السياسات العمومية في عهد حكومة أخنوش: مقاربة نقدية بين المرجعية النظرية والواقع التطبيقي

تشكّل السياسات العمومية إحدى أهم الأدوات التي تعتمدها الحكومات لترجمة اختياراتها السياسية إلى برامج وتدابير ذات آثار اقتصادية واجتماعية ملموسة غير أن تقييم هذه السياسات لا يمكن أن يستند إلى مجرد وجود برامج حكومية أو إلى حجم الموارد المالية المرصودة لتنفيذها وإنما يقتضي الوقوف على مدى قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة ومدى اتساقها مع الحاجات الفعلية للمجتمع فضلًا عن قياس آثارها على الفئات المستهدفة، ومن هذا المنظور تكتسب تجربة حكومة عزيز أخنوش التي تولت مسؤولية تدبير الشأن الحكومي منذ أكتوبر 2021 خلال الولاية التشريعية الحادية عشرة، أهمية خاصة باعتبارها تجربة تسمح بفحص العلاقة بين التصور النظري للسياسات العمومية وبين شروط إنتاجها وتنفيذها وتقييمها في السياق المغربي.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى التباين الملحوظ بين الخطاب الحكومي الذي يركز، في الغالب على المؤشرات الكمية وعلى حجم الإنجازات المعلنة وبين المعطيات التي تقدمها بعض المؤسسات الوطنية والدولية بشأن التشغيل والقدرة الشرائية والفوارق الاجتماعية وفعالية الإصلاحات الهيكلية. لذلك لا يتعلق الأمر بمجرد المفاضلة بين روايتين متعارضتين وإنما بمحاولة بناء تقييم يستند إلى مجموعة من المعايير المستخلصة من المرجعيات العلمية المتعلقة بالسياسات العمومية وفي مقدمتها وضوح الرؤية الاستراتيجية والمقاربة التشاركية، التقييم المستقل، القدرة على تحقيق أثر توزيعي متوازن.
ومن الناحية المفاهيمية لا تختزل السياسة العمومية في القرارات الإدارية التي تصدر عن السلطة التنفيذية بل تشير إلى مسار متكامل تتداخل فيه عملية تحديد المشكلات العامة، صياغة البدائل، اتخاذ القرار وتعبئة الموارد ثم التنفيذ والتقييم، وعليه فإن السياسة العمومية الفعالة لا تقاس فقط بمدى قدرة الحكومة على الإعلان عن أهدافها وإنما كذلك بقدرتها على تحويل تلك الأهداف إلى نتائج قابلة للقياس والتحقق، ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الدول التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية متشابكة إذ يصبح تقييم الأثر شرطًا أساسيًا للحكم على مدى نجاح التدخل العمومي.
وفي التجربة الأمريكية، التي تمثل إحدى التجارب المرجعية في مجال صناعة السياسات العمومية تتخذ عملية صنع القرار طابعًا مؤسساتيًا متعدد الفاعلين حيث يتقاطع دور السلطة التنفيذية مع الكونغرس ومؤسسات الرقابة والتقييم والجامعات ومراكز البحث ومنظمات المجتمع المدني، وتبرز في هذا السياق أهمية آليات التقييم المستقل وإتاحة البيانات أمام الفاعلين بما يسمح بمراجعة البرامج العمومية استنادًا إلى النتائج المحققة وليس فقط إلى النوايا المعلنة، ومن ثم فإن معيار النجاح لا يرتبط حصريًا بحجم الإنفاق العمومي أو بعدد البرامج المنجزة، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي ومستدام في المؤشرات التي تستهدفها.
أما في الحالة المغربية، فقد جاءت حكومة عزيز أخنوش في سياق مؤسساتي اتسم باستمرار تنزيل توجهات النموذج التنموي الجديد إلى جانب التزامات مرتبطة بالتنمية البشرية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتعزيز الاستثمار وتحسين جودة الخدمات العمومية، وقد شكلت الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية التي جرت في 8 شتنبر 2021 نقطة انطلاق لهذه المرحلة، قبل أن تتولى الحكومة مهامها في أكتوبر من السنة نفسها ثم أعيد تشكيلها في أكتوبر 2024 في إطار تعديل حكومي موسع.
ويكتسي هذا السياق أهمية في تقييم السياسات العمومية لأن الحكم على الأداء الحكومي لا ينبغي أن يتم بمعزل عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي جرى فيها تنفيذ البرامج، فقد واجهت الحكومة، منذ بداية ولايتها مجموعة من الضغوط المرتبطة بآثار جائحة كوفيد-19 وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، والتقلبات المناخية التي انعكست بصورة مباشرة على القطاع الفلاحي فضلًا عن التحولات التي عرفها الاقتصاد العالمي. غير أن هذه العوامل الخارجية على أهميتها لا تلغي ضرورة مساءلة السياسات المعتمدة حول مدى قدرتها على الاستجابة لهذه التحديات وتحويلها إلى فرص للإصلاح الهيكلي.
وعند الانتقال إلى تقييم الحصيلة الحكومية يظهر أن الخطاب الرسمي اعتمد بصورة واضحة على المؤشرات الاقتصادية والمالية لإبراز النتائج المحققة، فقد تم التركيز على معدلات النمو، والتحكم في عجز الميزانية واستقرار المؤشرات المالية فضلًا عن تطور معدلات التضخم وتحسن بعض المؤشرات المرتبطة بجاذبية الاقتصاد والاستثمار، وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها باعتبارها عناصر أساسية في تقييم الاستقرار الاقتصادي غير أن الاقتصار عليها قد يؤدي إلى صورة جزئية إذا لم تُربط بالمؤشرات الاجتماعية وسوق الشغل وتطور القدرة الشرائية.
وتكشف قراءة المعطيات الاقتصادية والاجتماعية عن صورة أكثر تركيبًا، فحتى عندما يسجل الاقتصاد معدلات نمو إيجابية فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتقال آثار النمو بصورة متوازنة إلى مختلف فئات المجتمع، فقد تظل آثار النمو محدودة على مستوى خلق فرص الشغل أو قد تترافق مع استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية كما يمكن أن يؤدي ارتفاع المستوى العام للأسعار إلى تقليص الأثر الفعلي لتحسن بعض المؤشرات الماكرو اقتصادية على مستوى معيشة الأسر، ومن هنا يصبح التمييز ضروريًا بين الأداء الاقتصادي الكلي وبين الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية.
وتشير التقارير الصادرة عن المؤسسات الوطنية والدولية إلى هذه الازدواجية في تقييم الوضع الاقتصادي، فمن ناحية توجد مؤشرات تدل على تحسن بعض التوازنات الاقتصادية والمالية، ومن ناحية أخرى تستمر تحديات مرتبطة بالتشغيل، وخصوصًا تشغيل الشباب والنساء فضلًا عن ضعف قدرة الاقتصاد على إحداث عدد كاف من مناصب الشغل ذات القيمة المضافة، كما تظل مسألة ارتفاع الأسعار رغم تراجع معدل التضخم، ذات أثر مباشر على القدرة الشرائية لأن انخفاض وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية منهجية عند تقييم السياسات العمومية، فالتضخم هو في الأصل مؤشر لوتيرة تغير الأسعار خلال فترة معينة بينما يعكس مستوى الأسعار التراكمي وضعًا مختلفًا، لذلك فإن تسجيل معدل تضخم منخفض في سنة معينة لا يعني بالضرورة استعادة الأسر لقدرتها الشرائية السابقة خصوصًا إذا كانت الأسعار قد ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات السابقة، ومن ثم فإن الاقتصار على مؤشر واحد قد يؤدي إلى قراءة غير مكتملة للأثر الاجتماعي للسياسات الاقتصادية.
ووفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن معدل التضخم انتقل من 0.2 في المائة سنة 2021 إلى 6.6 في المائة سنة 2022 ثم 4.9 في المائة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى 0.8 في المائة سنة 2025، غير أن هذا التراجع لا يلغي حقيقة أن المستوى العام للأسعار ارتفع بنسبة تراكمية تناهز 15 في المائة مقارنة بسنة 2021 حسب ما أكده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره السنوي لسنة 2025، أما المواد الغذائية وحدها، فسجلت ارتفاعًا تراكميًا يقارب 27 في المائة خلال الفترة نفسها، مما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، وخاصة الفئات الهشة.
كما أن سوق الشغل يمثل أحد أهم الاختبارات العملية لفعالية السياسة العمومية. فالنمو الاقتصادي لا يكتسب دلالته التنموية الكاملة ما لم يكن قادرًا على خلق فرص عمل منتجة ومستدامة، وفي هذا الإطار تطرح معدلات البطالة وضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وارتفاع عدد الشباب غير الموجودين في التعليم أو العمل أو التكوين أسئلة جدية حول قدرة السياسات العمومية على تحويل النمو إلى إدماج اقتصادي واجتماعي، وتصبح هذه المسألة أكثر إلحاحًا في حالة الاقتصادات التي تتوفر على قاعدة شبابية واسعة حيث لا يمثل التشغيل مجرد مؤشر اقتصادي وإنما يشكل عنصرًا أساسيًا في الاستقرار الاجتماعي وفي توسيع قاعدة الطبقة الوسطى.
ووفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط فإن معدل البطالة انتقل من 11.2 في المائة سنة 2022 إلى 13 في المائة سنة 2023 ليؤثر على ما يقارب 1.5 مليون شخص. أما البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة فبلغت 36.7 في المائة، بينما بلغت في صفوف النساء 16.8 في المائة مقابل 11.7 في المائة لدى الرجال، كما أن نسبة نشاط النساء ظلت مستقرة عند مستوى منخفض لا يتجاوز 24.2 في المائة، مما يعكس محدودية إدماج المرأة في السوق الشغلية.
أما فيما يتعلق بالشباب غير الموجودين في التعليم أو العمل أو التكوين، والمعروفين بفئة “NEET” فقد كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في رأي استشاري صادر في أبريل 2024 أن عددهم يناهز 4.3 مليون شاب أي ما يمثل 35 في المائة من إجمالي فئة الشباب، وتتركز هذه الفئة بالخصوص في العالم القروي حيث تصل النسبة إلى 50 في المائة لدى الإناث القرويات.
ومن زاوية أخرى، فإن تقييم البعد الاستراتيجي للسياسات الحكومية يقتضي التمييز بين وجود برنامج حكومي يتضمن مجموعة من الالتزامات وبين القدرة الفعلية على تنفيذ تلك الالتزامات، فقد وضعت الحكومة أهدافًا تتعلق بالتشغيل، الاستثمار، الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية إلا أن قياس نجاحها يظل مرتبطًا بمدى تحقق هذه الأهداف ضمن الآجال المحددة وبالنتائج التي أفرزها التنفيذ، ولذلك فإن وجود برنامج حكومي واضح يمثل شرطًا ضروريًا لكنه لا يشكل في حد ذاته دليلًا على نجاح السياسة العمومية.
ويبدو الأمر أكثر تعقيدًا عندما يتعلق التقييم بالإصلاحات الهيكلية، فالإصلاح الهيكلي لا ينتج أثره بالضرورة في الأمد القصير وقد يحتاج إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجه في مؤشرات النمو أو التشغيل أو الإنتاجية، غير أن هذا البعد الزمني لا يمنع من تقييم مسار الإصلاح من خلال فحص درجة التقدم في تنفيذ الإجراءات ومدى انسجامها مع الأهداف المعلنة وقدرتها على معالجة الاختلالات التي تستهدفها، وعليه فإن الحكم على السياسة العمومية ينبغي أن يميز بين التأخر الطبيعي في ظهور النتائج وبين ضعف التنفيذ أو غياب الإصلاحات الضرورية.
أما البعد التشاركي فيمثل بدوره معيارًا أساسيًا في تقييم جودة السياسات العمومية، فالتشاركية لا ينبغي أن تختزل في عرض الحكومة لحصيلتها أمام البرلمان أو في إجراء مشاورات محدودة، وإنما يفترض أن تشمل مختلف مراحل السياسة العمومية ابتداءً من تحديد المشكلة وصولًا إلى التنفيذ والتقييم، ويشمل ذلك إشراك المؤسسات الدستورية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، المجتمع المدني والباحثين، الفئات المتأثرة مباشرة بالسياسات المعتمدة، وكلما اتسعت دائرة المشاركة أمكن تحسين جودة المعلومات المتاحة لصانع القرار وتقليص احتمال تصميم سياسات لا تنسجم بصورة كافية مع الحاجات الفعلية للفئات المستهدفة.
وفي هذا السياق، تكتسب التقارير الصادرة عن المؤسسات المستقلة أهمية خاصة ليس باعتبارها مواقف سياسية من أداء الحكومة وإنما بوصفها أدوات للتقييم وتوفير المعلومات لصانع القرار والرأي العام، ولذلك فإن اختلاف الحكومة مع نتائج تقرير صادر عن مؤسسة دستورية أو هيئة مستقلة لا يمثل في حد ذاته مؤشرًا على ضعف الحوكمة ما دام الاختلاف مؤطرًا بالنقاش المؤسساتي والحجج والمعطيات، غير أن القيمة الحقيقية لهذه المؤسسات تظهر عندما يتم التعامل مع ملاحظاتها باعتبارها مدخلًا لمراجعة السياسات وتحسينها، وليس فقط باعتبارها تقييمات منافسة للرواية الحكومية.
ومن هذا المنظور تبدو مسألة التقييم المستقل من أكثر الجوانب التي تحتاج إلى تطوير في مجال السياسات العمومية، فالحصيلة الرقمية التي تقدمها الحكومة تظل ضرورية لكنها لا تكفي للإجابة عن السؤال المتعلق بالأثر، ويقتضي ذلك الانتقال من قياس المدخلات والمخرجات إلى قياس النتائج والآثار، فعدد المشاريع المنجزة أو حجم الموارد المرصودة لا يبين بالضرورة ما إذا كانت هذه المشاريع قد حسنت مستوى الخدمات أو ساهمت في خفض الفوارق أو رفعت الإنتاجية، ومن هنا يصبح التقييم المستقل أداة لتجاوز الفجوة بين الإنجاز الإداري والأثر التنموي.
كما يطرح البعد التوزيعي للسياسات الحكومية إشكالية لا تقل أهمية، فالسياسة العمومية لا تقاس فقط بحجم القيمة الاقتصادية التي تنتجها وإنما كذلك بكيفية توزيع منافعها وتكاليفها بين الفئات والمناطق، وقد تستفيد المقاولات الكبرى على سبيل المثال بصورة أكبر من الأوراش الاستثمارية الضخمة في حين قد تحتاج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى آليات دعم مختلفة تمكنها من الاندماج في سلاسل القيمة والاستفادة من الفرص التي تتيحها الاستثمارات العمومية، وبالمثل فإن تحسين المؤشرات الاقتصادية العامة لا يعني تلقائيًا تحسن أوضاع الشباب والنساء والفئات الهشة إذا لم تكن هناك سياسات استهدافية تراعي خصوصية هذه الفئات.
وتكشف هذه الملاحظة عن أحد أوجه الاختلاف الأساسية بين تقييم السياسة العمومية من منظور اقتصادي صرف وبين تقييمها من منظور تنموي شامل، فالمقاربة الاقتصادية الكلية تركز على النمو والاستثمار والتوازنات المالية بينما يضيف المنظور التنموي أبعادًا تتعلق بالتوزيع والإدماج، تكافؤ الفرص، جودة الخدمات، والاستدامة، وبناءً عليه، فإن نجاح السياسة العمومية يتطلب الجمع بين الاستقرار الاقتصادي والفعالية الاجتماعية بدل التعامل معهما باعتبارهما هدفين منفصلين.
وعند مقارنة التجربة المغربية بالنموذج الأمريكي ينبغي توخي الحذر من إجراء مقارنة مباشرة بين نظامين سياسيين ومؤسساتيين يختلفان في بنيتهما الدستورية وحجم اقتصادهما وتاريخ مؤسساتهما، ومع ذلك، تسمح المقارنة باستخلاص بعض الدروس المتعلقة بمنهجية صناعة السياسات وتقييمها، فالولايات المتحدة تعتمد على تعدد مراكز القرار والرقابة وعلى حضور قوي لمؤسسات التقييم والبحث كما تتسم عملية صنع السياسات بدرجة مرتفعة من التفاعل بين السلطة التنفيذية والكونغرس والقطاع الخاص ومراكز التفكير والمجتمع المدني، أما في الحالة المغربية، فتظل السلطة التنفيذية أكثر مركزية في عملية صناعة السياسات مع وجود مؤسسات دستورية واستشارية ورقابية يمكن أن تؤدي دورًا أكبر في التقييم والمساءلة.
وبالتالي، لا تكمن المسألة في القول إن نموذجًا مؤسساتيًا أفضل بصورة مطلقة من الآخر وإنما في استخلاص المبادئ التي يمكن تكييفها مع السياق المغربي، ويأتي في مقدمة هذه المبادئ ضرورة ربط البرامج الحكومية بمؤشرات أداء واضحة وتعزيز استقلالية التقييم وإتاحة البيانات وإشراك الفاعلين المتأثرين بالسياسات ثم اعتماد آليات منتظمة لمراجعة البرامج بناءً على النتائج، فهذه العناصر هي التي تسمح بتحويل السياسة العمومية من التزام سياسي إلى عملية مؤسساتية قابلة للقياس والتصحيح.
وبناءً على ما سبق يصعب اختزال حصيلة حكومة أخنوش في حكم ثنائي يقوم على النجاح أو الفشل، فالمعطيات تسمح بالقول إن الحكومة حققت بعض النتائج على مستوى الاستقرار المالي وتدبير عدد من الأوراش الاقتصادية والاجتماعية غير أن هذه النتائج لا تلغي استمرار اختلالات مرتبطة بالتشغيل، القدرة الشرائية، الفوارق الاجتماعية والمجالية ووتيرة الإصلاحات الهيكلية، لذلك تبدو الحصيلة أقرب إلى أداء متفاوت المجالات إذ تتجاور فيها عناصر نجاح على المستوى الماكرو اقتصادي مع حدود واضحة على مستوى الأثر الاجتماعي والتوزيعي.
ومن ثم، فإن الحكم على مدى احترام حكومة أخنوش لمفهوم السياسات العمومية وفق التصورات النظرية الحديثة يقتضي القول إن عناصر السياسة العمومية بمعناها المؤسساتي كانت حاضرة من حيث وجود البرنامج والأهداف والموارد وآليات المتابعة غير أن الفجوة تظل قائمة بين تصميم السياسات وبين قياس أثرها الفعلي، كما أن محدودية المشاركة في بعض مراحل صناعة القرار والحاجة إلى تعزيز استقلالية التقييم وضعف الربط بين مؤشرات النمو ومؤشرات الرفاه الاجتماعي تمثل جميعها جوانب تستحق مزيدًا من المعالجة.
وبناءً عليه، فإن الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من التجربة الحكومية خلال هذه الولاية لا يتمثل في التخلي عن المقاربة الاقتصادية الكلية وإنما في استكمالها بمقاربة أكثر ارتباطًا بالنتائج الاجتماعية وبالأثر الفعلي للسياسات، ويتطلب ذلك تطوير منهجية صناعة القرار العمومي على أساس دورة متكاملة تبدأ بالتشخيص الدقيق للمشكلة ثم تحديد الأهداف والمؤشرات مرورًا بالتنفيذ وانتهاءً بالتقييم المستقل وإعادة توجيه السياسات عند الضرورة.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة قائمة أمام الولايات التشريعية المقبلة إلى إعادة النظر في منهجية إعداد السياسات العمومية بما يسمح بالانتقال من التركيز على الإعلان عن البرامج إلى بناء سياسات قابلة للقياس والتقييم، كما يظل تعزيز مشاركة المجتمع المدني والنقابات والقطاع الخاص والخبراء شرطًا لتحسين جودة القرار العمومي إلى جانب تطوير أنظمة البيانات ونشر المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية بصورة منتظمة وقابلة للتحقق.
ولا يقل أهمية عن ذلك اعتماد مقاربة أكثر دقة في التعامل مع الفئات الهشة، والشباب والنساء والمقاولات الصغيرة والمتوسطة من خلال سياسات تستند إلى حاجاتها الفعلية بدل الاكتفاء بالبرامج العامة، فنجاح السياسة العمومية يتجسد في قدرتها على إحداث أثر قابل للملاحظة لدى الفئات التي تستهدفها وليس فقط في حجم الموارد التي تعبئها أو عدد المشاريع التي تعلن عنها.
وخلاصة القول، إن تجربة حكومة أخنوش تكشف عن مفارقة أساسية في تقييم السياسات العمومية: فقد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية في الوقت الذي تظل فيه آثار التحسن محدودة على المستوى الاجتماعي، ومن ثم فإن تقييم الأداء الحكومي ينبغي أن يتجاوز ثنائية «الإنجاز» و«الفشل» نحو مقاربة أكثر تركيبًا تميز بين المدخلات والمخرجات والنتائج، والآثار، وفي ضوء هذا المنظور تصبح جودة السياسة العمومية مرتبطة بقدرتها على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية، والفعالية الاجتماعية والعدالة التوزيعية، التشاركية والشفافية، التقييم المستقل، وهي عناصر لا تمثل فقط شروطًا لتحسين أداء الحكومات بل تشكل كذلك أساسًا لبناء ثقة أكثر استدامة بين المؤسسات والمجتمع وتحويل السياسات العمومية من برامج معلنة إلى أدوات فعلية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
اترك تعليقاً