه المغامرات والرذائل كانت تقع ببيت الزوجية وبمباركة زوجها الذي وجد أن التيار أقوى منه بعدما تعرض لأكبر خسارة في حياته وأصبح يمارس القوادة رغما عنه. بل وحتى زميله الذي كان يستلطفه تذكر كيف لما عاد من سفره ومد له ظرفا فيه مبلغ من المال وطلب منه أن يوصله لزوجته التي قابلها من قبل وأمضى معها لحظات أنس، وذلك  لأنه لم يكن وقتها يتوفر على المال..دارت به الأرض ..لقد أصبح “ديوتيا” رغما عنه، لقد أهدرت كرامته وطعنت رجولته  فكيف يستطيع مواصلة العيش معها تحت سقف واحد..؟

كما اعترف بأن المدير والآخرين الذين شاركوه  في زوجته والذين لاموه على تهوره  بإخبار الشرطة بالواقعة، وقالوا له ساعتها بأنها  مغامرة محفوفة بالمخاطر.. !هم من  ساعدوه في التخلص من متعلقاتها  وإنزالها إلى البدروم وإخلاء غرفتها بالكامل دون ترك  أثر يدل على تلك التي جرعته المر وقلبت حياته رأسا على عقب.

تستعمل الشرطة في عملية التحقيق أكثر من أسلوب للضغط نفسيا على المتهم الانتزاع الاعتراف منه …وكان قد طلب منهم إخراج ابنته من القاعة حيث تم استحضارها لهذه الغاية…
اعترافات كاملة بعد محاصرته بالأسئلة فلم يعد يدعي أنها رحلت وتركته..

كانت الأفكار والهواجس تتزاحم في رأسه، أكانت فكرة إبلاغ الشرطة جيدة..؟ فلو لم يقدم على هذه الخطوة الانتحارية لسجلت القضية ضد مجهول لانتفاء الأدلة.! .؟ ولكن هل كان يضمن أن صاحبه يلتزم الصمت ولا يذيع سره…؟.! وساوس وحسرات تعتصر قلبه المتعب. كان عليه أن يغسل هذا العار ويعمل على تصفيتها  بعدما مرغت كرامته في التراب وينتقم لشرفه.

توصلت الشرطة إلى الحقيقة و فك اللغز بل لحل  القضيتين،   التحقيق في جريمة قتل الفتاة المومس قادت المحققين لفك لغز اختفاء زوجته و بسبب سيرتها  التي مرغت كرامته في التراب وطعنت في شرفه و تركت آثار ورواسب  جارحة في نفسه.. دفعته إلى التخلص منها ومن كل فتاة أو أنثى .. تذكره بماضيه البئيس… ولكن الجريمة الثانية مقرونة بحالة العود  مما يستوجب تشديد العقوبة …  وسنوات طويلة وراء القضبان  تنتظره. “..غاص في بحر من الأفكار والاستدراكات… لم يكن  القتل و لا الانتقام  يوما  هو الحل… حسرات ويأس وندم أفقدته لذة الحياة ..لماذا لم أفكر في الانفصال عنها و أطلقها وأنعم بحريتي؟ “.لكن بعد فوات الأوان….

مرت ليالي وشهور عديدة وتدهورت حالته الصحية والنفسية، وأصبح  منعزلا ولا يأكل إلا نادرا. وفي ليلة من ليالي فصل  الشتاء الباردة وجدوه مشنوقا بزنزانته وسجل طبيب السجن شهادة وفاة لحالة انتحار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *