الترحال السياسي: ظاهرة قديمة تتجدد بمناسبة كل استحقاق انتخابي
بداية يمكن القول، إن ظاهرة الترحال السياسي والبرلماني ترتبط في جزء كبير منها بغياب الثقافة السياسية وضعف التنشئة السياسية داخل أغلب الأحزاب المغربية. وانعكاساتها السلبية لا يمكن حصرها في كونها ظاهرة لا أخلاقية تنم عن ضعف الالتزام الحزبي، بل في كونها تؤثر سلبا على أداء المؤسسة التشريعية بالشكل الذي يفقد التمثيلية السياسية مدلولها القانوني وبعدها الأخلاقي المتمثل في الإخلال بالتعاقد الانتخابي والحزبي، باعتباره التنظيم المؤسسي الشرعي الذي يمنح الشرعية والمشروعية لتدخلات نواب الأمة داخل أعلى مؤسسة دستورية منتخبة. وقد شكلت ظاهرة الترحال السياسي التي مفادها انتقال النواب البرلمانيين من فريق برلماني لآخر ومن حزب سياسي إلى آخر، معطى ثابت في الحياة البرلمانية عامة والحزبية خاصة، وذلك بعدما اكتسحت هذه الظاهرة الحياة الحزبية والسياسية والبرلمانية بشكل ملفت ومثير للانتباه وأصبحت سلوكا سياسيا يتجدد بمناسبة كل استحقاق انتخابي سواء تشريعي أو محلي.
هذا، وقد عمل المشرع في فترة سابقة، على تبني القانون رقم 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية الذي كان ساريا قبل دستور 2011 وقبل صدور القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، بيد أنه بالرغم من التدابير الضبطية التي جاء بها القانون رقم 36.04 فإنها ظلت عاجزة عن محاصرتها وتطويقها، ذلك أنه بالرغم كون مقتضيات المادة 5 منه نصت على أنه”… لا يمكن لشخص يتوفر على انتداب انتخابي ساري المفعول في إحدى غرفتي البرلمان تم انتخابه فيها بتزكية من حزب سياسي قائم أن ينخرط في حزب سياسي آخر إلا بعد انتهاء مدة انتدابه”، إلا أنه تم التحايل عنها منذ البداية بالتعايش مع عملية الانتقال من فريق برلماني إلى فريق نيابي إلى آخر، لكن دون تغيير الانتماء الحزبي والسياسي، وهنا طُرح وما زال يطرح السؤال حول علاقة الفرق البرلمانية والنخب البرلمانية بأحزابها السياسية الأصلية.
ونحن على مشارف استحقاقات 23 شتنبر 2026، برزت من جديد هذه الآفة السياسية القديمة، على خلفية تغيير العديد من النواب الأحزاب التي فازوا بلونها بالمقعد البرلماني برسم انتخابات سنة 2021، وهذا الأمر كشفه بشكل صريح حزب التجمع الوطني للأحرار في بلاغه، الصادر يوم الثلاثاء 25 غشت 2026 الذي أشار فيه “إلى أن عدد من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه يتعرضون لضغوط من طرف حزب الأصالة والمعاصرة في مساس بأخلاقيات العمل السياسي وبقواعد التنافس الديمقراطي السليم قبيل الاستحقاقات التشريعية المقبلة”، وهو الأمر الذي رد عليه حزب الأصالة والمعاصرة بموجب بلاغ مكتبه السياسي الصادر يوم 26 غشت 2026، الذي “نفى فيه بشكل قاطع الادعاءات الواردة في بلاغ حزب التجمع الوطني للأحرار، مؤكدا في الوقت نفسه أن الحزب لم يُكرِه، ولا يُكرِه، ولن يُكرِه أي مواطنة أو مواطن على الانتماء إليه، أولا لأن هذه الممارسة مجرمة قانونا ومنبوذة أخلاقيا، وثانيا لأن الحزب يقدس حرية الاختيار والانتماء، المكرسة في المرجعيات الدولية وفي دستور المملكة، وثالثا لأن حزب الأصالة والمعاصرة يحترم المواطنين ويثق في قدراتهم على التمييز والاختيار”.
التساؤل الذي يطرح هنا بقوة هو ما الجديد الذي سيقدمه هؤلاء النواب البرلمانيون الذين غيروا انتماءاتهم الحزبية بمناسبة الانتخابات المقبلة في شتنبر 2026، ذلك أن نفس الوجوه سيتم إعادة تزكيتها بلون تنظيم سياسي وحزبي مغاير للحزب السياسي السابق، بمعنى أن هناك عسر في دوران النخب وأن بعض الأحزاب السياسية تجد صعوبة في تأهيل وتجديد النخب الحزبية هذا من جهة. ومن جهة أخرى، تكشف هذه الظاهرة السياسية ممارسة ظلت منتشرة في العديد من الأحزاب السياسية، وهي المتمثلة في كيفية تدبير التزكيات الحزبية التي ما زالت تحكمها وتؤطرها بعض الممارسات التقليدية ولم تلحقها أية تغييرات في أفق تدبيرها وفق معايير الكفاءة والاستحقاق التي تقتضيها الظرفية السياسية الجديدة والتحديات الراهنة لمستقبل المغرب. حيث لوحظ ويلاحظ أن منهجية منح وتوزيع التزكيات الحزبية بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة، فجرت عدة خلافات تنظيمية وهيكلية داخل العديد من الأحزاب السياسية، وذلك بالرغم من كون المادة 28 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية حددت بشكل لا لبس فيه معايير منح التزكيات بناء على مبادئ الديمقراطية والشفافية، بتقديم مترشحين نزهاء وأكفاء وأمناء قادرين على القيام بمهامهم التمثيلية على أحسن وجه، في انسجام تام مع مبادئ تخليق المسلسل الانتخابي التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، سيما فيما يتعلق بتوسيع موانع الأهلية الانتخابية.
بيد أنه رغم كل التدابير القانونية والتنظيمية التي اعتمدها المشرع، والنابعة من التوجيهات الملكية السامية الموجهة لوزير الداخلية، كما أنه في الوقت الذي يحظى فيه المسلسل الانتخابي بعناية ملكية لتعزيز الثقة في المؤسسات الدستورية المنتخبة، وفي الوقت الذي يلاحظ فيه حرص وزارة الداخلية على التقيد بالتوجيهات الملكية الرامية لضمان الحياد التام وتكافؤ الفرص بين المترشحين، وتوسيع المشاورات مع مختلف الفاعلين السياسيين لتعزيز المكتسبات الديمقراطية، وفي الوقت الذي اعتمدت فيه الإدارة الانتخابية العديد من التدابير لبث الطمأنينة داخل صفوف الأحزاب التي ما فتئت تشكو من اشراف الجهاز التنفيذي ممثلا في وزارة الداخلية على تدبير العمليات الانتخابية، وبالرغم من اشراك الفاعلين الحزبيين في عملية تحضير القوانين الانتخابية والانفتاح على مقترحاتهم واعتمادها من داخل مؤسسة البرلمان بالشكل الذي يبدد الشكوك التي كانت تثيرها بعض الأحزاب، وبالرغم أيضا من سماح الإدارة للملاحظين الدوليين والوطنيين من ملاحظة الانتخابات، وبالرغم من تمكين كل مرشح أو لائحة ترشيح من حق التوفر في كل مكتب تصويت على ممثل يتابع عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، إلا أنه لوحظ في المقابل من ذلك أن سلوك الفاعل الحزبي المرتبط بمنح التزكيات ما زالت تشوبه العديد من الممارسات السلبية ولم تلحقه أية تغييرات في أفق تدبيره وفق معايير الكفاءة والاستحقاق التي تقتضيها الظرفية الجديدة والتحديات الراهنة لمستقبل المغرب دوليا وإقليميا وحتى ترابيا وجهويا قصد تنمية المجالات الترابية للقطع مع مغرب السرعتين.
صحيح أن حرية الانتماء السياسي والانضمام للأحزاب السياسية مضمونة، وأيضا صحيح إن انتقال النواب البرلمانيين ما بين الأحزاب السياسية يمكن أن يكون ظاهرة عادية في الحالة التي يكون فيها النائب البرلماني المنتقل غير منتمي سياسيا لأي تنظيم حزبي أو سياسي، ولا يتوفر على انتداب انتخابي ساري المفعول بالمؤسسة التشريعية، لكن بالنسبة للحالة المغربية نجد بأن أغلب النواب البرلمانيين الذين غيروا انتماءاتهم السياسية، سبق لهم أن كانوا أعضاء في أحزاب سياسية أو أعضاء بفرق برلمانية، ومن هذا المنطلق فإن ظاهرة التنقل من حزب إلى آخر تشكل إخلالا بالالتزامات السياسية والأخلاقية التي تجمع النائب بحزبه والكتلة الناخبة.
فالانتساب لحزب سياسي معين يعني من الناحية المبدئية بأن أطره ملتزمة ومقتنعة بمرجعياته وأدبياته السياسية والإيديولوجية والمذهبية، لكن على المستوى العملي يلاحظ بأن الأحزاب المغربية قلما توفرت على هذا النوع من الأطر السياسية المخلصة لعقيدة الحزب ومبادئه، إذ يمكن القول بأن الانتماء الحزبي في التجربة المغربية يبقى محكوما بمصالح برغماتية وشخصية أكثر منها إيديولوجية، وأغلب الأطر الحزبية غير متشبعة بمبادئ الالتزام السياسي تجاه أحزابها التي تمنحها التزكية للترشح للانتخابات وحتى تجاه المواطنين الذين يمنحون أصواتهم للمرشحين بناء على الحزب الذي ترشحوا بلونه ليجدهم بعد ذلك أصبحوا منخرطين في أحزاب أخرى ضاربين عرض الحائط بالتعاقد السياسي الذي يجمعهم بالمواطنين والمواطنات، لأن المفروض أن يعمل كل نائب في نطاق الحزب الذي ينتمي إليه ليعكس توجهات حزبه. وبالتالي، فالمشكل الخطير في ظاهرة الترحال السياسي يكمن في كونها تعبر عن عدم الالتزام الحزبي الذي هو وجه من أوجه غياب الحكامة الحزبية وعدم وفاء النواب تجاه تنظيمهم الحزبي والسياسي الأصلي، وهذا من شأنه أن يساهم في عدم استقرار النخب البرلمانية.
كما تنعكس هذه الظاهرة بشكل سلبي على أداء المؤسسة البرلمانية، ذلك أن انتقال ممثلي الأمة من حزب سياسي لآخر فيه من الناحية الأخلاقية إخلال بالتعاقد الانتخابي الذي يمنح الشرعية لتدخلات النخب البرلمانية. وبالتالي، فإن هذا السلوك الذي يأتيه النواب ممثلي الأمة، بمناسبة كل استحقاق تشريعي لا يسمح للمؤسسة التشريعية بأن تكون رصيدا يساعدها على خلق سوابق لفائدتها. إذ كيف لبرلمان يعاني من هشاشة الالتزام الحزبي أن يساهم في خلق التوازن مع الحكومة من خلال اقتراح القوانين وتعديلها ومراقبة العمل الحكومي والسياسات العمومية…؟
وبالنظر للانعكاسات السلبية التي تخلفها هذه الظاهرة على مفهوم التمثيلية السياسية، فقد تدخل المشرع المغربي من جديد بموجب الفصل 61 من دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، بهدف تخليق المشهد السياسي من ظاهرة الترحال السياسي، وانطلاقا من ذلك أسس الاجتهاد القضائي لقاعدة مفادها أن التخلي عن الانتماء الحزبي وتقديم الترشيح باسم حزب جديد يناقض الممارسة السياسية الهادفة التي ينبغي أن تكون منضبطة للأهداف التشريعية الرامية لتخليق الحياة البرلمانية بصفة عامة والحزبية خاصة.
إذ بالرغم من هذه التدابير التي أتى بها القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، بموجب المادة 20 التي منعت كل نائب من تغيير حزبه إذا كان قد زكاه أثناء الانتخابات التشريعية التي فاز فيها بالمقعد البرلماني تحت طائلة تجريده من عضويته، وكذا بالرغم من أن الفصل 61 من الدستور أسند للمحكمة الدستورية صلاحية تجريد كل من تخلى عن انتمائه من العضوية في أحد مجلسي البرلمان والتصريح بشغور المقعد البرلماني، فإنه لوحظ أن ممثلو الأمة يتحايلون على الدستور وعلى القانون التنظيمي للأحزاب، حيث لا يقومون بتغيير انتمائهم السياسي داخل الولاية الانتدابية وإنما في الأيام أو الشهور المتبقية منها، بحثا عن تزكية جديدة للترشح للانتخابات التشريعية، وهنا يطرح تساؤل بخصوص قدرة القانون على تأهيل وتخليق المشهد السياسي ما لم تكن هناك ثقافة سياسية لدى النخب الحزبية نفسها؟
اترك تعليقاً