برلمانيون بلا مسار…
يُحكى أن رجلاً وصل إلى قرية لم يزرها قط، فوجد أهلها مجتمعين لاختيار مرشد جبلي يعرف مسالك الجبل، فتقدم إليهم بثقة و قال: «اختاروني أنا، فلدي أفضل سيارة في القرية». سأله شيخ كان يجلس في آخر المجلس: «وهل تعرف الطريق؟» فأجابه: «لا، لكن سيارتي أسرع من سياراتكم». ضحك الشيخ وقال: «المشكلة يا بني ليست في سرعة السيارة، بل في أنك ستوصلنا أسرع… إلى المكان الخطأ!».
ولعل في هذه الحكاية الساخرة شيئاً كثيراً من السياسة اليوم.
ونحن على مشارف الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يبدو أن بعض قواعد اللعبة السياسية قد تغيرت؛ فلم يعد السؤال دائماً: من راكم التجربة ؟ من ناضل ؟ من تأطر داخل الحزب ؟ من عرف الجماعة قبل البرلمان ؟ من خبر مشاكل الناس و اختصاصات المؤسسات ؟ بل أصبح السؤال، في بعض الحالات، أكثر اختصاراً وبراغماتية: من يستطيع الفوز؟ ومن يمتلك الإمكانيات ؟ ومن يستطيع تمويل حملة انتخابية ثقيلة ؟
وهكذا، شيئاً فشيئاً، أصبحنا نرى من يريد أن يبدأ مساره السياسي من المكان الذي كان يفترض أن يصل إليه بعد سنوات من التجربة.
في السابق، كان المناضل يبدأ من الأسفل؛ من الفرع المحلي، من الشبيبة، من الاجتماعات التي لا تحضرها الكاميرات، ومن توزيع المنشورات، وتأطير المواطنين، والدفاع عن الحزب في سنواته الصعبة قبل سنوات الرخاء الانتخابي. وقد يبدأ من الجماعة الترابية، فيتعلم معنى الميزانية والاختصاص والتدبير والأغلبية والمعارضة، ويكتشف أن السياسة ليست خطابات فقط، وأن بين الوعد والإنجاز مساطر و قوانين وميزانيات ومؤسسات واختصاصات. وبعد سنوات من التدرج والتكوين والتجربة، يصبح البرلمان محطة طبيعية في مساره.
أما اليوم، فقد أصبح الطريق لدى البعض مختصراً بشكل مثير: من عالم الأعمال إلى التزكية، ومن التزكية إلى الحملة، ومن الحملة إلى البرلمان، ثم يبدأ صاحبنا بعد ذلك في اكتشاف ما وظيفة البرلمان أصلا !
ولهذا لا نستغرب أن نسمع مرشحا للانتخابات التشريعية يعد سكان حي بتعبيد شارع، وآخر يعد بإصلاح الإنارة، وثالث يعد بتهيئة طريق محلية، ورابع يتحدث وكأنه يحمل في جيبه ميزانية الجماعة والإقليم والجهة والحكومة مجتمعة.
ولو سألت بعضهم عن الفرق بين اختصاص الجماعة واختصاص البرلمان، فقد تُربك حملته الانتخابية بسؤال لم يكن مدرجاً أصلاً في البرنامج… فالبرلماني ليس رئيس جماعة متنقلا بين الدواوير، ولا مقاول أشغال عمومية يحمل الإسفلت والإنارة في حقيبته الانتخابية. وظيفته الأساسية هي التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية والترافع عن قضايا المواطنين والمجال الذي يمثله، أما تدبير عدد كبير من الخدمات والمرافق والبنيات المحلية فتتداخل فيه اختصاصات الجماعات الترابية والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية بحسب طبيعة كل مشروع.
ومن حق البرلماني، بل من واجبه، أن يترافع من أجل طريق أو مستشفى أو مدرسة أو مشروع تنموي، وأن يضغط بالوسائل المؤسساتية لإخراجها إلى الوجود، لكن هناك فرق كبير بين أن تقول للناس: «سأترافع عن هذا المشروع»، وبين أن تقول لهم: «سأنجزه لكم»، وكأن الاعتمادات والصفقات والاختصاصات تنتظر فقط فوزك بالمقعد.
وهذه ليست أزمة معرفة بالاختصاصات فقط، بل نتيجة طبيعية لتحول أعمق أصاب العمل السياسي نفسه.
فعندما يصبح البرلمان بداية المسار بدل أن يكون تتويجا له، يصبح من الطبيعي أن نجد مرشحا يتعلم السياسة أثناء ممارستها، مثل ذلك الرجل الذي أراد قيادة أهل القرية لأنه يملك أسرع سيارة رغم أنه لا يعرف الطريق.
والأكثر إثارة للقلق أن التزكية الحزبية نفسها أصبحت في بعض الممارسات مهددة بفقدان معناها السياسي. فالتزكية التي كان يفترض أن تكون اعترافا بمسار من الالتزام والكفاءة والحضور والتكوين، قد تتحول عند البعض إلى عملية حسابية باردة تختصر في كم يملك هذا المرشح ؟ كم يستطيع أن يصرف ؟ كم صوتا يستطيع أن يجلب ؟ وهنا يصبح المال أسرع من النضال.
مناضل أمضى سنوات يصعد درجات الحزب رويدا رويدا ، قد يجد عشية الانتخابات شخصا لم يصعد الدرج أصلا، لأنه استعان بالمصعد !
والمشكلة ليست في أن يكون المرشح غنيا، فالمال ليس جريمة، ورجل الأعمال ليس أقل مواطنة من غيره، كما أن الأقدمية الحزبية وحدها لا تمنح صاحبها شهادة الكفاءة السياسية. والأحزاب تحتاج إلى الانفتاح على الكفاءات والطاقات الجديدة، وإلا تحولت إلى نواد مغلقة تعيد إنتاج الوجوه نفسها.
المشكلة تبدأ عندما يصبح المال بديلا عن المسار، لا إضافة إليه؛ وعندما تصبح القدرة على تمويل الانتخابات أهم من القدرة على فهم الدولة ومؤسساتها.
فماذا نقول للشاب الذي التحق بحزب وهو في العشرين من عمره، وحضر لقاءاته، وناضل في شبيبته، ودافع عن أفكاره، وخاض الانتخابات المحلية، وتعلم وتدرج وتحمل الهزائم قبل الانتصارات، ثم بلغ الأربعين ليكتشف أن كل هذا المسار يمكن اختصاره بدفتر شيكات وعلاقات انتخابية ؟ أي رسالة نوجهها إليه ؟ أن يستمر في النضال ؟
فقد يجيبنا ساخرا , ولماذا ؟ سأبحث أولاً عن المال، ثم أعود إلى الحزب عند اقتراب الانتخابات !
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأننا لا نقتل طموح شخص واحد، بل نقتل ثقافة سياسية كاملة, و بعدها نطالب بتخليق السياسية. فعندما يقتنع المناضلون بأن التدرج لا قيمة له، تتحول الأحزاب تدريجيا من مدارس للتكوين السياسي إلى وكالات موسمية لتدبير الترشيحات، ويصبح مقر الحزب مزدحماً قبل الانتخابات و فارغا بعدها.
نحتاج في 2026 إلى إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة جدا, البرلمان ليس وظيفة للمبتدئين في السياسة.
لا يعني ذلك إغلاق بابه أمام الوجوه الجديدة، وإنما يعني أن من يريد تمثيل الأمة ينبغي أن يعرف أولا ماذا تعني الأمة، وماذا يعني البرلمان، وما الذي يستطيع أن يعد به وما الذي لا يملكه، وأن يفرق بين التشريع والتنفيذ، وبين الترافع والتدبير، وبين اختصاص البرلماني واختصاص رئيس الجماعة.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى أحزاب تصنع مرشحيها ولا تبحث عنهم في آخر لحظة، أحزاب تستثمر خمس سنوات في تكوين الإنسان السياسي بدل أن تقضي بضعة أشهر في البحث عن الإنسان القادر على تمويل السياسة.
فالانتخابات ليست سوق انتقالات، والأحزاب ليست قمصانا يغيرها اللاعب عند كل موسم، والتزكية ليست شيكا على بياض، والبرلمان أكبر من أن يتحول إلى أول سطر في السيرة السياسية لشخص لم يقرأ بعد بقية الكتاب.
وعندما نصل إلى انتخابات 2026، لن يكون السؤال الأهم: من يملك أسرع سيارة ؟ بل من يعرف الطريق ؟
لأن من لا يعرف الطريق، مهما كان ماله كثيرا، ومهما كانت حملته ضخمة، ومهما كانت سيارته الانتخابية سريعة، قد يصل فعلاً قبل الجميع… لكن إلى المكان الخطأ.
اترك تعليقاً